تطور الأحداث في العراق: الطريق الدامية إلى الانتخابات - سليمان حاج إبراهيم

المتواجدون الأن

69 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الأكثر قراة

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

تطور الأحداث في العراق: الطريق الدامية إلى الانتخابات - سليمان حاج إبراهيم

 

  يتجدد الحراكُ السياسي في العراق، بطريقة دامية وعنيفة، بعد أشهر من جمود، فرضته معركةُ الموصل ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» عقب تصدي قوات الأمن بالرصاص الحي لتظاهرة احتشد فيها عشرات الألوف للمطالبة بـ«استبدال مفوضية الانتخابات»، و«تعديل قانون الانتخابات»، ما أسفر عن سقوط عدد من القتلى ومئات الجرحى.
وحسب «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» في آخر تقدير موقف له، فـ«بقدر ما تبدو تظاهرة 11 شباط/ فبراير الدامية وسط بغداد استمرارًا لحركة الاحتجاج المطالِبة بإصلاح سياسي جذري، والتي انطلقت منذ صيف 2015، فإنه لا يمكن فهمها إلا من خلال سياقها السياسي الخاص وهو بدء السباق نحو استحقاقين انتخابيين مهمين: مجالس المحافظات (أيلول/ سبتمبر 2017)، والانتخابات النيابية (ربيع 2018)، وبدء الاستعداد لإجرائهما، على مستوى المفوضية والبرلمان والحكومة». 
وهذا يعني، وفق تقدير المركز، أن «ما يجري الآن هو منازلة انتخابية مبكرة حول أدوات الانتخابات وقواعدها. وفي هذا السياق، أقيمت التظاهرة، وردت قوات الأمن عليها بهذا العنف». 
وبين باحثو المركز الذي يتخذ من العاصمة القطرية الدوحة مقراً له، أن في مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2016، قدمت الحكومةُ مسودة قانون انتخابات مجالس المحافظات إلى مجلس النواب، وشكّل مجلس النواب لجنة من 26 نائبا، تحت اسم «لجنة الخبراء»، لتتولى اختيار أعضاء مجلس المفوضين لمفوضية الانتخابات.
وفي أواسط كانون الثاني/ يناير 2017، أعلنت الحكومة، بصفة رسمية، عن إرجاء انتخابات مجالس المحافظات، وإجرائها في أيلول/ سبتمبر 2017 بدلًا من نيسان/ أبريل. 
وبالتوازي مع ذلك، طُرحت فكرتان، الأولى: التمديد لمجلس المفوضين للانتخابات، حتى يتمكن من الإشراف على انتخابات مجالس المحافظات، إذ تنتهي ولاية هذا المجلس في شهر إقامة الانتخابات (أيلول/ سبتمبر 2017)، وهو ما يعني إمكانية أن يتمدد إشراف المجلس الحالي إلى الانتخابات النيابية القادمة (ربيع 2017). 
واعتبر المركز في ورقته البحثية، أن «اعتماد صيغة موسعة من نظام سانت ليغو (في طريقة توزيع الأصوات على المقاعد)، ستكون بمنزلة عتبة مرتفعة، تحرم الكتل الصغيرة من الحصول على المقاعد، وتعيد تدوير أصوات ناخبي الكتل التي لا تتمكن من تخطيها على الكتل الكبرى، بما يكرس سيطرتها.
ورغم أن أحزاب السلطة ترى أن اعتماد صيغة سانت ليغو الموسّعة، سيسهم في تجنب هشاشة الحكومات بتقليل عدد الكتل الصغيرة، فإن طرح الفكرة أثار جدلا واسعا بين الأطراف السياسية.
في هذه الأثناء، قدّم مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، مبادرة سمّاها «إصلاح الانتخابات وانتخاب الإصلاح». ودعت في أبرز بنودها إلى «تشكيل لجنة عليا مشتركة من مجلس النواب وبعثة الأمم المتحدة وممثل عن القضاء وممثلين عن منظمات المجتمع المدني تتولى اختيار أعضاء مفوضية الانتخابات». 
كما شملت دعوة لتعديل قانون الانتخابات بحيث تُوزَّع نصف مقاعد مجلس النواب على الصعيد الوطني، والنصف الآخر على صعيد المحافظات، وأن يتم اعتماد نظام سانت ليغو غير المعدل.
هذا إلى جانب عنصرين آخرين لافتين، وهما: أن يُجرى التصويت الخاص في يوم الاقتراع العام نفسه، وأن تُفرز أصوات كل محافظة وتُعلَن نتائجها داخل المحافظة نفسها. وطالبت المبادرة بتشكيل لجان قضائية عليا للإشراف على الانتخابات، وإلى «ضرورة وجود إشراف أممي» عليها.
وقد لجأ التيار الصدري إلى دعم هذه المبادرة من خلال سلسلة تظاهرات في العاصمة بغداد وأغلب مدن وسط البلاد وجنوبها، انتهت بتظاهرة 11 شباط/ فبراير الدامية، والتي تعني إخراج السجال السياسي من دوائر المؤسسات السياسية، والتعويل على الجمهور من أجل الضغط لتحقيق هدف سياسي محدد.
التيار الصدري، الذي تنطلق سياساته من مناهضة شديدة لرئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وهو، وإن كانت له بعض الحظوة في مفوضية الانتخابات، يعتقد أن جزءًا أساسيًا ممن يديرون الدوائر الأكثر أهمية في المفوضية لا يزالون يوالون المالكي؛ ومن ثمّ، يمكن عدّ المفوضية واحدة من معاقل المالكي، أو من «دولته العميقة»، وقد مدّ، خلال سنوات حكمه الثماني، شبكة تغلغلت في سائر مفاصل الدولة ومؤسساتها السياسية والإدارية والأمنية، ولا تزال هذه الشبكة قائمة وفاعلة حتى بعد خروجه من الحكم. لذلك، تأتي المطالب بتغيير مفوضية الانتخابات استمرارًا لهذا الصراع.
وتؤكد ورقة تقدير الموقف الصادرة عن المركز أن «الجدال الحالي يمثل استمرارًا للصراع داخل الساحة السياسية الشيعية، وهو يدور على إشكالية رئيسة، هي تعريف «الحكم الشيعي» في بلد متعدد الأديان والمذاهب والإثنيات، ونوع هذا الحكم، وكيفية إدارة الدولة. وقد تعمق الصراع، أكثر فأكثر، حين حمّل أحدُ الطرفين الآخر وطريقته في إدارة البلاد مسؤولية التركات والفشل الذي طبع ما يمكن أن يسمى «حكم الشيعة»، والذي انتهى إلى سيطرة «الدولة الإسلامية» على ثلث مساحة البلاد، وثمة خطر أن تسيطر الميليشيات الشيعية على البلاد، فتمنع حتى التعددية القائمة في الساحة الشيعية أو تحددها.
ويشدد باحثو المركز الذين أعدوا الورقة، أنه على الرغم من أهمية الجوهر الشيعي لهذا الصراع، فإن وجود «الحراك المدني» يبقى أمرا أساسيا؛ فمع أن الأمر بدا قدرةً من تنظيم سياسي ديني على تعبئة «الحراك المدني» في خدمة أهدافه الخاصة، فإن واقع الحال هو أن الرؤية المتعلقة بصيانة قواعد العملية الانتخابية جرت بلورتها بين الطرفين (الحراك المدني والتيار الصدري).
ومنذ نحو سنة ونصف السنة، يخوض الطرفان ما يمكن تسميته «تحالفًا احتجاجيًا»، بدأت ملامحه تتبلور أكثر فأكثر. وقد تكون الحملة الأخيرة لاستبدال مفوضية الانتخابات وتغيير قانون الانتخابات، هي المنجز الأكبر أهمية لهذا التحالف. 
وعليه، قد لا يكون مفيداً، من الآن، فهم الحراك السياسي القائم استنادًا إلى منطق التنظيمات التي ترفع الهوية الطائفية فقط؛ إذ يبدو أن القوى الأخرى (حالة «الحراك المدني» هنا) قد نجحت في كسر الحدود الصارمة التي تقيد التنظيمات ذات الهوية الطائفية، وجرها إلى الإندراج فيما يمكن تسميته «المجال الوطني العام». وبالتأكيد، ستكون لهذه الديناميكية، لاحقًا، تعبيرات أشد جرأة وأكبر أهمية.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث