حوار الذكريات في بغداد - منشي زعرور

المتواجدون الأن

65 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

حوار الذكريات في بغداد - منشي زعرور

 

ذكريات جميلة عدت عليها السنون وكادت أن تطمس معالمها مع ما فيها من عبر وعظات وشواهد على أن القوم في العراق كانوا يعيشون متعاونين متحابين على اختلاف مللهم ونحلهم بما كانوا عليه من خصال حميدة وتقاليد موروثة هي من القيم الروحية في الصميم ومن الضوابط الخلقية في مدى بعيد ... ذكرتنا "المصور" بما نشرته في عدديها الأخيرين من عرض لكتاب "المقام العراقي" [للشاعر ابراهيم عوبديا، رابطة الجامعيين النازحين من العراق، 1999] والتعقيب عليه

ذكرتنا بأيام حلوة وليال أحلى ، ذكرتنا بعهد في بغداد كانت أغانيها ومقاماتها في لياليها البيض قاسما مشتركا بين مسلميها ويهودها. ذلك العهد الذي كانت السياسة فيه لم تخضع تلك الأغاني والمقامات لخدمة أبالستها وشياطينها، وكان أصحابها أرفع من أن يقبلوا على أنفسهم أن يكونوا آلات مسخرة لأي طاغية من الطغاة يسبحون بحمده ويحرقون له البخور... وبغداد هذه التي نتكلم عليها، هي بغداد قبل الاحتلال البريطاني وبعده بقليل، يوم كانت مدينة صغيرة تمتد على حافتي دجلة من جانبيها الشرقي والغربي- الرصافة والكرخ- ولم يكن عرض كل جانب أكثر من أربعة كيلو مترات.

  أما في الطول فهي ممتدة من باب المعظم إلى باب الشرقي لا أكثر من بضعة كيلو مترات ... وصفوها هذا هو الذي كان يساعد ساكنيها على سماع أي مغن في الليل في أي مكان منها، خاص وأنها كانت خالية من وسائل النقل لهذا العصر من محركاته الميكانيكية ومن مصانعه الآلية... فليلها ساكن هادئ ولا يعكر صفو هذا السكون إلا دوي اطلاقات نارية بعض الأحيان ينبعث من بساتين ضواحيها ومن بعض طرقاتها حين يطارد العسس اللصوص فيتبادل الطرفان إطلاق العيارات

النارية ...

كان أهل بغداد يومذاك شغوفين كثيرا بالمقام العراقي، وكانت مدينتهم لا تخلو في لياليها من أفراح كثيرة، وقد اعتاد الموسرون منهم أن يحيوا حفلات ساهرة في بيوتهم تمتد كل ساعات الليل حتى الصباح يعزف فيها جوق الجالغي ويغني مغنون كثيرون هم على أصناف من حيث مرتبة فن المقام.

وكان هؤلاء المغنون يكادون يشنفون أسماع أكثر سكان المدينة لصفوها وهدوئها، ومن هنا يقول الشيوخ، إن احمد زيدان مثلا كان يغني في جانب الرصافة فيسمعه أهل الكرخ، وكانوا يحسبون خطأ أن ذلك يعود إلى قوة صوته! ...

 وأعود إلى ليالي بغداد يومذاك فأكثر مسلميها كانوا يفضلون في أفراحهم وأعراسهم إقامة المواليد النبوية وهذه المواليد تحييها أجواق عديدة من منشدي التسابيح والحمد للخالق العظيم ونبيه الكريم، وكان يغشى هذه المواليد أناس كثيرون من غير دعوة فيعمرون صدورهم من الروحانيات فتزداد مروءاتهم وتخفق قلوبهم بحب الخالق وبمصافاة خلقه طرا، ويتناولون كل ما لذ طعمه وطاب شربه فيحمدون ويشكرون وأكثرهم يرددون في دخائل نفوسهم: "إن شكرتم لازيدنكم"، وتمتد السهرة حتى الفجر غير أن أناسها يمضون ساعات بعد منتصف الليل بعد اختتام قراءة قصة المولد الكريم بإقامة الذكر،  والذكر أيضا فيه امتداح للخالق ولأنبيائه ورسله جميعا، ففيه يؤلف نفر من الحاضرين دائرة وهم وقوف ماسك احدهم بيد الأخر فيتحركون حركات منظمة رتيبة وكلهم بأصوات منسجمة منغمة يرددون: "لا أله إلا هو"، بينما يواصل ضاربو الدفوف نقر دفوفهم وفق تنغيم أهل الدائرة، وبين حين وأخر يغني احدهم مقاما بالاماديح النبوية فيتساوق تماما مع النقر والتنغيم ويكون في وسط الدائرة شاب وسيم الطلعة يغطي رأسه "بقاووغ" طويل منقوش بألوان زاهية ويرتدي "تنورة" فضفاضة من النسيج الحريري ويسمون هذا الغلام "ملوي"، يظل يدور بخفة كاللولب وسط الدائرة طيلة مدة الذكر فلا يتعب ولا يكل خلال ساعة أو أكثر وترى الناس من حول الدائرة سكارى وما هم بسكارى ولكن الخشوع الروحاني قد أغرقهم بفيضه المقدس فراح كل منهم يمدح ويسبح ويستغفر ويتضرع إليه تعالى أن يمد خلائقه بالخير والبركات والإيمان.

  وفي وسط وهج هذا الجو الروحاني يرتفع صوت احد ضاربي الدفوف وكان صاحبه كالقمر وسط هالة من زملائه يغني مقاما بصوت عريض رخيم فيه بحة محببة، وكان أهل بغداد عامة يعرفون هذا الصوت وصاحبه فيطربون له أكثر مما يطربون لغيره وكل منهم يقول "الله يطول عمرك يا احمد شعبان".

وكان هذا أكثر ما يغني من شعر التزهد لأبي العتاهية إسماعيل بن القاسم العباسي من ذلك مثلا في الذكرى الحسنة بعد الموت: كـل حـي عند ميتته حظه من ماله الكفن إن مال المرء ليس له منه إلا ذكره الحسن في سـبيل الله أنفسنا كلـنا بالموت مرتهن وكان أهل بغداد يحبون مغنيا أخر يهوديا هو واحمد شعبان في مستوى رفيع واحد عندهم من حيث أغانيهما الدينية والروحانية وهذا المغنى اليهودي هو "إفرايم بابايي"، بلغ الان من الكبر عتبا ويعيش في إسرائيل بعافية وصحة، أتمنى على الله أن يكون زميله احمد شعبان لا يزال حتى الان حيا معافى يرزق في بغداد. وإفرايم هذا كان يرأس جوقا يغني أفراده تسابيح واماديح لله بكلمات عبرية شعرية من نظم الحاخامين البغداديين، وهذا الجوق يكاد يشبه احد أجواق قراء المولد النبوي عند المسلمين.

  ولا تدهش يا أخي القارئ حين أقول ذلك، أن تسابيح واماديح أغنيات بابايي وجوقه تكاد لا تخرج عن نطاق مثيلاتها الروحانية عند أجواق المواليد النبوية، وأكثر من ذلك أن سكان أي حي من إحياء بغداد المختلطة بسكانها تجد مسلميها فرحين مسرورين بليلة يحيى فيها جوق بابايي حفلة في احد بيوت يهودها وكان أكثر اليهود يفضلون - كالمسلمين- إقامة مثل هذه السهرات التسبيحية الروحانية على الجالغي. وكثيرا ما كان يدعى مسلمون ومسلمات من الجوار إلى حضور هذه السهرات فيحضرونها بشوق وفرح، ويقاسمون أهلها اليهود أطايب أطعمتهم على أساس "طعامهم حل لكم وطعامكم حل لهم" . أما تلاحين أغنيات التسابيح والاماديح الروحانية فهي واحدة في النغم والأداء والمقاطع والقفلات عند المسلمين واليهود.

 وجوق افرايم بابايي هذا كان مؤلفا برئاسته من طلاب ثانويات يهود من أصحاب الأصوات الرخيمة والحناجر القوية المرنة، أما صوته هو فكان "داووديا" كما يصفه أهل فن الغناء البغداديون، أي انه صوت فيه رخامة وفيه نبرة حلوة وقوية، وكان صاحبه يدرب أفراد جوقته على الغناء والأداء ويترجم لهم كل عبارة وعبارة من المنظومات الشعرية العبرية ومعانيها وما تتطلبه هذه المعاني من الأداء ليستقيم المعنى والنغمة، وكان أفراد أجواق قراء المواليد المسلمون يعجبون بوحدة أصوات افراد جوق بابايي،  وأهل بغداد كما أسلفت، على اختلاف منازعهم ومذاهبهم، وكانوا يقدرون جوق بابايي فينصتون لتراتيله وتنغيماته كإنصاتهم لتراتيل وتنغيمات اجواق المواليد، وكانوا حين يذكرون احمد شعبان يقرنونه بافرايم بابايي فيطرون الاثنين معا، لان صوتهما كانا يجلجلان في أجواء بغداد أكثر لياليها والدعوات المتبادلة بين المسلمين واليهود إلى حضور الأفراح والأعراس عند الفريقين كانت تقليدا اجتماعيا يحرص عليه الكل، فعندما كان روبين رجوان احد مغنى المقام العراقي البارزين يشترك مع جوق الجالغي في سهرة ببيت احد المسلمين كان يحلو لهم الرجاء إليه أن يغني عند الفجر المقام الخَلـْوَتي بكلمات اعتاد مؤذنو جوامع بغداد في تمجيدهم بصحن المئذنة قبل صلاة الجمعة أن يقولها بنغم هذا المقام ومطلعها: "سبحانك ما حمدناك حق حمدك، يا موجود"، وكان الحاضرون يهللون للمغني رجوان ويشكرون على أدائه هذه الكلمات الروحانية كما يؤديها أي مؤذن، ولكن صوت رجوان كان أرخم وتمكنه من المقام كان يجلو هذا التمجيد للخالق جلاء نورانيا مقدسا."

 مجلة ، المصور ( يافا ) 25 ايار 1966

Comments are now closed for this entry