خان جغان وسوق دانيال - د. جمال البزاز

المتواجدون الأن

94 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

خان جغان وسوق دانيال - د. جمال البزاز

 كان كل  من سوق دانيال الاول والثاني قد تخصص ببيع الاقمشة النسائية الفاخرة  ولوازمها ومن ارقى المناشئ الغربية وبتجارة المفرد وهناك اسواق قريبة منه  كانت متخصصة ببيع الجملة. اما السوق الثالث فتخصص ببيع السجاد ( الزوالي)  ومن افخر المناشئ العالمية وبالخصوص الإيرانية منها.

اشتهرت فيه مجموعه من اسماء تجار منهم (حميد الفيلي، علي حسين الطعان، عبد اللطيف الشهربلي، مصطفى عبد الحسين ابو محمد وغيرهم) عملوا بالتجارة مع الدول المجاورة لجلب انواع السجاد النادر وبيعه لزبائنهم في العراق وخارجه . وكان طابقه العلوي يحوي على غرف تستخدم كمكاتب تجارية والاخرى لخزن البضائع وجانب للمرافق الصحية.

السوق يحوي على مجموعة من الابواب الرئيسية وأخرى ثانوية. الرئيسية منها اربعة، بابان شمال السوق وبابان جنوبه مع اثنين صغيرين غربه وواحد اخر شرقه. يصبح السوق عند اغلاق ابوابه و كأنه قلعة حصينة لاينفذ لها احد وهو طراز بناء اطلق عليه (القيصرية) اي السوق المغلق حسب التسمية المتعارف عليها عند العامة. وهذه الابواب كانت موجودة سابقا في كافة اسواق بغداد القديمة.

كانت تلك الابواب تفتح منذ الصباح الباكر حيث يقوم اصحاب المحال بغسل وتنظيف وترتيب محلالهم لاستقبال الزبائن. وبعد قيام حارسه الرجل الطيب (العم هنيدي-ابو جبار) بكنسه ليلا وبدون مقابل فقد كان يعتاش على ما يأخذه من راتب مخصص له من مالكي السوق ومن اثمان الصناديق الخشبية الخاصة بالاقمشة والتي كان يشتريها من اصحابها ومن ثم يبيعها مرة ثانيه لمن يطلبها والتي لا يتجاوز سعر الواحد منها (350 فلسا) ولكثرة البضاعة الداخلة للسوق مع كثرة صناديقها الخشبية كانت عند فتحها تخرج منها مواد حافظة للأقمشة تصيب السوق وأهله وزبائنه بحاله تجعل العين تدمع بشدة فكأن المكان قد ضرب بقنبلة مسيلة للدموع.

لم يكن لدى الناس رغبة للعمل في سوق دانيال عند افتتاحه في ثلاثينيات القرن الماضي فقد كان مستأجرو محاله واوائل التجار فيه يتنقلون من محل لآخر وحسب كثافة الزبائن الداخلين اليه. هذا ما ذكره لي احد اصحاب المحال القدماء المرحوم (الحاج اسماعيل سرحان- ابو محمد): كان جدي ووالدي ممن امتهنوا بيع الاقمشة النسائية ومنذ اكثر من (60 عاما) فضلا عن ممارستي لهذه المهنة ايضا بعد والدي لزمن يتجاوز (الثلاثين عاما). دخلت السوق مع والدي وانا في الخامسة من العمر وبقيت تلك الصور الرائعة راسخة في ذاكرتي لا تريد مبارحتها.

كنا نقضي وقتا في السوق اكثر مما كنا نقضيه في بيوتنا وبين اهلنا كنت أراه  يتنفس كأنه كائن حي من خلال مروره بأوقات سعد وأوقات نحس وحسب وضع البلد. فقد امتدت عصوره الذهبية خلال حقبة الأربعينيات وحتى نهاية السبعينيات من القرن الماضي. ثم اخذ الخط البياني له بالهبوط في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين وحتى الان (2012م) بعد ان هجره اكثر اصحابه او رحلوا عنه للعالم الآخر وعزوف اغلب زبائنه عنه ومن ثم فقد تخصصه وهو بيع الاقمشة النسائية الى تخصص آخر لا تعرف ملامحه بحيث تحولت اغلب محاله لبيع مواد مختلفة ليس لها علاقة بالاقمشة الا محلين او ثلاثة محال فقط.

سوق دانيال يعد مدرسة تعلمت منها الكثير وعلى مدى اربعين عاما هي مدرسة الحياة كان عبارة عن عراق مصغر بكل طوائفه فهناك التاجر العراقي المسلم والمسيحي واليهودي والصابئي. كنت انظر اليه وكأن المجتمع العراقي والبغدادي قد تجسد في ذلك المكان بكل أطيافه.

كان والدي رحمه الله (ابو جمال) واحدا من ذلك المجتمع، الرجل العصامي الذي كون نفسه بنفسه والذي لم يفارق السوق حتى وفاته بفترة قصيرة وبعد ان افنى فيه زهرة شبابه، كان يحيط بوالدي مجموعة من الرجال الطيبين الاوفياء اذكر منهم الاخوين (علوان اللامي ابو حسين) واخاه (الحاج طرار ابو صلاح) الذي كان رمزا للوفاء والطيبة والجيرة الحسنة حيث عملا ببيع الكماليات النسائية المختلفة في محالتهم بسوق دانيال الثاني.

 وجارنا المرحوم (الحاج اسماعيل محمد سرحان) ابو محمد الفلسطيني الجنسية وهو من فلسطينيي (1948م) الرجل كان عبارة عن مدرسة في فنون البيع والشراء فضلا عن كونه قد عمل معلما في دولة مصر قبل مجيئه للعراق. وقبل اتخاذه مهنة بيع الاقمشة توفي الحاج ابو محمد ودفن هو وابوه واخوته وزوجته في بغداد ورحل اولاده (محمد وباسم وخالد) اصدقاء الطفولة الى الاردن بعد عام (2003 م). ولا انسى جارنا الهادئ (مانوئيل كرابيت-مانو) ابا سلوى وهو المسيحي الخلوق ومن القومية الارمنية التي سكنت في العراق منذ عشرات السنين. يقابله المسيحي الآخر ومن القومية الكلدانية العم (عزيز حنا-ابو بدري) وكان ولده (باسم) يدير المحل عوضا عن ابيه اغلب الاحيان. فضلا عن الاخوين الطيبين (علي ونعمة فتاح) واولادهم. يجاورهم (خماس اللامي-ابو قاسم) بائع الكماليات النسائية. ويقابل محل والدي ايضا الحاج (محسن فخر الدين-ابو كريم) بجانبه مخزن (عبدالاله-ابي عماد) وشريكه (عبد سلمان-ابي غسان) بقربهم (السيد علي ابو النفط) واولاده ماهر ومازن (وسعود الكبيسي- ابو عبدالله). فضلا عن محال كل من (هادي الصافي-ابي حسن) و(جميل واخوته ابراهيم وكمال كاشي) واقمشة (سيناء/ لصاحبها محمد علي حسين/ ابي فراس) و(اسد هادي-ابو سعد واخوه حسن) ومخزن ابي خمرة لصاحبه (سيد محمد مطر-أبي حيدر). و(محمد زيدالكيلاني- ابو جمال).

ومجموعة من اصحاب المحال الفلسطينيين الذين ينتمون لعشيرة بيت القيسي ومن مدينة الخليل في فلسطين. كان كبيرهم (رمزي القيسي واخوته جمعة وطالب وطاهروعبد السلام) وقد ورث ابناؤهم من بعدهم مهنة بيع الاقمشة ومن ثم تركوها لمهن اخرى. ومن واجب الصحبة والوفاء فأني سوف اذكر بعض الشخصيات التى عاصرتها وشاهدتها هناك. حيث تمر امامي الان صور الحاج (سلمان خلف/ابو داود) يقابله المرحوم (حسين تقي/ ابو علي) والحاج (عبد الامير شعبان) و(خضير/ ابو صباح) المتخصص بتصنيع وبيع العطور يقابله المرحوم (عبدالله-ابو علي) والعم (شيحان-ابوعلي) الذي كان الموزع لعطر (باترك) ذي الرائحة الزكية على محلات المفرد في السوق أنذاك يقابله (سعد خلف المشكوري- ابو هيثم) المختص بعمل بدلات وفرشات الاعراس من خياطة وتطريز. اما الفرع الصغيرالذي ينفذ الى سوق دانيال الاول فكان يعمل فيه (الحاج صلاح) اختصاص لعب الاطفال.

وفي داخل بقايا خان جغان والمدرسة النظامية  كان هناك مقهى صغير وقديم تابع للسوق يديره رجلان كبيران في السن من ابسط واطيب الناس هما (قمبر-ابو يوسف) الذي كنت انظر اليه وهو يحمل في يده سماوره الجميل المملوء بالماء الحار الذي يخفف به الشاي عند الطلب. يساعده رجل اكبر منه سنا يدعي (جعفر) كان يحمل آنية واقداح الماء خلف صاحبه ليعطيها لمن يطلبها.

كانت تلك المقهى تقوم على خدمة اهل السوق من خلال بيعها الشاي والمرطبات وتوفير الماء البارد. فضلا عن جلوس المتبضعين للاستراحة فيها.

ومقهى آخر عند الباب الغربي الصغير للسوق صاحبها رجل اكثر فتوة يدعى (محمد) تخدم قسما آخر من اهل المحال. تخرج على يد اصحاب تلك المقاهي مجموعه من الشباب صغار السن استطاعوا تطوير انفسهم واصبحوا رجال اعمال نافعين لمجتمعهم وبلدهم.

عمل في مرافق هذا الخان ايضا بطابقيه الاول والثاني مجموعة من الناس امتهنوا اعمالا مختلفة منهم (مصطفى عبد الحسين-ابومحمد) تجارة السجاد (هاشم عبد الباقي الطيار) تجارة السجاد (ابو عدنان واخوه ابو ابراهيم) لعمل وتطريز فرشات الاعراس (فليح خطار-ابو قيس) خياطة رجالية (محمد الاحمر- خياطة) (خيري ابراهيم-خياطة) (اسماعيل ابو عبد الامير) خياطة رجالية (حاج عباس- ابو مهدي) لتصنيع القياطين الخاصه بالقيافة العسكرية والذي كان يملك اقدم ماكنة لبرم تلك القياطين. و(الحاج صادق- ابو عباس) لعمل فرشات وبدلات الاعراس وتطريزها. وعذرا لمن لم تسعفنا الذاكرة لذكرهم.

في الطرف الجنوبي لسوق دانيال الثاني  يظهر مخزن حواء لصاحبه (عبد جواد الخفاجي-ابي حيدر) المتخصص ببيع لوازم الخياطة على اختلاف انواعها وعرض وبيع مجلة (بردا) للازياءالنسائيه افتتح هذا المحل منذ عام (1950م) ولا يزال مستمرا في بيع تلك اللوازم حتى الان (2012م) تحت ادارة ولده حيدر.

 يقابله (الحاج احمد الحسني) وبجوار مخزن حواء كان هناك محل اخر تحت اسم (ادم) او هكذا اطلق عليه ويبيع لوازم الخياطة ايضا كان يملكه (عبد الرزاق- ابو اسامة). وعند النظر يمين مخزن حواء نلاحظ محل الحاج (نعمة- ابي كريم) الذي انتقل من بيع الاقمشة النسائية لبيع لوزام الخياطة حتى وفاته رحمه الله.

فضلا عن مخزني (ستارعنبر- وابي سمير) المتخصصين ببيع الكماليات النسائية بالجملة. وهناك محل (عادل-ابي رمزي) للوازم الخياطه المتنوعة. هذا ما يخص سوق دانيال الثاني ومن عمل به خلال معايشتي لهم منذ الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات وحتى الوقت الحاضر.

بعضهم توفاه الله وآخرون تركوا المهنة وبعضهم ظل ابناؤه يعملون بعده وجلس هو في البيت لكبر سنه او لمرضه

Comments are now closed for this entry