برسي كوكس في البصرة - عباس خضير عباس

المتواجدون الأن

102 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

برسي كوكس في البصرة - عباس خضير عباس

عندما شرعت القوات البريطانية لأحتلال جنوب العراق في 6 تشرين ثاني 1914، كان برسي كوكس على رأس هذه الحملة، وقد أتخّذ خطوات مهمة لترسيخ علاقات بريطانية مع شيوخ الخليج العربي والجزيرة العربية وكذلك مع شيخ المحمرة، من أجل مساندة القوات البريطانية في دحر القوات العثمانية ، من جانبها فأن الدولة العثمانية بعد أن تفاجأت بتقدم البريطانيين وأحتلالهم للبصرة في 22 تشرين ثاني 1914 ،

فأنها عمدت على استعادة تنظيم صفوفها عسكرياً وأعلامياً.وقد أطلقت السلطات العثمانية حملة دينية، أستهدفت من وراءها كسب تأييد علماء المسلمين بطوائفهم كافة ، ونجحت في تصوير الحرب بأعتبارها حرباً أسلامية ضد الكّفار، وطلبت من المجتهدين والعلماء المسلمين اصدار فتوى الجهاد ضد الغزاة البريطانيين، وفي العراق أعلن الجهاد كل من السيد محمد سعيد الحبوبي، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والسيد عبد الرزاق الحلو، والشيخ جواد صاحب الجواهري، وكلهم من العرب.

كما أعلن الجهاد في منطقة عربستان نجل السيد كاظم اليزدي من المراجع الدينية الكبيرة ، فضلاً عن أعلان عدد من شيوخ القبائل العربية في جنوب العراق وعربستان مساندتهم ودعمهم للقوات العثمانية، ومنهم الشيخ عناية بن ماجد رئيس قبيلة ربيعة، والشيخ غضبان البنية رئيس قبيلة بني لام، وكذلك الشيخان عوفي بن مهاوي وعاصي أبن شرهان رئيسا قبيلة بني طرف والتي كانت قد أعلنت الثورة منذ عام 1908 ضد الشيخ خزعل.

وكان قلق برسي كوكس قد برز في شهر شباط 1915، عندما تمردّت اهم القبائل العربية في عربستان ضد الشيخ خزعل بسبب وقوفه مع البريطانيين، وهما قبيلتا الباوي وكعب واللتان أنذرتا بقطع الخطوط الناقلة للنفط إلى مصفى عبادان ، كما أن كعب الثائرة هدّدت من مقرها في منطقة الفلاحية بمهاجمة القوات البريطانية في الجزء الشمالي من الأحواز، وكذلك بمهاجمة المحمرة من الناحية الجنوبية، وكان هذا التهديد مؤثر جداً، لأن الموالين للشيخ خزعل كانوا متواجدين في أعلى نهر الكارون ولم يكن يتواجد منهم في المحمرة سوى 500-600 مقاتل.

وبسبب هذه الثورات التي هددّت مركز بريطانيا وحلفاءها، والخوف من أنتشارها من منطقة عربستان إلى العراق والكويت، فأن برسي كوكس عمد إلى فتح باب المفاوضات مع قبيلة البختياري التي كانت قد رفضت تقديم العون للشيخ خزعل وبريطانيا، ولكن مع أستمرار أتصالاته مع زعماء هذه القبيلة والتي تضمنت تقديم الضمان لهم بأستقلالهم الذاتي مع منحهم حوافز مالية، فأن زعيم هذه القبيلة اضاف شرطاً أخر لتحقيق المصالحة مع الشيخ خزعل وتقديم العون له.

وتضمن هذا الشرط قبول الشيخ خزعل من تزويج ابنته إلى شيخ البختيارية، وكذلك زواج خزعل من أبنة الأخير، وقد علق برسي كوكس على هذا العرض قائلاً " أنه اقتراح حامل بالمعاني لدرجة كبيرة " ، موضّحاً أن تحالف الزواج سوف يؤدّي إلى تسوية الوضع السياسي في عربستان، وبذلك تمكن برسي كوكس من عقد أتفاقاً في 5 شباط 1915 مع زعيم البختيارية، يتم بموجبه حماية حقول النفط وعدم المشاركة في الثورات التي تتم بايعاز من الدول الخارجية ضد الحلفاء، وكذلك القيام بمساعدة القوات البريطانية مقابل دعم مالي كبير لهم، مع مساعدة مرشحي البختيارية في تولي حكم المقاطعات الفارسية.

وقد حدّد برسي كوكس رئيس الحكام في الحملة البريطانية أهدافه التي عمل على تحقيقها مع بداية عام 1915 ومنها، الحدّ من خطورة الدعاية العثمانية التي تركز على أستغلال العامل الديني بأعتبارهم خلفاء للمسلمين حسب أدعائهم ، وكذلك وقف التغلغل الألماني من بغداد عبر الحدود الفارسية إلى أفغانستان ثم الهند.

ولم تقتصر معاناة برسي كوكس من الدعاية والدعوات الدينية التي أطلقها العثمانيون وتأّثر بها المسلمون في المناطق العربية والفارسية وغيرها من الأماكن فحسب، بل كانت أيضاً وربما أكثر خطورة هي ديانة عدد ليس بقليل من افراد القوات البريطانية الهندية والذين يدينون بالإسلام ، إذ أخذ هؤلاء الجنود يرتادون جوامع البصرة لممارسة طقوسهم وتقديم أموال الزكاة التي كانت تذهب إلى الحكومة العثمانية، لأن رجال الدين وكبار رؤوساء العشائر كانوا ضد الأحتلال البريطاني.

وبناء على ذلك، فأن برسي كوكس وجدَ أن الحاجة ماسة إلى من يقف إلى جانبهم من العراقيين خلال المدّة المبكرة من الأحتلال لمعاونتهم على ردّ الدعاية العثمانية والتعرف على تحركات القوات العثمانية، ومنع المساعدات المقدمّة لهم خاصة عبر منطقة الصحراء الغربية، وكانت الخطوة الأولى هي تعيين بعض الشيوخ لأدارة عدد من مناطق البصرة، حيث عهد للشيخ إبراهيم عبد الله الراشد بادارة مقاطعة الزبير  المهمة للبريطانيين، لأنه يمكن من خلالها الوصول إلى مركز الصحراء الذي تتجمع فيه القبائل البدوية المتنقلة بين الناصرية والبصرة والتي تمتلك معلومات عن تحركات وتجمعات القوات العثمانية مما يسهّل الحصول على هذه المعلومات منهم.

كما عهد برسي كوكس إلى الشيخ إبراهيم عبد الله الراشد، بمهمة تجنيد عدد من افراد قبيلة الضفير في قوة الشبانة (، والتي حددّت واجباتها بحماية خطوط سكك الحديد بين البصرة والناصرية وكذلك خطوط البريد، ومنع وصول الأسلحة والمواد الغذائية للعثمانيين، وبعد أحتلال القرنة في 9 كانون أول 1914، أقامت السلطات البريطانية أتصالات مع بعض شيوخ المنطقة الذين أبدوا أستعدادهم على أدارة مناطقهم، حيث عيّن الشيخ الحاج عذار على منطقة الهارثة والشيخ أگباشي السعد لأدارة القرنة، ثم عينت الشيخ سالم الخيون، شيخ قبيلة بني اسد مديراً لناحية الجبايش والذي أستبدلته بالشيخ مجيد الخيون، كما عينت الشيخ حميد المير جعفر لأدارة ناحية المديّنة، وقد أثبتت هذه السياسة فوائدها الجمة لبريطانيا في مراحل الاحتلال اللاحقة.

وكانت البصرة سبّاقه في حركة القومية العربية، والتي تزعمها السيد طالب النقيب  الذي كان يطمح أن يكون على راس أقليم عربي يتم أقامته في ولاية البصرة. وقد أمتلك السيد طالب نفوذاً واسعاً في البصرة ، وكان ولاتها من العثمانيين يحتفظون بولاياتهم ماداموا يحضون برضاه، وقد حدث خلاف بين السيد طالب والوالي العثماني سليمان نظيف بك ، مما أضّطر الوالي إلى تقديم أستقالته في شهر أيلول 1910، بعد أربعة شهور من تعيينه مما يعكسّ أهمية السيد طالب لدى الدولة العثمانية، ولم تذكر المصادر أسباب خصومة السيد طالب مع الوالي المذكور ، إلاّ أن الباحث يعتقد أن السبب وراء ذلك هو ماقام به الوالي في ضرب قرية زين التابعة للشيخ خزعل والذي تربّطه مع السيد طالب علاقات وثقى كما أن تهديد الوالي بضرب المحمرة ربما يكون سبب أضافي في هذا الخلاف.

كذلك دخل طالب النقيب في خلاف مع عجمي السعدون أبن شيخ لواء المنتفك سعدون باشا الذي ألقت السلطات العثمانية عليه القبض سنة 1911، بسبب اثارته المشاكل بين العشائر، إذ كان يسعى لأحياء مجد المنتفك وأعادة الأمارة لأل السعدون، وقد أتهم السيد طالب بعمل مكيدة للشيخ سعدون باشا كان من نتيجتها تمكّن السلطات العثمانية من القبض عليه ونفيه إلى حلب ووفاته هناك، مما خلق حالة من العداء بين عجمي وطالب، ولهذا السبب تحالف عجمي مع جمعية الأتحاد والترقي  ضد حزب الحرية والأئتلاف الذي تزعمه السيد طالب.

وكانت السلطات البريطانية تبحث عن تعزيز نفوذها في ولاية البصرة، وعندما وجدت طموحات طالب النقيب بأنفصال البصرة وتشكيل أقليم عربي فيها، فأنها بدأت تفاوض السيد طالب لتنفيذ هذه الرغبة المشتركة وتبدي له أستعدادها بأمداده بالمال والسلاح.

من جهته قام السيد طالب بحل حزبه (الحرّية والأئتلاف) وتشكيل جمعية أصلاحية على غرار الجمعية الأصلاحية في بيروت التي أعلنت منهاج مشروعها في شهر شباط 1913 والذي يقضي بمنح المناطق العربية في الدولة العثمانية حكماً ذاتياً، وأعلن طالب النقييب رسمياً أفتتاح الجمعية الجديدة في 28 شباط 1913، والتي أنتمى اليها أغلبية الضباط العرب والعراقيين في البصرة.

وبعد أندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 ، جرت مباحثات بين السلطات البريطانية في الخليج العربي وبين طالب النقيب من أجل أعلان الثورة ضد العثمانيين، وقد تعدّدت الآراء فيمن طلب الأجتماع، ولكن المهم والثابت أن المباحثات تركزت على أن يقدّم السيد طالب جميع المساعدات للقوات البريطانية لأحتلال البصرة مع تعهد من بريطانيا بتنصيبه حاكماً على مدن البصرة والعمارة والناصرية مع منحه أمتيازات أخرى.

وقد تقدّم طالب النقيب بمقترحات عند أستكمال المباحثات في المحمرة، أعتبرتها بريطانيا غير مقبولة وأصّرت على مقترحاتها الأولى ، مما دعا السيد طالب إلى ارسال رده النهائي قائلاً فيه " أني لا أوافق على ذلك بتاتاً وأني سأعاضد الترك مهما كلف الأمر ".

قرر طالب النقيب مغادرة البصرة إلى الكويت ونجد لأقناع الشيخ مبارك وأبن سعود بمعاونة القوات العثمانية، ضد القوات البريطانية المتجهة لأحتلال البصرة، وعند وصوله إلى نجد أجتمع مع ابن سعود في 18 تشرين ثاني 1914، وطلب منه حث أهل نجد في الدفاع عن مدينة البصرة ومؤازرة القوات العثمانية، ثم ارسل طالب رسالتين في 28 تشرين ثاني 1914 إلى المسؤولين العثمانيين ينبئهم بموافقة ابن سعود على مساعدتهم.

وقد وصلت تحركات طالب النقيب إلى برسي كوكس الذي عبّر عن أنزعاجه الشديد من تحركاته المشبوهة وموقف ابن سعود وهذا حسب رأيه، وقررّ أتخاذ التدابير المناسبة بحقه.

وخلال قيام ابن سعود وطالب النقيب بتهيئة قوة من رجال القبائل لأرسالها لمعاونة القوات العثمانية في صّد تقدم قوات الحملة البريطانية المتجه نحو البصرة، وفي هذه الأثناء وصلتهم رسائل من البصرة في 4 كانون أول 1914، تعلمهم بدخول القوات البريطانية مدينة البصرة من دون مقاومة حقيقية من القوات العثمانية، عند ذاك انقلبّ الموقف عند طالب النقيب وابن سعود، واخذوا يبحثون عن مخرج لموقفهم المعادي لبريطانيا حسب رأي كوكس.

وخلال هذه الظروف الشديدة الحساسية ، فأن أبن سعود تلقى تحذيراً من صديقه النقيب شكسبير الذي أستدعاه برسي كوكس من لندن لأجراء مفاوضات مع أبن سعود لضمان موقفه في مساعدة قوات الأحتلال البريطاني، أوضح له فيه قدرة بريطانيا على أحتلال الموانئ السعودية وفرض الحصار عليه، في حالة عدم التزامه الحياد التام والأبتعاد عن معاداة بريطانيا.

وقد سارع كل من أبن سعود والسيد طالب بأرسال مبعوث عنهم هو السيد سليمان الفيضي  بحمل رسائل منهم مؤرخة في 4 كانون أول 1914، والتي أستلمها برسي كوكس في 9 كانون أول 1914 أثناء لقاءه مع المبعوث ، وكشف برسي كوكس عن مضمون رسالة أبن سعود ، في برقية منه إلى سكرتير حكومة الهند بتاريخ 16 كانون أول 1914 يقول فيها " تلقيت بواسطة رسول كتاباً مؤرخاً في 4 كانون أول 1914 من أبن سعود يعرب عن رغبته في بناء علاقات وثيقة مع الحكومة البريطانية ".

ويضيف برسي كوكس في برقيته أن ابن سعود ذكر في رسالته اليه " أنه تلقى أنباءاً عن أحتلالنا البصرة، ويعبّر عن تقديره الكبير للمعاملة الكريمة التي لقيها السكان على أيدنيا " وأضاف بالقول " كذلك فأن أبن سعود يتوسط كي نعامل السيد طالب معاملة طيبة لأنه ألتجأ أليه كصديق ، ويوصينا خيراً بأتباعه في البصرة ".

وبناء على ذلك، فأن برسي كوكس ابلغ رسول ابن سعود، بأن على طالب النقيب أن يذعن تماماً لأرادة بريطانيا ويخضع لمطاليبها، وزيادة في الحيطة والأحتراس منه، فأنه قرّر ارساله إلى بومباي في الهند بصفة ضيف على الدولة هناك (State Guest) وغادر طالب النقيب من الكويت على متن الباخرة التي اقلته في 9 كانون ثاني 1915.

وقد حاول برسي كوكس الأستفادة من نفي طالب النقيب إلى بومباي، بالتقرب من عجمي السعدون الذي كان على خصومة مع السيد طالب، ومحاولة ضمه إلى جانب البريطانيين، واقترح عليه عقد أجتماع معه في 3 كانون ثاني 1915 في منطقة الشعيبة، وقد أمهله برسي كوكس ثلاثة أيام ليرد عليه بالتخلي عن مؤازرة القوات العثمانية ، ولكن عجمي بالرغم من كونه كان مرتاباً من مواقف العثمانيين تجاهه، إلاّ أنه فضل البقاء معهم.

من جهة أخرى فأن تبدلاً مهماً حدث في موقف حكومة الهند والحكومة البريطانية بعد تعيين الجنرال جون نيكسون (John Nickson) على رأس القيادة العسكرية البريطانية في 9 نيسان 1915 ، تمثل بموافقتها على فكرة ورغبة برسي كوكس في أحتلال بغداد وربطها هي والبصرة مع أدارة الهند، وكانت مبررات ذلك أن أحتلال بغداد سوف يحدث أنطباعاً عظيماً في الشرق الأوسط، وخاصة في بلاد فارس التي كانت ترسم فيها المخططات الألمانية، وهذا ما تم عمله فعلاً خلال الفترة اللاحقة من الحملة البريطانية التي بدأت بحماية آبار النفط في عربستان وأنتهت بأحتلال بغداد. والخلاصة أن برسي كوكس عمل من خلال موقعه بصفته المقيم البريطاني في الخليج العربي على حفظ وتنمية المصالح البريطانية في جنوب فارس، وقد تصدى بقوة لكل ما يؤثر عليها سواء كان دول منافسة لبريطانيا أو قوى محلية، وقد عمل بجد من أجل وضع الحلول لكل مابرز من صعوبات وتحديات واجهت السياسة البريطانية، وكان من أكبر نجاحاته عقد اتفاقية النفط مع الشيخ خزعل، ومرافقته الحملة البريطانية بصفته الضابط السياسي الأول للحملة والتي حققت بفضله الأهداف الأستعمارية لبريطانيا ، مما جعلها تتبوء مركز الصدارة بين الدول الأوربية في المنطقة

Comments are now closed for this entry