زغرب - وليد الزبيدي

المتواجدون الأن

217 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

زغرب - وليد الزبيدي

مشاركة

 
 

وليد الزبيدي

للمرة الأولى التي أكاد اعرف تفاصيل الأحداث في الصفحات اللاحقة من عمل روائي ، بل استطيع أن أتصور فصول الرواية كاملة، حصل هذا وأنا اطالع رواية “فتاة في حالة حرب” للكاتبة سارة نوفيتش، وقد يستغرب البعض ذلك، ويعتقدون أن احداث الروايات قد تكون واضحة في الأعمال التي تتحدث عن الحب والجريمة، لكن هذه الرواية لها خصوصيتها، لهذا اخترت عنوان المقال “بغداد – زغرب” .
تتناول الرواية احداث الحرب الأهلية في زغرب عاصمة كرواتيا بداية تسعينيات القرن العشرين ، ولأن هذه الحرب تم خلالها استخدام الطائرات في القصف، فأن الكاتبة عندما تأتي على ذكر “صافرة الانذار” وكيف بدأ الناس هناك بعدم معرفتها في البداية وبعد ذلك علموا أن هناك تجريبا متعمدا أحيانا من قبل السلطات لاطلاقها ، كما أن صوتها يتحول بعد مدة إلى إنذار حقيقي ، فبقدر ما يتخذ الناس جميع الإجراءات الضرورية ، فأنهم يعرفون ما هي الدقائق التي يستغرقونها في استحضاراتهم تلك ، بعدها يصل صوت الطائرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة ، ثم تدوي الانفجارات ، وتتصاعد سحب الدخان ، وبعد دقائق قد تأتي موجة اخرى من الطائرات ، ثم يخيم صمت مرعب تتبعه الأخبار التي غالبا ما تصل عبر الاتصالات الهاتفية التي تخبر المعارف والأقارب عن قتلى وجرحى وتدمير بيوت وغير ذلك ، أن جميع التفاصيل التي توردها الكاتبة سارة نوفيتش يعرفها البغداديون ، وتعود الذاكرة بتلك الوقائع والتفاصيل إلى بداية ثمانينيات القرن الماضي حيث اندلعت الحرب العراقية – الإيرانية ، وبدأت في يومها الاول بغارات جوية وتم قصف اهداف في طهران وبغداد من قبل طيران البلدين ، ثم تطور الحال ليستخدم البلدان الصواريخ بعيدة المدى في قصف المدن.
بالتأكيد ، لا تحتفظ ذاكرة الناس في زغرب إلا أحداث تلك السنوات الدامية، وأن جيلا واحدا عاش تلك الساعات السود من أبناء المدينة والمدن الأخرى التي شهدت اعمال العنف الدامية ، لكن الحال في العراق يختلف تماما ، فما تذكره الروائية في تفاصيل الأحداث عاشه اجيال من العراقيين.
عندما يجلب الأب في مدينة زغرب إبان الحرب الأهلية علبا تحتوي على اللاصق الشفاف ، لا تعرف الطفلة الهدف من ذلك ، لكن عدة اجيال من العراقيين ولمجرد أن يأتي ذكر هذا النوع من اللاصق يعرفون فورا أنه يستخدم لمنع تطاير زجاج النوافذ في حال حصل هجوم وانفجارات عنيفة ، فقد استخدم جيل الحرب مع إيران تلك اللواصق ووضعوها على زجاج النوافذ ، ولم تمض مدة طويلة حتى دخل العراقيون حرب الخليج الثانية في العام 1991 ، واضطر الناس لجلب تلك العلب الخاصة باللاصق الذي يتم وضعه على شكل أكس ، وتم استخدامه في قصف العراق إبان الرئيس بيل كلنتون عام 1998 في الهجمات العنيفة التي تعرضت لها بغداد ومدن عراقية اخرى واسماها كلنتون ب”ثعلب الصحراء”.
ويشترك جيل من العراقيين طيلة اكثر من عقد بعد الغزو الأميركي في تفاصيل مؤلمة كثيرة مع الاحداث اللاحقة التي تأتي عليها الروائية ، تلك الأحداث المرتبطة بالعنف ذي الصبغة “الطائفية” وما يصاحب ذلك من اعمال وحشية ترتكبها العصابات التي تريد الخراب والدمار للبلدان.
إن رواية “فتاة في حالة حرب ” التي صدرت ضمن سلسلة إبداعات عالمية في الكويت وترجمها مالك أحمد عساف، تعد وثيقة تزخر بالأحداث والتفاصيل المؤلمة والمتعبة وبقدر ما يشعر بها الناس في بغداد ومدن عراقية أخرى وفي زغرب ، فأنه وللأسف الشديد يعيشها الكثيرون في مدن عربية اخرى بذات الفواجع.

 

Comments are now closed for this entry