الحرب العالمية الثانية وتأثيرها على العراق - حامد الحمداني

المتواجدون الأن

142 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

الحرب العالمية الثانية وتأثيرها على العراق - حامد الحمداني

 

 أولاً: صعود النازية الفاشية إلى سدة الحكم:

كان اندحار ألمانيا في الحرب العالمية الأولى عام 1918، وتجريدها من كل نفوذ لها في العالم، بموجب معاهدة [ فرساي ] الموقعة بين الحلفاء وألمانيا في نهاية الحرب، وسيطرة بريطانيا وفرنسا على الأسواق العالمية، سبباً رئيسياً لمحاولة الرأسماليين الألمان إعادة تقسيم النفوذ والأسواق العالمية من جديد، وتحطيم تلك المعاهدة .

ومن أجل تحقيق هذا الهدف لجأ الرأسماليون الألمان إلى سحق الديمقراطية، والإتيان بحكومة فاشية، وعلى رأسها زعيم الحزب النازي [أدولف هتلر] العريف السابق في الجيش الألماني، والمعروف بعدائه الشديد للديمقراطية.

كان في مقدمة أهداف حكومة هتلر تصفية جميع الأحزاب السياسية في البلاد بدءاً بالحزب الشيوعي، مروراً بالحزب الاشتراكي، وانتهاءً بالحزب الديمقراطي المسيحي.

 ومن أجل تحقيق هذا الهدف أوعز إلى رجاله بحرق [الريشستاخ] أي البرلمان، واتهم الشيوعيين الذين كانوا يمثلون قوة رئيسية في البرلمان وعلى الساحة السياسية الألمانية  بحرقه، لكي يجد الذريعة لتوجيه الضربة القاضية للحزب الشيوعي مستخدماً أبشع الأساليب النازية وحشية.

 ثم التفت هتلر إلى الأحزاب الأخرى، وفي المقدمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، تلك الأحزاب التي  ضنت أنها في منأى من بطش هتلر، ورفضت التعاون مع الحزب الشيوعي في الانتخابات، ومهدت الطريق لصعود الحزب النازي إلى السلطة، وأنزل بها هتلر ضرباته ومزقها، تماماًكما فعل بالشيوعيين. وبذلك تسنى لهتلر تصفية أي معارضة لسلطته، وأصبح طليق اليدين في اتخاذ أخطر القرارات المتعلقة بمستقبل البلاد، بلالعالم أجمع.

كانت الخطوة التالية لهتلر هي [التسلح]، حيث أقدم على تمزيق معاهدة [فرسايوضربها عرض الحائط، وسخر كل إمكانيات البلاد الاقتصادية والصناعية للتسلح وإنشاء جيش ضخم وقوي، لكي يستطيع بواسطته فرض تقسيم جديد للعالم، ومناطق النفوذ.

ورغم تحذير الاتحاد السوفيتي للغرب آنذاك من مغبة السماح لهتلر بتهديد السلام في العالم، وضرورة إيقافه عند حده، إلا أن الحكام الغربيين لم يعيروا أي اهتمام إلى تلك التحذيرات.

بدأ هتلر منذ عام 1938 ينفذ خططه للتوسع، حيث أقدم على احتلال [النمسا] و[جيكوسلفاكيا] وأعلن ضمهما إلى المانيا دون أن يلقى أي ردع من جانب الدول الغربية.

وهكذا أخذت شهية هتلر تتصاعد لضم المزيد من الأراضي، فطالب بضم مقاطعة [ دانزج ]البولندية إلى المانيا، مدعياً أنها مقاطعة ألمانية، ولما لم ترضخ حكومة بولندا إلى ضغوطه، أقدم هتلر على مهاجمة بولندا عام 1939 ، حيث دفع  بـ 36 فرقة من خيرة قواته العسكرية، مع أكثر من ألفي طائرة حربية، واستطاع ابتلاعها خلال أسبوع، بعد أن دمر عاصمتها وارشو تدميراً شبه كامل، وأباد مئات الألوف من سكانها.

ثانياً:اندلاع الحرب العالمية الثانية

 بعد أن تم لدكتاتور ألمانيا هتلر احتلال النمسا وجيكوسلفاكيا، وضمهما للريخ الألماني، ومهاجمة واحتلال بولندا، أدرك حكام بريطانيا وفرنسا أن أطماع هتلر لن تقف عند حد، وأن الخطر الألماني سوف يصل إليهما عاجلاً أم عاجلاً، وهكذا سارعا إلى إعلان الحرب على المانيا في 3 أيلول 1939، وبذلك اشتعل لهيب الحرب العالمية الثانية ليشمل أوربا بأسرها، حيث توسعت بدخول إيطاليا الحرب إلى جانب ألمانيا، ودخول اليابان الحرب كذلك، بعد إقدامها على قصف ميناء [ بيرل هاربر] الأمريكي على حين غرة، والذي دفع الولايات المتحدة إلى دخول الحرب إلى جانب بريطانيا وفرنسا مكونين جبهة الحلفاء ضد ألمانيا وإيطاليا واليابان.

 ثم ما لبث هتلر، وقد أغرته انتصاراته في الحرب في غرب أوربا،واحتلاله فرنسا، إلى مهاجمة الاتحاد السوفيتي، ودخول الاتحاد السوفيتي الحرب إلى جانب الحلفاء، وبذلك امتدت الحرب لتشمل العالم أجمع، ولم ينجُ من نارها وآلامها ومآسيها سوى تركيا وسويسرا والسويد، حيث بقيت هذه الدول على الحياد.

 ثالثا: العراق والحرب العالمية الثانية:

لم تكد بريطانيا تعلن الحرب على المانيا، واشتعال لهيب الحرب في أنحاء أوربا، حتى بادر السفير البريطاني للاتصال بنوري السعيد على الفور،طالباً منه تطبيق معاهدة التحالف المبرمة بين البلدين في 30 حزيران 1930، وإعلان الحرب على  المانيا، وقد طمأن نوري السعيد السفير البريطاني، ووعده بقطع العلاقات مع ألمانيا، وإعلان الحرب عليها بأسرع وقت.

وعلى الفور أبلغ نوري السعيد الوصي عبد الإله برغبة بريطانيا بإعلان الحرب على المانيا، وتقرر عقد اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة عبد الإله، في 5 أيلول 1939، وطرح نوري السعيد أمام مجلس الوزراء الطلب البريطاني.

 لكن خلافاً حاداً حدث داخل مجلس الوزراء، فقد رفض وزير الدفاع  طه الهاشمي،  ووزير العدل محمود صبحي الدفتري فكرة إعلان الحرب على المانيا، والاكتفاء بقطع العلاقات الدبلوماسية معها، و أعلنا أنهما سيقدمان استقالتهما إذا ما أصرَّ نوري السعيد على إعلان الحرب.(1)

 وإزاء ذلك الموقف اضطر نوري السعيد للتراجع مؤقتاً والاكتفاء بقطع العلاقات الدبلوماسية، وسارع بالطلب من السفير الألماني [الدكتور كروبا] بمغادرة البلاد تحت حراسة الشرطة نحو سوريا، كما قام نوري السعيد باعتقال كافة الرعايا الألمان، وسلمهم للقوات البريطانية المتواجدة في قاعدة الحبانية، ثم جرى تسفيرهم إلى الهند كأسرى حرب.

أما عبد الإله فقد سارع إلى إرسال برقية إلى الملك جورج ـ ملك بريطانيا ـ يبلغه أن العراق سوف يلتزم تماماً بمعاهدة الصداقة والتحالف المعقودة مع بريطانيا عام 1930، وسوف يقدم العراق كل ما تتطلبه المعاهدة.(2)

كما أذاع نوري السعيد بياناً للحكومة في 17 أيلول أعلن فيه التزام العراق بمعاهدة التحالف مع بريطانيا، واستعداد الحكومة للقيام بما تمليه تلك المعاهدة من واجبات تجاه الحليفة بريطانيا، وقد سبب موقف نوري السعيد وحكومته موجة من السخط العارم على تلك السياسة اللاوطنية، والتي تهدف إلى زج العراق في الحرب الإمبريالية.

ومن أجل إسكات وقمع المعارضة لزج العراق بتلك الحرب أقدم نوري السعيد على تعطيل مجلس النواب، الذي كانت وزارته قد أجرت انتخابه قبل مدة وجيزة، ولجأ إلى إصدار المراسيم المخالفة للدستور، والهادفة إلى قمع كل معارضة لسياسته الموالية لبريطانيا، وكان من بين تلك المراسيم مرسوم مراقبة النشر رقم 54 لسنة 1939، ومرسوم الطوارئ رقم 57 لسنة 1939، منتهكاً بذلك الحقوق والحريات التي كفلها الدستور للشعب، وفي مقدمتها حرية الصحافة. (3)

وتطبيقاً لمعاهدة 1930، فتح نوري السعيد الباب على مصراعيه للقوات البريطانية لكي تحتل العراق من جديد، كما سنرى، ليصبح العراق طرفاً في حرب استعمارية لا ناقة له فيها ولا جمل، كما يقول المثل.

وهكذا اتسعت ساحة الحرب العالمية الثانية، بعد أن أمتد لهيبها ليشمل أوربا وأسيا، وأفريقيا، ولم تترك بلداً إلا وكان لها تأثيراً كبيراً عليه، سواء كان عسكرياً أم اقتصادياً أم اجتماعياً، وكان العراق غارقاً في خِضمْ تلك الحرب بعد أن احتلته القوات البريطانية احتلالاً كاملاً لمنع القوات الألمانية من الوصول إليه، حيث يمتلك العراق مصادر الطاقة [النفط] التي كانت ألمانيا بأمس الحاجة لها لإدامة ماكنتها الحربية.

لقد عانى الشعب العراقي الأمرّين من تلك الحرب، حيث أفتقد المواد الغذائية، والملابس، وغيرها من الحاجات المادية الضرورية الأخرى،وأصبحت تلبية تلك الحاجات أمر صعب للغاية، واضطرت الحكومة إلى تطبيق نظام الحصص [الكوبوناتلكي تحصل العوائل على حاجتها من المواد الغذائية والأقمشة لصنع الملابس واشتهرت تلك الأيام بـ [أيام الخبز الأسود] بسبب النقصان الخطير في الحبوب،  ورداءة نوعية الطحين، وخلطه بمواد غريبة، هذا بالإضافة إلى صعوبة الحصول عليه، حيث كانت تمتد صفوفاً من الطوابير أمام المخابز كل يوم.

 كما أن حكومة نوري السعيد كانت قد سخرت طرق المواصلات كافة، وموارد البلاد لخدمة الإمبريالية البريطانية وحربها، مما أثار غضب الشعب العراقي وحقده على الإنكليز، وحكومة نوري السعيد ،والأمير عبد الإله الوصي على عرش العراق.

 مقتل رستم حيدر وزير المالية والسعيد يلصق التهمة بمعارضيه

في 18 كانون الثاني 1940 ، أقدم أحد منتسبي الشرطة، المفوض [حسين فوزي توفيق] على إطلاق النار على وزير المالية [رستم حيدر] في مكتبه بالوزارة، وأصابه بجروح خطيرة، نقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة بعد أربعة أيام، متأثراً بجراحه، وقد تم اعتقال القاتل.

 حاول نوري السعيد أن يستغل الحادث لتوجيه تهمة التحريض على القتل لعدد من الشخصيات السياسية المعارضة، حيث أقدم على اعتقال كل من الوزيرين السابقين [صبيح نجيب] و[إبراهيم كمال]، والمحاميين المعروفين [ نجيب الراوي] و[شفيق السعيدي] موجهاً لهم تهمة التحريض على قتل الوزير. وقام نوري السعيد بمقابلة القاتل في السجن وضغط عليه، ووعده بالتخفيف عنه لكي يعترف بأن صبيح نجيب، وإبراهيم كمال قد حرضاه على قتل رستم حيدر.

 أثار تصرف نوري السعيد هذا حفيظة العديد من رؤساء الوزارات، والوزراء السابقين، بالإضافة إلى وزير الداخلية في حكومة السعيد [ناجي شوكتحيث وجدوا أن نوري السعيد يريد استخدام حادث القتل لتصفية عدد من خصومه السياسيين، ولذلك فقد لجئوا إلى الوصي عبد الإله، مستنكرين أعمال نوري السعيد بزج أسماء أولئك الذين اتهمهم بالتحريض على قتل رستم حيدر، وكان من بين أولئك الذين قابلوا الوصي وشكوه من تصرفات نوري السعيد كل من ناجي السويدي، وجميل المدفعي، وتوفيق السويدي، وهم جميعاً من رؤساء الوزارات السابقين .

 ورغم كل تلك الاحتجاجات حاول نوري السعيد إحالة هؤلاء المعتقلين إلى المجلس العرفي العسكري لمحاكمتهم بتهمة التحريض، إلا أن وزير الخارجية [علي جودت الأيوبي]، ووزير المواصلات والأشغال[جلال بابان] عارضا بشدة محاولة نوري السعيد، وطالبا بإحالة القضية إلى محكمة مدنية، كما هدد وزير العدل [محمود صبحي الدفتري] بالاستقالة إذا ما مضى السعيد بخططه، وقد أيد موقف الوزير اثنان آخران من الوزراء،وبذلك فشلت خطط نوري السعيد، وأصبح من المتعذر عليه الاستمرار في الحكم بتلك التشكيلة الوزارية، فتوجه باستقالة حكومته إلى الوصي، في 18 شباط 1940.

 استقالة وزارة نوري السعيد:

قبل أن يقدم نوري السعيد استقالة حكومته إلى الوصي، دعا مساء يوم 14 شباط، القادة العسكريين الذين كان يتوكأ عليهم، وهم العقداء [ صلاح الدين الصباغ ] و[فهمي سعيد ] و [محمود سلمان ] و [ كامل شبيب ] و[ سعيد يحيى ] و [إسماعيل نامق ] إلى العشاء معه في داره، وفي أثناء المأدبة فاتحهم بموضوع وزارته وأوضاعها، بعد مقتل رستم حيدر، معرباً عن رغبته في الاستقالة، وأبلغهم أنه اتفق مع [ طه الهاشمي ] على إسناد رئاسة الوزارة إلى [ رشيد عالي الكيلاني]، وقد عبر قادة الجيش عن معارضتهم الاستقالة ودعمهم له.

لكن نوري السعيد عاد بعد يومين إلى فكرة الاستقالة. وفي الوقت نفسه قام وزير الدفاع [ طه الهاشمي ] بجمع قادة الجيش في 18 شباط، وشرح لهم ضرورة استقالة الحكومة، وتأليف حكومة جديدة قوية.

ولما بلغ أسماع رئيس أركان الجيش [ الفريق حسين فوزي ] تلك التحركات، أستدعى أولئك القادة العسكريين، وأبلغهم أن في نية نوري السعيد الاستقالة، وتكليف [رشيد عالي الكيلاني] بتشكيل الوزارة الجديدة على أن يشغل نوري السعيد وزارة الخارجية، و[طه الهاشمي ] وزارة الدفاع، وأبدى [حسين فوزي] و [أمين العمري] رغبتيهما في عدم إشراك هذين القطبين الذين استخدما الجيش في المسائل السياسية، وضرورة إبعاد الجيش عن السياسة.

ولما علم نوري السعيد بتحركات الفريق حسين فوزي والفريق أمين العمري،  قرر سحب استقالة حكومته، وأصدر قراراً بإحالة كل من حسين فوزي، وأمين العمري،  وعزيز ياملكي على التقاعد،  في الوقت الذي كان هؤلاء يخططون لعمل ضد حكومته، لكن السعيد كان أسرع منهم حيث وجه لهم ضربته، وعاد يمتلك السلطة والقوة من جديد، حيث كلفه عبد الإله بتأليف الوزارة الجديدة.

 ثالثاً: نوري السعيد يؤلف الوزارة من جديد:

حاول عبد الإله تشكيل وزارة محايدة برئاسة الشيخ [ محمد الصدر ] رئيس مجلس الأعيان، إلا أن الصدر اعتذر عن هذه المهمة، بسبب ضغوط العسكريين الموالين لنوري السعيد، كما اعتذر رشيد عالي الكيلاني عن المهمة لنفس السبب.

أما نوري السعيد فقد ذهب لمقابلة الوصي عبد الإله، وأبلغه أن الجيش معه، فلم يجد الوصي سبيلاً سوى تكليف نوري السعيد من جديد، في 22 شباط 1940، وتم تشكيل الوزارة بنفس اليوم، وجاءت على الشكل التالي:

 1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء، ووزيراً للخارجية .

2 ـ عمر نظمي ـ وزيراً للداخلية، ووزيراً للعدل بالوكالة.

3 ـ طه الهاشمي ـ وزيراً للدفاع.

4 ـ رؤوف البحراني ـ وزيراً للمالية.

5 ـ صادق البصام ـ وزيراً للاقتصاد.

6 ـ محمد أمين زكي ـ وزيراً للمواصلات والأشغال.

ـ سامي شوكت ـ وزيراً للمعارف.

8 ـ صالح جبر ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية.

لكن هذه الوزارة كانت قصيرة العمر، حيث لم تمكث في الحكم سوى خمسة أسابيع عمل خلالها نوري السعيد جاهداً على إدانة المتهمين بالتحريض على قتل رستم حيدر، لكنه لم يوفق في ذلك بعد أن طلبت منه الحكومة البريطانية إجراء محاكمة مدنية لهم، واضطر نوري السعيد إلى سحب الدعوة من المجلس العرفي، وأحالها إلى المحاكم المدنية التي نظرت في الدعوة، وقررت براءتهم من التهمة الموجه لهم،  إلا أنها حكمت على وزير الدفاع السابق [صبيح نجيب] بالسجن لمدة  سنة واحدة بسبب تهجمه على حكومة نوري السعيد، حيث اعتبرت المحكمة ذلك التهجم إثارة للرأي العام ضد الحكومة. أما القاتل فقد حكم علية بالإعدام، ونفذ الحكم به فجر يوم الأربعاء 27 آذار 1940، وبذلك أسدل الستار على هذه القضية التي أراد نوري السعيد استخدامها وسيلة للتنكيل بخصومه السياسيين، وأصبحت حكومة نوري السعيد في موقف ضعيف جداً، بعد افتضاح اللعبة التي لعبها، مما اضطره ذلك إلى تقديم استقالة حكومته إلى الوصي في 31 آذار 1940، حيث تم قبول الاستقالة في نفس اليوم، وباشر الوصي مشاوراته لتأليف وزارة جديدة، ودعا رؤساء الوزارات السابقين، كل من السادة علي جودت الأيوبي، وتوفيق السويدي، وناجي السويدي، وجميل المدفعي، ونوري السعيد، ورشيد عالي الكيلاني، وناجي شوكت، وتباحث معهم في أمر تأليف وزارة ائتلافية تضم جميع الأطراف، وتستطيع مجابهة الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، حيث استقر الرأي على تكليف [ رشيد عالي الكيلاني ]، وقيل آنذاك أن السفير البريطاني هو الذي أشار على الوصي بتأليف وزارة قومية تضم جميع الأطراف والتكتلات.

 رابعاً: رشيد عالي الكيلاني يؤلف وزارة جديدة:

 في 31 آذار 1940 صدرت الإرادة الملكية بتكليف رشيد عالي الكيلاني، الذي كان يشغل منصب رئيس الديوان الملكي آنذاك، بتأليف الوزارة الجديدة، وقد تم تأليفها على الوجه التالي:

1 ـ رشيد عالي الكيلاني ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية.

2 ـ نوري السعيد وزيراً للخارجية.

3 ـ طه الهاشمي ـ وزيراً للدفاع.

4 ـ ناجي السويدي ـ وزيراً للمالية.

5 ـ ناجي شوكت ـ وزيراً للعدلية.

6 ـ عمر نظمي ـ وزيراً للأشغال والمواصلات.

7 ـ صادق البصام ـ وزيراً للمعارف.

8 ـ محمد أمين زكي ـ وزيراً للاقتصاد.

9 ـ رؤوف البحراني ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية.

 وهكذا جاءت الوزارة الكيلانية الجديدة وهي تضم أربعة من رؤساء الوزارات السابقين، ومختلف الكتل، وحاولت تحسين صورتها أمام الرأي العام العراقي، فأقدمت على إلغاء الأحكام العرفية في الموصل وبغداد، وأطلقت سراح العديد من المعتقلين السياسيين الذين أدانتهم المجالس العرفية.

 لكن الحكومة بدأت باكورة أعمالها بإصدار مرسوم [ صيانة الأمن العام وسلامة الدولة] في 30 أيار 1940، وجاء هذا المرسوم أشد وطأة من المرسوم الذي أصدره نوري السعيد، والذي رفضته المحكمة العليا فيما بعد، لمخالفته أحكام الدستور، في 11 أيلول 1939، حيث خول المرسوم الجديد صلاحية اعتقال الأشخاص المشتبه بكونهم يمثلون خطراً على الأمن العام، ونفيهم، أو سجنهم لمدد تصل إلى 5 سنوات، وفرض المرسوم قيوداً جديدة على الصحف، وكافة وسائل النشر،  ومراقبة الرسائل البريدية، والتلفون، والبرقيات، ومراقبة المطبوعات والمطابع، وصلاحية غلقها، ومنع الاجتماعات والتجمعات، وتفريقها بالقوة، وغلق النوادي والجمعيات، ومنع التجول، وتفتيش الأشخاص والمساكن والمحلات، وغيرها من الإجراءات الأخرى المخالفة للدستور، وخول المرسوم وزير الداخلية صلاحية اتخاذ كل ما يلزم لتنفيذ هذا المرسوم، واعتبر هذا المرسوم لطخة سوداء في تاريخ الوزارة الكيلانية.

 خلافات خطيرة من جديد داخل مجلس الوزراء:

لم تكد تمضي سوى مدة شهرين على تشكيل الوزارة الكيلانية حتى دبت الخلافات بين أركانها من جديد بسبب الموقف من إيطاليا التي أعلنت الحرب على بريطانيا وفرنسا، في 10 حزيران 1940، ودخلت الحرب إلى جانب ألمانيا.

 فقد سارع السفير البريطاني إلى الاجتماع بنوري السعيد ـ وزير الخارجيةـ وطلب منه قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا، وطلب منه أيضا أن يصله جواب الحكومة قبل الساعة الثانية عشرة من ظهر ذلك اليوم.

 وعلى الفور قام نوري السعيد بإبلاغ رئيس الوزراء بطلب السفير البريطاني، وتقرر أن يجتمع مجلس الوزراء فوراً برئاسة الوصي عبد الإله لدراسة الطلب البريطاني، واتخاذا قرار بشأنه، وخلال النقاش الذي أجراه مجلس الوزراء ظهر انقسام شديد بين أعضائه، فقد انقسم المجلس إلى تيارين:

 التيار الأول دعا إلى إعلان قطع العلاقات مع إيطاليا فوراً تنفيذاً لطلب بريطانيا، وتزعم هذا التيار نوري السعيد، وضم محمد أمين زكي، وصادق البصام، ورؤف البحراني، وعمر نظمي .

 التيار الثاني، وكان الأقوى، بزعامة رئيس الوزراء ـ الكيلاني ـ وضم طه الهاشمي، وناجي شوكت، وناجي السويدي، فقد دعا إلى التريث، وعدم التسرع في اتخاذ أي قرار، ولاسيما وأن الحرب قد اتخذت لها مساراً خطيراً، بعد أن استطاعت ألمانيا اجتياح معظم البلدان الأوربية، مؤكدين على ضرورة أن تراعي الحكومة مصلحة البلاد، وتراقب أوضاع الحرب وتطوراتها، لكي لا تنعكس سلباً على العراق.

 تأزمت الخلافات داخل مجلس الوزراء بين التيارين، وهدد وزير الاقتصاد[محمدأمين زكي] بالاستقالة إذا لم تقرر الوزارة الاستجابة لطلب

 بريطانيا. غير أن  مجلس الوزراء لم يتوصل  إلى أي قرار، وتم الاتفاق على عقد جلسة أخرى مساء اليوم نفسه في مقر مجلس الوزراء.

 تم عقد الاجتماع في الموعد المقرر، وواصل مناقشة الموضوع، واتخذت الحكومة قرارها بالتريث في مسألة قطع العلاقات مع إيطاليا، مع الإقرار بتمسك الحكومة بمعاهدة التحالف مع بريطانيا، واستعدادها للقيام بما تمليه عليها معاهدة 1930 المعقودة مع بريطانيا.

 أثار قرار الحكومة غضب السفير البريطاني الذي أسرع لمقابلة رئيس الوزراء، في 12 حزيران، وعبر له عن دهشة، وقلق بريطانيا من القرار، وتردد الحكومة في قطع العلاقات مع إيطاليا، وأبلغه بأن هذا الموقف من جانب الحكومة يؤثر تأثيراً بالغاً على صدقيه الحكومة في تنفيذ بنود معاهدة التحالف الموقعة عام 1930.

 لكن الكيلاني أجابه على الفور أن الحكومة تقرر ما تراه موافقاً لمصلحة البلاد، فكان أن سأله السفير فيما إذا كان هذا الموقف يمثل رأيه  الشخصي أم رأي الحكومة؟ وقد رد عليه الكيلاني أن القرار اتخذته الحكومة، وأنا أرى شخصياً أن لا يورط العراق نفسه في عمل من شأنه أن يؤثر على حاضره  ومستقبله، ويقلق الرأي العام العراقي.

 أثار تصرف رئيس الوزراء الكيلاني هذا غضب المستر[ تشرشل ] رئيس الوزراء البريطاني حيث الذي صرح قائلاً:

{ إن حكومة الكيلاني تتصرف بروح استقلالية لم يسبق لأي رئيس وزارة عراقية أن تصرف بمثلها من قبل}.

وحاولت الحكومة البريطانية الضغط على حكومة العراق بأساليبها العسكرية، فقد أبلغت السفارة البريطانية وزارة الخارجية العراقية بكتابها المرقم 284 في 21 حزيران 1940 أن الحكومة البريطانية قررت إنزال قواتها العسكرية في البصرة، لغرض التوجه إلى حيفا، وطلبت أن تسمح الحكومة للقوات الجوية البريطانية بتأسيس معسكرات للاستراحة في البصرة وبغداد والموصل، وتأسيس خطوط مواصلات عبر الصحراء، بين بغداد وحيفا.

 وقد أجابت الحكومة العراقية بالموافقة على الطلب البريطاني في 22 تموز، عملاً ببنود معاهدة 1930، وكان ذلك أكبر خطأ ارتكبته حكومة الكيلاني، فقد كان الهدف الحقيقي من جلب القوات البريطانية لغرض فرض الهيمنة المطلقة على العراق واحتلاله، وإسقاط حكومة الكيلاني،    

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث