مقاهي بغداد في نهاية القرن التاسع عشر - فخري الزبيدي

المتواجدون الأن

206 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

مقاهي بغداد في نهاية القرن التاسع عشر - فخري الزبيدي

 

في زمن الوالي جغالة زادة سنان باشا سنة 995هـ/ 1586م فتح اول مقهى في بغداد في موقع خان الكمرك المتصل خلفه بالمدرسة المستنصرية وبابه على الطريق المؤدي الى سوق الخفافين وهو السوق الواقع فيه جامع الخفافين وبعدها فتح مقهى ثان كان يستخدم غلمانا ملاحا ملابسهم فاخرة لتقديم القهوة وقبض الدراهم وهناك جوق موسيقي في المقهى والتردد على المقهى اكثر ما يكون ليلا  

اما في الشتاء فنهارا، وهذا المقهى قريب من نهر دجلة يقع بالقرب من جامع الوزير الذي اصبح موقعه الان عند رقبة الجسر في الجانب الشرقي في حدود شارع المأمون حاليا. ومهما يكن فأن للقهوة العربية اصالة مميزة ونكهة معروفة ولا تزال بعض المقاهي العربية في بغداد تقدم القهوة لزبائنها مجانا كتقليد شعبي لاصالتها، ولا يزال حتى الان بائعو القهوة المتجولون في شوارع بغداد لا يضعون اسعارا محددة لها بل ان شارب القهوة هو الذي يدفع ما يحلو له ويشرب باعتبار ان القهوة يجب الا تباع ابداًي.

وكانت بغداد مشهورة بمتنزهاتها ومجالسها الادبية والعلمية وبمحافلها التجارية.. فلا تخلو محلاتها من مجلس او قهوة يجتمع فيها الناس من وجوه شتى وانحاء مختلفة يقضون اوقاتهم فيها بالاحاديث الشيقة والفكاهات المسلية ويحلون فيها مشاكلهم الخاصة والعامة من تجارة وزراعة وصناعة او ملك او عقار او علم او ادب ومن المقاهي المعروفة فيها.

مقهى الخفافين:

من المقاهي البغدادية ويقع عند مدخل جامع الخفافين في منطقة المصبغة بالرصافة ويناهز عمر هذا المقهى الـ 300 سنة ثم يأتي بعدها مقهى الشط القريب منه في نفس المنطقة والمقهى البيروتي ومقهى الشابندر عند مدخل سوق السراي وغيرها.وتمتاز هذه المقاهي بالطراز البغدادي الاصيل و النقوش على الخشب والاقواس عند مدخل الابواب وكانت هذه المقاهي منتديات للادباء والشعراء وكذلك التجار والصاغة وارباب الصناعات. وقد حفظ الناس لمؤجريها ولروادها من الاخبار والطرائف واللطائف وفي بعضها واثناء الفراغ يلعب روادها الشطرنج والنرد والدومينو واقامة حفلات الجالغي وفي الاعياد يتخذ عمال بعض المقاهي طريقة خاصة للحصول على هدايا العيد من الرواد بأن يحملوا قناني ماء الورد ينثرون ماءها على الجالسين فينالون الهدايا..

وتمتاز العديد منها بالفعاليات الخاصة بشهر رمضان المبارك وبلعبتيها المشهورتين التي تتزاحم الشخصيات المعروفة ووجهاء البلد على ممارستهما في حينه وهما لعبة الصينية والمحيبس.

مقهى الشط:

يأتي بعد مقهى الخفافين بالقدم. ولكن بالاهمية يكون الاول نظرا لموقعه المتميز على نهر دجلة وبالرصافة ثانيا لتقديمه الحفلات والمقام والجالغي البغدادي والذي تفتقر اليه مقهى الخفافين لموقعه بباب الجامع.

ومقهى الشط على شكله. مرتفع ومنخفض في الجانب الاخر تنزل له من ثلاث درجات على سلم ويكون من طابقين علوي وسفلي ويعتبر مقهيين ويعود كل واحد منهما لمالك فمقهى الشط تعود للحاج علي اما المقهى الثاني في الطابق العلوي فيعود لحسن صفو.

كان سقف المقهى من الخشب ويستند الى اعمدة خشبية ايضا (الدلك) ذات طلعة امامية على النهر وتحتوي على النقوش البغدادية وكانت مظللة بالالوان ويجلس الزبائن على درجات من طوف اللبن ويفرش عليها حصير من البردي وفيها 12 عاملا من العمال المهرة وتنار بواسطة فوانيس مستوردة من المانيا وهي كبيرة الحجم ولا يوجد مثلها في بغداد وتعلق في السقف ولها عامل متخصص في انارتها ولا تزال الحلقات حتى الان رغم احتراق المقهى جراء احتراق خان التمر واشتعال النيران في دور فيها وقود.. ويعتبر مقهى الشط من المراكز التجارية المهمة قديما على الشاطئ لان الموقع كان نقطة نهاية المراكب والدوب التي تنقل التجارة والمسافرين مثل زبيدة وزنوبيا التي تعود الى بيت لنج. والبواخر احسان وكوت وخليفة وحميدي التي تقوم بنقل الحنطة والشلب بالاضافة الى المسافرين.. وكذلك كونه المقهى سوقا للتداول بقضايا البيع والشراء حتى قضايا الخطوبة والزواج والاعراس كانت تبدأ من المقهى.

ومقهى الشط الوحيدة الذي كان يجاز ايام رمضان لموقعه واهميته ولبعده من الشارع وكونه مركزا تجاريا للمداولة ولا يمكن الاستغناء عنه حتى في رمضان.. كان يلتقي فيها وجوه بغداد المعروفة مثل عبد القادر باشا الخضيري وهو صاحب مراكب ترسو على الشاطئ امام المقهى وقاسم باشا وحسن باشا والحاج علي الجلبي وعبد القادر دله صاحب خان دله وابراهيم صالح شكر والرصافي والزهاوي في بعض الاوقات.

المقام الجالغي البغدادي. كان من المقهى حيث كان متخصصا بتقديم عروض لرواده ولكن نسمع اصوات قراء المقام العراقي المشهورين. والجالغي البغدادي. فأحمد زيدان، رشيد القندرجي وكان يسمع صوته الى جانب الكرخ. وذلك لصفاء صوتهم وطاقتهم اضافة لهدوء الجو ليلا اضافة الى القراء المعروفين خضوري شمه ويوسف بتو وسيد جميل اضافة الى عتابة عكار وكان المقام يصدح يوميا.التياترو ـ كان يقام بالطابق العلوي من مقهى حسن صفو. فقد اشتهر بتقديم الحفلات الراقصة التياتروا. اذ اقتصر المقهى الاول على الجالغي والمقام فقط حيث كان يقدم حفلات يومية راقصة واحيانا مرتين عصرا ومساء ومن الراقصات المشهورات (طيره وفريدة وتنوورحل) وغيرهن.. وكان المقهى يحصل على جميع مستلزماتها من شاي وسكر ونومي بصرة واخشاب مجانا على شكل هدايا من زبائنها الموسرين.

قهوة القلعة:

شيد على اطلالها بناء حديث 1954 تضم هذا المقهى هواة الطيور وجماعة كبيرة من الخرس والبكم.. وفي زاوية منها تضم هواة مناطحة الاكباش.. وزاوية ا خرى تضم زمرة من هواة مهارشة ديكة الكسار.. فهواة الطيور تراهم اذا دخلوا في حديث الطيران اخذ ضجيجهم يعلو ليبرهن كل منهم على ان طيوره ا ميز واحسن من طيور غيره واكثر طيرانا. ولانه اذا اصطاد طيورا غريبة اثناء طيوره يزداد فرحة وابتهاجا.وكذلك هو فرح ومسرور لان له طير قد بقى طائرا ثلاثة ايام بعد ان هده من بعقوبة او شهربان ثم عاد الى برجه في بغداد.اما هواة الديكة.. فمن المعروف ان الديكة الهراتية تتعارك حتى يسيل الدم من جسمها ولا سيما الرأس.. ويقع الديك المغلوب المكسور على الارض ثم يأتي صاحبه فيأخذه.

اما الخرس فالكلام بينهم بالاشارة المعهودة.. فلا تسمع منهم الا همسا كأنهم نذروا للرحمن حسوما.. واذا اعترض معترض من مطلقي اللسان على احدهم ترى هؤلاء الخرس يجتمعون بكليتهم عليه وينصرون لاخيهم الاخرس وهكذا.

اما هواة مناطحة الخراف فكانت كباشهم تتناطح بحيث اذا اتصل بعضها ببعض تكسرت قرونها من شدة الضرب.

كان الظرفاء يقصدونها بالزيارة بين آن واخر ليصغوا لنكات هؤلاء الهواة من الناس الذين يضمهم سقف هذه القهوة.. وقد ذهب هؤلاء بزوال هذه القهوة والتي كانت تعرف بقهوة السيد بكر او بقهوة القلعة وكانت متصلة فعلا بالقلعة.. على الجانب الايمن بدخولك الى الشارع الفرعي المؤدي الى النادي العسكري من ساحة الميدان.

قهوة البلابل:

هذه القهوة مشهورة بمن يرتادها من هواة تربية البلابل.. تقع في محلة الباردوية شارع الجلالي. وقلما يحضرها من غير صنف هواة البلابل وحديثها لا يخرج عن دائرة الكلام عن الدواجن. وبالاخص البلابل وانواعها وطرق تربيتها وكيفية صيدها والتفنن في صنع الاقفاص وزخرفتها. وتفاخر هذا الصنف ببلابلهم كتفاخر الناس بخيولهم ا لاصيلة العريقة في النسب فيحفظون اصل البلبل من أمه وأبيه كما تحفظ انساب الخيل وارساسها وقد يجعل التنازل بهم لما يدور من التفاخر وربما يؤدي الى ما لا تحمد عقباه. وكانت هذه القهوة باقية لحدود سنة 1950.

قهوة الاورفلية وقهوة سعيد افندي:

كانت بغداد في العهد العثماني مدينة محدودة الجوانب لا تتجاوز عماراتها ربع ما عليه بغداد بين سورها الشرقي.. فكنت اذا وصلت الباب الشرقي من بغداد لم تجد بعد عبدان قرية كما يقول المثل.. لاجل ذلك كان البغداديون يتخذون من اطراف بغداد وضواحيها العامرة بالبساتين والمزارع والانهار والمتنزهات يقضون فيها اوقات الفراغ والراحة ويستنشقون نسيم تلك الارياض.. ومن المناطق التي اتخذت متنزها. منطقة الباب الشرقي.. وكان الناس يخرجون اليها عصر كل يوم من ايام الربيع والصيف والشتاء ايضا زرافات ووحدانا رجالا وركبانا يمتطون ظهور الجياد العربية.وكان في تلك المنطقة محلان عامان للجلوس.. احدهما يدعى قهوة الاورفلية ـ وهذه تقع على جدول يسمى بجدول الاورفلي ـ يتشعب من نهر دجلة فيسقي المزارع والبساتين (وقد زال اثره سنة 1930 وبنى على اطلاله سينما السندباد).والثانية قهوة سعيد العبد. وكان يديرها سعيد العبد واولاده. وهي تبعد عن قهوة الاورفلية بمسافة 100م تحيط بها البساتين وحقول الخس وقد سميت بعد تشييد الدور عليها بمحلة بستان الخس ولم تكن القهوة منظمة مثل مقاهي بغداد وانما هي بضعة تخوت رثة بالية عليها حصران قذرة ممزقة متكئة على حائط طوف لبستان الاورفلي من (ناحية شارع السعدون الحالي وبالقرب من محلة البتاوين اليوم مقابل بستان الخس) وكانت المنطقة يومذاك ارضا بلقعا اغلبها تراب تغور فيه الاقدام وجزء قليل منها مزروع بالخس ولا يرتاد المقهاة احد في النهار وانما يؤمها الناس عصر كل يوم فيمتطون اليها صهوات جيادهم لبعدها عن المدينة حاملين معهم اسلحتهم خوفا من اعتداء اللصوص وقطاع الطرق.

قهوة البيروني:

في جانب الكرخ رأس الجسر القديم.. وتعتبر من المقاهي الصيفية وهي قديمة العهد وكثر روادها لاريحية مستأجرها الحاج محمد من اهالي بيروت سكن الكرخ سنة 1315 وتوفي سنة 1334هـ.. ويقال ان الحاج محمد ليس لبنانيا وانما هو عراقي سافر الى بيروت وعند عودته سمي بالبيروتي.

وكان يلبس الصاية والجراوية وعماله مهرة جدا.. منهم الجايجي والتتنجي والساقي وابو البوش. وكانت مفتوحة من صلاة الفجر حتى ساعة متأخرة من الليل والدخول اليها عبر السوق المعقود على الجهة اليسرى من (جسر الشهداء الحالي) عدا نزولك للكرخ. وكانت كافة المقاهي في بغداد تأخذ عانة اي (4) فلوس من روادها ما عدى رواد البيروتي بـ 05) فلوس. وقد هدمت في بداية سنة 1965.

قهوة المميز:

كانت في الاصل حديقة. وقد شيد متولي جامع العادلية على قسم منها قهوة سميت بقهوة المميز.. وهي تقع في جانب الرصافة في منطقة هادئة جميلة تطل على دجلة باتصال جسر بغداد القديم وتمتد فتصل بجدار جامع الاصفية وهي من اوقاف عادلة خاتون بنت احمد باشا والي بغداد كما انها تجاور المدرسة المستنصرية وهي قهوة مشهورة لموقعها وفعالياتها حيث كانت اشبه بالمدرسة للموسيقى والفنون والغناء العراقي ـ واصول المقامات العراقية التي تمارس فيها. حيث يرتادها مشاهير المغنين واعلام الموسيقى وعشاق المقام العراقي ويتبارون بالاصوات والانغام والضرب على الالات الموسيقية منها السنطور. ومن مشاهير القراء في علم المقام احمد زيدان البياتي وحسن الشكرجي واصبحت هذه القهوة في زمن العثمانيين منتدى لرجالات الدولة واعيان الامة يقضون فيها ساعات الفراغ للاستمتاع بالراحة وحسن الانغام ومن جمالها موضعها الجميل لاسيما في ليالي الصيف المقمرة باشعته الذهبية على نهر دجلة.

عن كتاب ( بغداد ايام زمان) لفخري الزبيدي

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث