دما يتم تجفيف الاحتياطي النقدي في العراق بصمت! - يحيى الكبيسي

المتواجدون الأن

52 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

دما يتم تجفيف الاحتياطي النقدي في العراق بصمت! - يحيى الكبيسي

 

ظلت العلاقة بين الحكومة العراقية (هنا نستخدم عبارة الحكومة العراقية تجوزا فقط، بسبب احتكار رئيس مجلس الوزراء للقرار الحكومي في تواطؤ جماعي معلن)، وبين البنك المركزي العراقي، محكومة بطبيعة الذهنيات التي تحملها النخب السياسية العراقية، وليس ما يحدده الدستور او القانون.
تحديدا بسبب الاستقلالية العالية التي منحها القانون للبنك المركزي، والذي منع الحكومة من التدخل في عمل البنك بشكل مطلق (المادة 2)، فضلا عن المادة التي تتعلق بحظر إقراض الحكومة (المادة 26). وقد واجهت هذه العلاقة تحديها الأبرز في نهاية عام 2012، عندما تواطأت السلطة التشريعية ممثلة بمجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء العراقي نوري المالكي، للإطاحة بمحافظ البنك المركزي العراقي حينها، الدكتور سنان الشبيبي، وقد وصل الامر إلى إصدار مذكرة إلقاء قبض بحقه، مخالفين بذلك قانون البنك المركزي العراقي نفسه الذي يعطي «حصانة قانونية» لأعضاء مجلس إدارة البنك من التعرض للمساءلة القانونية (المادة 23)، كما انه ينص على أنه لا يمكن إقالة محافظ البنك المركزي إلا في 9 حالات فقط (المادة 14)، لم تتحقق أيا منها! وقد كتبت انا شخصيا عن ذلك حينها، وقلت ان الاطاحة بمحافظ البنك المركزي كانت مرتبطة برفض الشبيبي «استخدام» الحكومة للاحتياطي النقدي من اجل تغطية العجز في الموازنة الاتحادية؛ فقد اعترف رئيس مجلس الوزراء السابق نوري المالكي، حين اجاب على بعض الاسئلة في سياق نافذة التواصل مع وسائل الإعلام بتاريخ 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 بان ثمة «اختلافات كثيرة مع ادارة البنك المركزي ولدينا ملاحظات جدية حول الكثير من نشاطه والسياسة النقدية وغير ذلك». 
وهذا الصراع كان قد بدأ منذ نهاية عام 2008، حين حاول المالكي التدخل بالإجراءات التي يعتمدها البنك المركزي، تحديدا فيما يتعلق بتمويل الاحتياطي النقدي لعجز الموازنة، وكان ذلك جزءا من نهجه في احتواء الهيئات المستقلة والسيطرة عليها حينها. وعندما نجح المالكي في استصدار قرار «مسيسا» مخالفا للدستور من المحكمة الاتحادية (القرار 88 في 18/ 1/ 2011)، والذي منح مجلس الوزراء (= رئيس مجلس الوزراء) سلطة الإشراف على الهيئات المستقلة، وبشكل خاص البنك المركزي حيث قررت المحكمة الاتحادية ان مرجعية البنك المركزية هي مجلس الوزراء، وأنه مسؤول امامه شأنه شأن اية وزارة! 
وبذلك استطاع المالكي ان يفرض سلطته على البنك المركزي، وبتاريخ 15/ 3/ 2012 بعث كتابا إلى محافظ البنك المركزي العراقي يطالبه فيها بـ «تقديم السياسة النقدية للبنك المركزي إلى مجلس الوزراء لاطلاع المجلس عليها وإقرارها، ثم أوعز للبنك بعدم اعتماد سياسات دون إقرارها من مجلس الوزراء مستقبلا مخالفا بذلك لقانون البنك المركزي النافذ الذي أعطى للبنك المركزي حصرا صلاحية تحديد السياسة النقدية (المادة 4 من أمر سلطة الائتلاف رقم 56 لسنة 2004)، و هو القانون الذي يمنح البنك استقلالية عن تلقي تعليمات من أية جهة بما فيها الجهات الحكومية (المادة 2). وبدا في حينها، ومن سياق الأحداث، ان رفض محافظ البنك المركزي لهذا الطلب كان السبب الرئيسي في الاطاحة به، بعيدا عن الاخراج المسرحي لعملية الاطاحة.
اليوم يحصد العراق نتائج هذا التدخل، بانخفاض الاحتياطي الرسمي من النقد الأجنبي بمقدار النصف خلال أقل من أربع سنوات! فتبعا لأرقام البنك المركزي العراقي، بلغ الاحتياطي في العام 2012 حوالي 73.1 مليار دولار، ارتفع في 2013 إلى 81.6 مليار دولار، وهو اعلى مستوى وصل له، لينخفض في نهاية 2014 إلى 69.9 مليار دولار، ثم واصل انخفاضه بشكل حاد ليصل إلى 53 مليار دولار نهاية عام 2015.
لم يعلن البنك المركزي حتى اللحظة حجم الاحتياطي في نهاية 2016، لكن مذكرة مرسلة إلى صندوق النقد الدولي، بتاريخ 22 كانون الاول/ ديسمبر 2016، موقعة من هوشيار زيباري وزير المالية، وعلي العلاق محافظ البنك المركزي، تشير إلى ان الازمة التي يمر بها العراق، فضلا عن صدمة انخفاض أسعار النفط، قد تسببت في «تجفيف» احتياطي العراق من العملات الأجنبية والنقد الأجنبي. وتشير المذكرة إلى أن تمويل العجز سيتم في جزء كبير منه «من خلال سحب مبالغ كبيرة من الاحتياطيات الرسمية للعملة الأجنبية» وأن هذا قد يخفض اجمالي الاحتياطي الرسمي من العملة الأجنبية لدى البنك المركزي العراقي من 51 مليار دولار حتى نهاية تشرين الأول/ اكتوبر 2015، إلى 43 مليار دولار نهاية 2016. والطريف في الموضوع أن المذكرة تفرط في تفاؤلها بشأن ارتفاع أسعار النفط في عام 2017، ويذكرنا ذلك بالتأكيدات التي كان يطلقها أعضاء الحكومة العراقية السابقة باستحالة انخفاض اسعار النفط إلى ما دون 100 دولار! لتشير عن توقعات بأن يعاود هذا الاحتياطي ارتفاعه «بسبب ارتفاع ايرادات النفط» ليصبح 48 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2017.
بعيدا عن هذا التفاؤل العراقي المفرط! أشار تقرير صندوق النقد الدولي بتاريخ 24 حزيران/ يونيو 2016، إلى ان الحكومة العراقية استخدمت 13 مليار دولار من احتياطيات النقد الاجنبية الرسمية عام 2015، لينخفض هذا الاحتياطي من 53 مليار دولار في نهاية عام 2015، إلى 50 مليار دولار في نهاية آذار/ مارس 2016؛ أي أنه تم استخدام مبلغ 3 مليارات دولار من الاحتياطي النقدي خلال ثلاثة أشهر فقط، وإذا اعتمدنا هذا المعدل، فهذا يعني ان هذا الاحتياطي انخفض إلى 41 مليار دولار في نهاية عام 2016 فقط وهذا في أحسن الاحوال، على الرغم من أن معدل العجز في الموازنة الاتحادية لعام 2015، ومحدودية القدرة على الحصول على دين خارجي لتغطية هذا العجز، ربما يكون قد زاد من حجم «استخدام» هذا الاحتياطي، وبالتالي قد نكون عمليا أمام رقم أقل من الرقم المقدر. 
لقد ارتفع معدل الدين العام في العراق من 39٪ من اجمالي الناتج المحلي الاجمالي في عام 2014 (تبعا لأرقام البنك الدولي بلغ الناتج المحلي الاجمالي للعراق في هذا العام 223.508 مليار دولار، مما يعني أن الدين العام بلغ حوالي 80.46 مليار دولار)، ارتفع هذا المعدل إلى 70٪ من اجمالي الناتج المحلي في العام 2015 (بلغ الناتج المحلي الاجمالي لعام 180.07 مليار دولار، مما يعني أن الدين العام بلغ حوالي 126.04 مليار دولار). ثم واصل الدين العام ارتفاعه في العام 2016 ليصل إلى ما نسبته 66٪ من الناتج المحلي الاجمالي. وقد كان معظم هذه المديونية هي من الاقتراض الداخلي، ومع ذلك ثمة اتجاه واضح لزيادة الاعتماد على الاقتراض الخارجي، وهو ما تعكسه موازنة 2017.
ويشكل الدين الخارجي، وفقا لأرقام صندوق النقد الدولي، ثلث إجمالي الديون (37 مليار دولار في عام 2015). وهو ما يتناقض مع الدعوة الصريحة التي تقدم بها صندوق النقد الدولي إلى الحكومة العراقية لضبط المديونية في المدى القصير.
الاغرب في كل هذه الأرقام، هو ان العراق لم يكن لديه موازنة لعام 2014، وهو ما يعني أن الحكومة العراقية (= رئيس مجلس الوزراء عمليا)، قد «استخدمت» ما يقرب من 11.7 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي العراقي (من احتياطي 81.6 مليار دولار نهاية عام 2013، إلى 69.9 مليار دولار في نهاية 2014) دون أي إطار قانوني! 
يبدو أن فكرة الالتزام بالدستور والقانون، والشفافية، ليست سوى ترف لا معنى له في أوطاننا! وأن الفاعل السياسي يتصرف بالمال العام بوصفه «ملكية خاصة» يتصرف بها كما يشاء!

Comments are now closed for this entry