اليد التي تتوضأ لا تسرق.. حقيقة أم خيال؟ - د. مثنى عبد الله

المتواجدون الأن

142 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الأكثر قراة

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

اليد التي تتوضأ لا تسرق.. حقيقة أم خيال؟ - د. مثنى عبد الله

 

اليد التي تتوضأ لا تسرق. عبارة قالها قيادي كبير من أحزاب الإسلام السياسي الحاكم في العراق، في معرض دفاعه عن رفاقه في الحزب والائتلاف الحاكم، بعد الاتهامات التي وجهت اليهم بإساءة استخدام السلطة، وسرقة المال العام، والإثراء غير المشروع على حساب الشعب والوطن. 
ومع ذلك عندما خرج الرجل من المنصب الذي كان يتولاه، وزيرا للتربية، اتهم هو شخصيا بسرقة المال العام المخصص لإنشاء مدارس يتعلم فيها الأطفال القراءة والكتابة، على الرغم من أنه كان يتوضأ خمس مرات في اليوم.
تأتي هذه المقدمة في معرض حديثنا عما قاله مؤخرا، محافظ البنك المركزي العراقي السابق، من أن الاموال التي تسلمها رئيس الوزراء السالف نوري المالكي، كانت تكفي لبناء وطن جديد يتسع لثلاثين مليون نسمة. مؤكدا أن الاخير تسلم أموالا أكثر من كل حكام العراق السابقين مجتمعين، لكنه عجز عن تحقيق منجز واحد يخفف معاناة الشعب العراقي، ويعزز من قدرات الوطن في المجالات كافة. وعلى الرغم من أن محافظ البنك قد عزا تأثر المؤسسة المالية العراقية التي كان يترأسها، إلى قيام نوري المالكي بتعيين أربعة من أفراد حزبه، حزب الدعوة الاسلامية، بمناصب كبيرة في البنك، وهم ليسوا من ذوي الاختصاص في الشؤون المالية، لكننا نرى أن الموضوع أكبر من ذلك بكثير. فسرقة المال العام تعاونت على شرعنتها عوامل خارجية وداخلية. فقد قام العديد من الدول الاقليمية والاوروبية والشركات العالمية، بإنشاء آليات تُسهّل سرقة المال العام من قبل المسؤولين، من خلال إغرائهم برفع نسب العمولات التي تُدفع لهم، وتعيين أبنائهم وأقربائهم في مقرات الشركات الأجنبية في تلك البلدان التي تجهز العراق، والمساعدة في القيام بعمليات غسيل لتلك الأموال وتحويلها إلى استثمارات لإضفاء طابع الشرعية عليها. وإذا كان العامل الخارجي مهما جدا في التشجيع على هذا الأمر، فإن العامل الداخلي كان قد لعب دور المرونة المغرية في تحفيز العامل الخارجي، لاعتبارات ذاتية وموضوعية. فالكثير ممن يسمون المعارضة، الذين جاء بهم المحتل إلى السلطة، حينما ارتدوا الزي المدني وربطات العنق، وذهبوا إلى المكاتب الانيقة، شعروا بأنهم بحاجة إلى مبالغ مالية ضخمة، تُعبر عن متطلبات المرحلة، لأشخاص يشعرون بأنهم هم الذين جاءوا بالتحرير والاستقلال المزعوم لدولتهم، وفي الوقت ذاته قد عادوا للتو من دول اللجوء، التي كانوا يعيشون فيها على الإعانات الاجتماعية. وقد عُزز هذا النهج بفتاوى دينية، من قبل الكثير من رجال الدين المحسوبين على الاحزاب التي ينتمي إليها هؤلاء، حيث أشارت الفتاوى إلى أحقيتهم في الاستيلاء على الاراضي والعقارات والرواتب المليونية، مفسرين ذلك على أنه استرداد للحقوق بأثر رجعي. أما في مجال الاعتبارات الموضوعية التي شجعت على ظاهرة الفساد المالي، فكان أبرزها انتشار فكرة أن المال العام هو حالة مشاعة، وبما أنه كذلك فإن من حق أي شخص قادر على الوصول إليه أن يقتطع حصته منه، قليلا أو كثيرا حسب الحاجة والرغبة. وهذا كان أحد الدوافع القوية التي استغلتها الاحزاب في تمويل نفسها، وإنشاء امبراطوريات مالية كبرى لها، جعلها تسيطر على التجارتين الخارجية والداخلية بشكل محكم، وإرساء المناقصات على الشركات الأجنبية التي تدفع عمولات أكثر دون شرط المنافسة، التي غالبا ما يكون دفعها مُضافا على السعر الاصلي للبضاعة الواردة، وكذلك على حساب الجودة والنوعية والصلاحية. 
وقد ساعد هذا الجو العام من الفساد على بروز ظاهرة خطيرة في المجتمع، هي وصف من يجرؤ على سرقة المال العام فهو رجل بمعنى الكلمة، وهو يعرف من أين تؤكل الكتف، وهو صياد ماهر في اصطياد الفرص، ما شجع الكثيرين على انتهاج هذا السلوك المشين.
لقد خلق الاحتلال واقعا اقتصاديا جديدا في العراق، قوامه مدخولات نفط عالية بسبب رفع الحصار الاقتصادي عن البلد، لكن دون تنمية حقيقية قادرة على امتصاص المداخيل، فكان أن نشأت سلطة مالية، فبات العراق يُصدّر الدولار كي يستورد به سلعا، فأصبحت هنالك رأسمالية نقدية وليس رأسمالية زراعية أو صناعية. وبما أن اقتصاد البلد قد تحول إلى اقتصاد السوق، وأصبح مندمجا في الاقتصاد العالمي، في وقت يفتقر تماما إلى الأنظمة والقوانين والآليات والاجراءات، التي تحاسب وتردع وتحصنه من السرقة والفساد، فقد تحول في نظر الكثير من أتباع السلطة وأحزابها ومريديها وأنصارها، إلى خزنة مليئة بالمال لكنها بدون أقفال. وبما أن فلسفة الحكم قائمة على المظلومية والحرمان لاكثر من مئة عام، كما يقولون، فقد بات مد اليد إلى هذا المال حقا وليس سرقة، وانخرط الجميع في هذه اللعبة القذرة، على الرغم من أن البعض فيهم يرتدون العمامة ويطلقون اللحى ويتوضأون خمس مرات في اليوم. وراحوا يتفنون في اختراع المناسبات الدينية كي تخصص لهم المبالغ المالية التي يتربحون من ورائها. فيخترع الوقف السني حملة محمد قدوتنا، لصرف مبلغ خمسة ملايين دولار على لافتات صغيرة، تم تعليقها في الشوارع وأمام بعض الدور. كما تم صرف مبلغ مئة مليون دينار عراقي فقط لشراء باقات ورد. في وقت تتهم فيه هذه المؤسسة بالتلاعب بالحصص الغذائية للنازحين والمهجرين، من أجل كسب المال. وعلى الجانب الاخر تستقطع وزارة المالية نسبا من رواتب الموظفين الحكوميين، تخصص قسما منها لغرض إنتاج أعمال تلفزيونية تمجد الحشد الشعبي، وجزء آخر منه لتوفير الخدمات لزوار المراقد الشيعية، ويشرع البرلمان بالاجماع قوانين ترتب حقوقا خرافية لمن كانوا في المعارضة. تجري كل هذه الاعمال مُضفيا عليها هالات من القداسة الدينية، في وقت يعاني إلانسان الذي كرّمه الدين، وفضله على كثير من المخلوقات، من سرقة قوته وتراجع ظروف معيشته الإنسانية وممارسة كل عمليات النصب والاحتيال بحقه. حتى بات الشيوخ المحدودبي الظهر يبحثون عن قوتهم في أماكن جمع النفايات، وأمهاتنا المعروقة أياديهن ووجوههن يحملن أكياس النفايات البلاستيكية على ظهورهن، كي يبعنها من أجل الحصول على لقمة خبز، بينما ينتظر الأطفال عند مكب النفايات كي تأتي سيارة الازبال فتلقي حمولتها، عندها يبدأ السباق بينهم في البحث عن كل شيء يمكن أن يباع.
الغريب أن الاخبار تقول بأن وزارة المالية العراقية رفعت دعوى قضائية ضد البرلمان، لدى المحكمة الاتحادية، متهمة اياه بإصدار قوانين يحتاج تنفيذها إلى مبالغ مالية كبيرة جدا، في وقت تعاني فيه الميزانية من عجز مالي كبير، بينما لم نسمع بأن الوزارة رفعت دعوى ضد أي مسوؤل يتوضأ خمس مرات باليوم، سرق بيتا أو قطعة أرض من عقارات الدولة وسجله باسمه أو باسم زوجته أو أولاده

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث