من المسؤول عن استهداف الأقباط؟

المتواجدون الأن

66 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

من المسؤول عن استهداف الأقباط؟

ما يقارب من 118 أسرة تم تهجيرها قسراً من مدينة العريش في شمال سيناء بعد هجمات استهدفتهم هناك وأدت إلى مقتل ثمانية منهم، في مشهد جديد لتصعيد مستمر شهدنا مثيلاً له العام الماضي مع الهجوم على الكنيسة البطرسية في القاهرة الذي قتل فيه 25 شخصا وأصيب 31 آخرون، وهي أحداث تكرّر سياقاً قديما تتعدّد أطرافه وتتداخل لكنّها تشير أيضاً إلى خلل سياسيّ عميق يضرب أركان الدولة والمجتمع المصريين.
وإذا كانت ظاهرة العداء للأقباط ذات جذور قديمة في عالم كانت فيه النظرة الدينية هي السائدة للعلاقات بين البشر، فإن استمرار هذه الظاهرة وانفلات مؤشراتها دليل على ارتباطها بالأزمات الاجتماعية والسياسية المصرية للدولة الوطنية الحديثة وفشلها الخطير في حل إشكاليات الديمقراطية والتنمية والعدالة، وهو فشل يتمّ تصريفه على حساب الوحدة السياسية والاجتماعية للمصريين، ويدفع الأقباط الفقراء منهم ثمنه بأشكال التحقير والازدراء والاضطهاد والتمييز الممنهج والعشوائي ليس من أجهزة الدولة والتنظيمات السلفيّة المتطرّفة بل كذلك من بعض نظرائهم المسلمين، الذين يتشاركون معهم وطأة التهميش والاستبداد والقمع!
في صفحة على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» نجد ترتيبا لأحداث اضطهاد الأقباط يبدأ بحادثين فقط في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر تليه سبعة حوادث في عهد أنور السادات ثم يصعد المؤشّر بقوّة إلى أكثر من مئة حادث في عهد حسني مبارك. وتكشف هذه الإحصائيات (ذات الطابع الشعبي والفرديّ) عن أن المسألة القبطية ازدادت استفحالاً وتأججاً مع الانحطاط الذي شهدته الدولة العسكرية في مصر والذي أدّى عام 2011 إلى ثورة كان من المفروض أن تنقل مصر من عهد الاستبداد إلى مسار عهد الديمقراطية والحكم المدنيّ.
أدّت الانتخابات، كما هو معلوم، لتسلّم محمد مرسي، المحسوب على جماعة «الإخوان المسلمين» الرئاسة، وهو مسار تمّ قطعه فجأة باستيلاء العسكر مجدداً على السلطة. 
معلوم أيضاً أن الانقلاب حصل على تأييد الكنيسة القبطية (وكذلك الأزهر طبعاً)، وشاركت في تأييده جماعات سياسية عديدة، لكن بعض الاتجاهات السياسية الإسلامية اعتبرت ما حصل من رفض الكنيسة، وعموم الأقباط، لحكم «الإخوان» وتأييدهم لانقلاب العسكر على الديمقراطية موقفاً طائفيّاً مما رفع مستوى الاحتقان السياسي والاجتماعي إلى ذرى جديدة. 
يحيل بيان وقعته 490 شخصية عامة مصرية أدانت استهداف الأقباط الأخير في سيناء واعتبرت الهجوم عليهم وهجرتهم القسرية نتيجة حرب بين التنظيمات الطائفية المسلحة وقوات الجيش والشرطة، مشيرة إلى أنهم وقعوا فريسة لانتهاكات الطرفين، ووجهوا اللوم إلى الدولة التي لا تحميهم بل تستخدم القضية القبطية لتأكيد شرعية النظام وانتزاع القبول الدولي، من دون أن تقوم عمليّا بأي تعديلات للتشريعات التي تؤيد التمييز وتقوض المواطنة، وأن التنظيمات المتطرفة تستمد قوتها من انتهاكات الدولة.
إحدى النقاط الخطيرة التي التفتت إليها الشخصيات السياسية المصرية في البيان ما سمته «المساعي الرامية لجعل شمال سيناء ساحة للصراع الإقليمي على غرار الموصل والرقة» وهو ما أشارت إليه إحدى النساء اللاجئات بقولها «الناس بيقولوا مصر أحسن من سوريا والعراق. ييجوا يشوفوا حياتنا ويشوفوا الموت بيطاردنا وإزاي بقينا لاجئين في بلدنا».
وكعادته، فإن الوعي الشعبي المرتكز إلى وقائع محسوسة يضع إصبعه على الجرح المفتوح ويسخر من بيانات السلطات السياسية والدينية معاً فإحدى اللاجئات تقول «فين السيسي اللي انتخبناه ووقفنا معاه؟»، كما تقول «فين البابا منا؟ والأنبا قزمان أسقفنا اللي قفل باب الكاتدرائية في وجهنا وقال لنا مفيش مكان»، فيما يقول آخر «اللي إحنا فيه مش فتنة طائفية لأن الذي ساعدني أهرب كان جيراني المسلمين. البابا ميعرفش عنا حاجة»!
ما يحصل ذو جذور طائفية قديمة لكنّه، في عمقه، وكما قال اللاجئون الهاربون بطرق عفوية متعددة، صراع سياسيّ جذره الاستبداد السياسي والديني بجميع أشكاله.

Comments are now closed for this entry