المنهج الاستعماري وانتهاكات الجيش البريطاني في العراق - د. مثنى عبدالله

المتواجدون الأن

57 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الأكثر قراة

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

المنهج الاستعماري وانتهاكات الجيش البريطاني في العراق - د. مثنى عبدالله

 

يبدو أن البعض من ساسة المملكة المتحدة مازالت تعشش في أذهانهم خرافة الامبراطورية التي لا تغيب عن مستعمراتها الشمس، ومازالوا ينظرون إلينا نظرة دونية، مشترطين علينا أن نُقزّم أنفسنا كي تبقى قاماتهم هي الأعلى. 
فعلى الرغم من انخراطهم في غزو العراق عن عمد وسابق إصرار، بتبعيتهم السياسية الذليلة للموتور بوش، وكأن بريطانيا إحدى الولايات الأمريكية، وارتكاب جيشهم جرائم قتل وتعذيب في سجون سرية في محافظة البصرة وغيرها، يُعلن وزير الدفاع مايكل فالون، إغلاق التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها القوات البريطانية في العراق. 
ففي عام 2010 أصدرت الحكومة البريطانية قرارا بأنشاء فريق مكلف بالتحقيق في الاتهامات الموجهة ضد الجنود البريطانيين، التي أثارها مدنيون عراقيون عبر محامين مكلفين، وقد أطلقت على الفريق تسمية «فريق المزاعم التاريخية». وتقرر أن يكون هذا الفريق مستقلا في تحقيقاته، بحيث لا تتداخل إجراءاته مع الاجراءات التي كانت تقوم بها المؤسسة العسكرية في هذه القضية. وعلى الرغم من أن هذا التشكيل تصدى للكثير من القضايا التي طُرحت أمامه، من بينها اتهامات بالقتل والتعذيب وسوء المعاملة، لكن الإجراءات لم تسفر عن أي شيء، ولم يتم الاعتراف بقانونية وشرعية القضايا التي عُرضت أمامه، وبالتالي لم يتم إنصاف أي ضحية من أولئك المدنيين. الغريب أن قرار إغلاق هذا الموضوع وتصفية الفريق العامل، يأتي بعد اتهام المحامي الذي كان يتولى المرافعة في القضايا بخيانة الأمانة، والادعاء بأنه كان يُقدّم مزاعم ملفقة على ألسنة المدعين، ما أدى الى التغاضي عن بعض الملفات ورفض العديد من القضايا. وضمن السياق نفسه كان قد أثار بعض النواب ضجة باتهامهم فريق التحقيق بالفشل في التوصل إلى أي ملاحقات قضائية ناجحة، على الرغم من إنفاق مبلغ ثلاثة وأربعين مليون جنيه إسترليني.
إن المتابع لتصريحات وزير الدفاع البريطاني حول الموضوع، وكذلك بعض أعضاء البرلمان وتقرير وزارة الدفاع، يجدها كلها تشير بوضوح الى الاستهزاء بكل معاناة المدنيين العراقيين على أيدي القوات البريطانية المحتلة، مقابل الحرص التام على مشاعر عناصر الجيش، وعدم المساس بكرامتهم. فوزير الدفاع يقول إن قرار إغلاق التحقيق سيشكل مصدر ارتياح لجنودنا الذين حامت حولهم شكوك لفترة طويلة جدا. أما اللجنة البرلمانية فتتهم فريق التحقيق بأنه يعاني الصمم إزاء هواجس الجيش، على الرغم من أنه لم يقر بحقوق أي قضية من القضايا الـ 3500 التي تعامل معها. كذلك كان وصف تقرير لجنة الدفاع متسربلا بالعار والفضيحة، لأنه يتهم فريق التحقيق بأنه عمل دون أي اعتبار للتأثير على الجيش البريطاني، ما أدى إلى إلحاق الأذى بسمعته في جميع أنحاء العالم، حسب زعمهم، وأن من كانوا قيد التحقيق عانوا ضغوطا غير مقبولة، وكانت حياتهم على المحك، وتم تدمير حياتهم المهنية. فهل بعد كل هذه التصريحات والتقارير الصادرة عن جهات حكومية بريطانية، يبقى من يشك بأن الغرب ليس عنصريا في نظرته لنا؟ وأن هنالك اعتبارات إنسانية تُقيّد فعلهم، بحيث لا يذهب بعيدا في وحشيته؟ أو أن يأمل البعض في إحقاق حق لمظلوم وإنصاف أهل الضحية؟ ها هي يقولونها صريحة جدا بأن الضغوط على أدوات جرائمهم غير مقبولة، بينما يغزون بلدا بكذبة كبيرة وينتهكون القانون الدولي الذي يتبجحون به، ويسوقون الناس كالقطعان إلى المذبح، وينتهكون الأعراض ويهينون الرجال والنساء، وييتمون الأطفال، ويدمرون كل البنى التحتية التي صُنعت بعرقنا ودمائنا وأموالنا، هذه كلها مسموحة ومباحة لهم، وبعدها عليك ألا ترفع صوتك حتى بالشكوى. إنهم حريصون على سمعة جيشهم في العالم، وإذا قلت إنه انتهك أو قتل أو اغتصب في العراق وغير العراق، فأنت تدمر الحياة المهنية لعناصره، لكن جيشك الوطني يُحل ويُرمى منتسبوه الذين دافعوا عن كل الأمة على الرصيف دون رغيف خبز. هذه هي حقوق الإنسان التي يتبجحون بها، وهذه هي الديمقراطية التي يروجون لها ليل نهار. إنها تناقضات المنهج الاستعماري الذي يوظف النصوص والقوانين والأعراف لمصالحهم، ويكيل بمكيالين إن تناقضت هذه مع أهدافهم وتطلعاتهم، لذا يحاول وزير الدفاع البريطاني والبرلمان وغيرهما من المسؤولين البريطانيين، وضع الدعاوى التي تقدم بها بعض ضحايا انتهاكاتهم في العراق في خانة الدعاوى عارية الصحة، متناسين أن حكومتهم دفعت تعويضات بملايين الجنيهات في 326 قضية مرفوعة ضد جيشهم، وهو تأكيد على أنهم انتهكوا واغتصبوا وقتلوا وعذبوا، فهل كانت الحكومة غافلة حين دفعت تلك المبالغ؟ أم أنه كرم بريطاني لشعب غزوه؟ أم أنها كانت قضايا حقيقية بدلائل لا تقبل النقض والتسويف والمماطلة؟ بل ماذا يقول كل هؤلاء الذين احترقت دماؤهم على سمعة جيشهم، وقد قام الصليب الأحمر الدولي نفسه بتوثيق انتهاكات جيشهم ونشرها؟ إضافة إلى تبرع جنود من الجيش نفسه بتسجيل ما شاهدوه من انتهاكات قام بها زملاؤهم بحق المدنيين؟ وهو ما دفع جريدة «الغارديان» البريطانية في تقرير نشرته نهاية العام الماضي إلى القول، إن الانتهاكات التي قامت بها القوات البريطانية ضد المدنيين العراقيين يجب أن تظهر إلى العلن، وأن الجيوش الحديثة في العالم يجب عليها الالتزام بالقانون الإنساني والدولي. 
إن دول الغزو والعدوان على العراق، ومنها بريطانيا، ما برحت تنظر إلى نفسها على أنها هي المنتصرة، وبالتالي يُمنع التطرق إلى الجرائم التي يرتكبها المنتصر في العُرف الاستعماري، وهي الغطرسة الاستعمارية الاستعلائية نفسها، التي دفعت حكومة صاحبة الجلالة إلى التنصل من الاتفاقية الاوروبية لحقوق الإنسان في فترة الحروب نهاية العام الماضي، كي يسمحوا لجنودهم بفعل ما يشاؤون دون محاسبة وملاحقة قانونية. يعزز هذا النهج وجود حكومات عميلة أو تابعة أو هي من نصبها المحتل في البلدان التي تعرضت للغزو والاحتلال، فتضيع حقوق المواطنين وتهدر كرامة الأوطان. والمثل الأبرز على ذلك حكومة الدمى في بغداد والبرلمان المزيف والقضاء المسيس، الذين باتت جرائمهم بحق الابرياء تفوق جرائم الغزاة المحتلين، فهل بعد ذلك يوجد من يتوقع منهم أن يطالبوا المجتمع الدولي بالوقوف معهم لمقاضاة الدول المعتدية، التي نهبت ودمرت وقتلت وعذبت الكثير من الأبرياء؟ كما أن المنظمات والجمعيات الحقوقية العراقية العاملة في الخارج، تعاني من العجز والشلل بعد ان تحولت إلى إقطاعيات خاصة لرؤسائها والمسؤولين عنها، الذين يتربعون على عروشها منذ عقود طويلة دون فعل يذكر، مكتفين بالبيانات الاستنكارية والطلات الاعلامية التي لا تقدم سوى الكلام المعسول.
إن التحقيق في الجرائم التي ارتكبها الغزاة، في العراق وغيره، ليس الهدف منها الحصول على التعويضات المادية الفردية، فهذا أمر ثانوي أمام الحدث الأكبر وهو اغتصاب سيادة وطن، وإهدار ثروات وإنجازات شعب وإفناء مستقبل أجيال. لهذا فإن الكثير من العراقيين الذين تعرضوا لانتهاكات إنسانية خطيرة، يأنفون من أن يقفوا كالمتسولين أمام محاكم أجنبية عارضين قضاياهم الشخصية بغية الحصول على بضع دولارات، لأن تعويض الوطن ماديا ومعنويا عن جرائم الغزو والاحتلال هو التعويض الحقيقي للافراد. وهذه قضية كبرى تتطلب وجود حكومة وطنية ليست موجودة في العراق اليوم.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث