عرصات الهندية... ذكريات -عبد الكريم الحسيني

المتواجدون الأن

208 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

عرصات الهندية... ذكريات -عبد الكريم الحسيني

 

عرصات  الهنديه منطقه تقع الى الجنوب الشرقي من بغداد على ضفاف دجله الخالد يحدها  من الشمال الشرقي منطقة المسبح ومن الجنوب قرية الناظميه ومن الغرب الكراده  خارج وهي بطول لايتجاوز 3,5 كم وعرض 1 كم واصل المنطقه زراعيه كانت تزرع  فيها (اللهانه والخس والقرنابيط ) وتعود ملكيتها الى دائرة الاوقاف

اواخر الاربيعينيات من القرن الماضي قررت الاوقاف استثمار هذه الارض باسلوب (المساطحه ) اي بتأجير الارض لمة 30 سنه على ان يستثمرها المؤجر ببناء دار سكن فيها وعلى ان تعود الابنيه الى الاوقاف عند انتهاء العقد  تم تقسيم المنطقه الى 600 قطعة ارض تتراوح مساحاتها بين 700 م والى 1400 م وبعض القطع القليله وصلت مساحاتها الى 3000 م على ضفاف دجله بدأ العمران فيها اوائل الخمسينات وهي منظمه بشكل شارع وسطي بعرض 20 م و3 شوارع فرعيه بعرض 20 م وازقه بعرض 12 م تربط المنطقه مع الكراده خارج والمسبح .

 بدأت العرصات (كلمة العرصات تعني باللغه العربيه هي الارض الخاليه) بالازدهار لاسباب عديده اهمها انها ضمت النخبه من المجتمع العراقي ومن المتحررين من العادات والتقاليد الاجتماعيه ولذلك كانت تمثل عراقا صغيرا بكل طوائفه واديانه وقومياته وكانت تمتاز بالنظافه والحداثه والخدمات الممتازه قياسا بالمناطق الاخرى وفيها الكثير من الاجانب والدبلوماسيين والاطباء والمهندسين والتجار والصناعيين وكانت تحظى برعاية بلديه جيده وفيها خدمة التوصيل المجاني لبعض الامور ..

 كان شباب العرصات يختلف عن غيره للاسباب التي ذكرتها وكان ميله وتطلعاته نحو التقدم في اوربا وامريكا ويحاول ان يقلدها...

وهذا لايعني انه كان شبابا هامشيا بل كان مشارك في كل الفعاليات الوطنيه والقوميه ومتفاعل معها بقوه,, فيها نوع من الانفتاح الاجتماعي بين العوائل وبين الجنسين بالرغم من تضييق المجتمع لهذا في تلك الايام فكان العديد من الشباب من المناطق الاخرى يخشى الدخول الى العرصات خجلا من ان لايكون متوافقا في ملبسه او تصرفه او كلامه ولي في ذلك تجارب عديده مع اصدقاء رفضوا القدوم معي الى العرصات لهذه الاسباب..

 اشتهرت عرصات الهنديه في منتصف الستينيات بعد حادثه عرضيه سوف اتطرق لها والتي جعلتها قبلة الشباب فى كل عام في عيد راس السنه الميلاديه حتى وصل الامر ان تتدخل الجهات الامنيه في الموضوع لاحقا ..

كنا مجموعه من الاصدقاء لاتزيد عن 10 شباب من عوائل مختلفه ماديا ودينيا ومذهبيا وكانت العرصات تضم اكثريه مسيحيه ولم نشعر يوما باي حرج او خلاف بل كنا متعايشين بشكل يفوق التصور وكانت الفعاليات مشتركه والبيوت مفتوحه والعلاقات على احسن مايكون .

 من العوائل التي كانت في هذه المنطقه (بيت مبارك,تجار مواد غذائيه - بيت علاوي, تجار وصناعيين - بيت الخضيري,تجار وصناعيين - بيت حمره,تجار , الجميلي ,صناعيين - محمد على عبود طبيب مشهور- الحاج خليل الهنداوي,صناعي - السبتي ,مقاولون - بوتاني ,تجار - بيت رومايا ,تجار بيت بابان ,الدكتور المشهور سلوان جمال بابان- بيت الطالباني ,, حسن الطالباني عم المام جلال - بيت عاصم فليح - بيت الرسام - بيت البير - بيت الاورفلي واخرون كثير يضيق المقال بذكرهم جميعا)..وهكذا من هذه النخبه الخيره .

 كانت فعاليات الشباب متنوعه منها صيفا السفر الى لبنان وشتاءا في الدراسه وارتياد النوادي والمكتبات ومعاهد اللغات والسباحه وركوب الخيل وقيادة السيارات وغيرها وكانت اهم فعاليه هي الاحتفال بعيد راس السنه الميلادية..

واذكر في عام 1963 فازت السيده (سميرة قرمة) بلقب ملكة جمال بغداد في حفل بهيج في نادي الاوبرج في بارك السعدون وكان احتفالا لكل الشباب وفي العام الذي يلي 1964 وفي عيد راس السنه (ليلة 31 12 على 11 1965 ) اقامت الملكه سميره حفلا في دارها وارسلت خبرا للشباب بانهم غير مدعوين الا من كان بصحبة فتاة (كبل) وتعرفون ان هذا شرط تعجيزي في تلك الايام واصابتنا الحيرة  واثناء جلوسنا عند الحلاق (انترانيك) دخل علينا احد الاصدقاء (فاروق) وهو صاحب مطعم الافريقي مقابل سينما سميراميس وهو شاب اشقر جميل المحيا وهو من الاخوه المسيحيين فراودتنا فكره ان نجعله يمثل دور فتاة وفعلا وافق واجريت له المكياجات الازمه وتهيأنا وكانت العاده ان نرتدي نحن  اقنعه ودخلنا نحن 4 مع فتاة واحده (تقليد ) ونجحنا في الدخول على اساس اننا ضيوف من منطقه اخرى ولكن افتضح امرنا عندما تناول احدنا المشروب واضطر لرفع القناع وعند ذلك  صرخت احدى الفتيات (هؤلاء شباب العرصات!!) خرجنا على اثر ذلك الى الشارع وكانت الساعه تقارب الواحد ليلا وتجمهرنا في وسط المنطقه وتوقفت بعض السيارات العائده من الاحتفالات وترجل منها بعض الشباب والصبايا حتى اصبحنا مجموعه وشاءت الصدف ان تقف سياره (فان) فيها فرقه موسيقيه والاتها وتم انزال الالات الى الشارع وبدأ العزف وبعض الفتيات نزلن ورقص الجميع حتى اصبحت جمهورا كبيرا واستمر هذا الحال حتى الرابعه فجرا ..

 بعد ذلك شاع الخبر في كل بغداد واصبح تقليدا سنويا يؤديه الشباب الى سنين متتاليه حتى الت الى من هم اصغر منا سنا وباشكال مختلفه حيث يحضر التقليد مئات من الشباب من جميع مناطق بغداد وفي بداية السبعينات لم يكن هناك احد يؤدي التقليد والشباب يتقاطر على المنطقه من كل انحاء بغداد وعندما لم يجدوا شيئا والمنطقه خاليه هاجموا المحلات ورموا البيوت بالزجاجات الفارغه واضطرت الشرطه الى تفريقهم واعتقال البعض منهم ..

الحقيقه سقت هذه الحادثه لكي ابين لشبابنا مقدار الحريه والتالف والانفتاح بين الاصدقاء والشباب والتي فقدتها الاجيال الاحقه لاسباب لامجال لذكرها في هذه المقالة.

 ظلت العرصات محط انظار النخبه من المجتمع العراقي فسكنها الكثير من المسؤولين مثل (سعدون شاكر , المرحوم صباح مرزا , السيد طارق عزيز , سمير الشيخلي وقبلهم جمال بابان وزير , ايهم التك وزير , عبد الامير علاوي وزير واخرين )

 العرصات اليوم .. تسر العدو وتحزن الصديق وهي عباره عن مجموعه من المحلات والمخازن واشخاص لاتعرف لهم لون او طعم او شكل ومجموعات سكنت بعد ان جائت من واقع ريفي وقروي اغتنت بسبب الاحداث اشترت احسن البيوت وترى ا ليوم فيها من كان يخجل ان يدخلها بالامس هو سيدها ويعبث فيها وياليت ان يكونوا كما كنا بل على العكس يقومون بتخريبها وكثيرا من الاحيان اتحاشا المرور بها واتجنبها من طريق اخر لكي لايرتفع الضغط وابدأ بالانفعال,, تلك المنطقه التي كانت زهرة بغداد عندما لم تكن المنصور موجوده ولا الجادريه ولاالحارثيه ولا شارع الاميرات وكانت الكراده عباره عن منازل صامته لاحركه فيها وكانت هي وحدها قبلة الزوار ويتفاخر بها البغداديون ..

 كانت تصلنا قناني الحليب والصمون الى الدار يوميا وكان الغاز السائل يصلنا بعد نداء هاتفي الى الشركه مع ذكر رقم الاشتراك فقط حيث تتم عملية تبديل القنينه من قبل العامل (125 فلس) وكذلك الحال مع منتجات الالبان والمشروبات الغازيه ومطاعم الخدمه الى البيت والاسواق التي توصل المواد حسب الطلب الى المنازل ,كانت نموذج ما كان في اوربا وبدلا من استثمارها كتجربه تعمم على المناطق الاخرى تم تخريبها كما هو حال معظم مناطق بغداد .ارجوا  ان لايعتقد الاخوان القراء ان الشباب في العرصات كان منصرفا الى اللهو بل على العكس كان متفاعلا مع جميع القضايا الوطنية والقومية

Comments are now closed for this entry