جنيف: وصفة متكررة للفشل - سلام السعدي

المتواجدون الأن

70 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

جنيف: وصفة متكررة للفشل - سلام السعدي

 

كما كان الحال مع المؤتمرات السابقة تتجه النسخة الرابعة من مؤتمر جنيف الذي تنظمه الأمم المتحدة للوصول إلى طريق مسدود. اللافت في الأمر أن جميع المؤتمرات السابقة، ورغم تبدّل الظروف في كل مرة، رافقتها أجواء متشابهة إلى حد التطابق: تفاؤل عام بإمكانية تحقيق اختراق ومماطلة النظام وعجز المعارضة وسلبية الراعي الدولي والإقليمي وفشل المؤتمر.

الأكثر غرابة هو فشل تلك المؤتمرات حتى قبل الدخول في أي نقاش سياسي أو عملية تفاوض.

في كل مرة يجري التشويش على النقاش السياسي بتركيز النقاشات حول تكوين وطبيعة وفد المعارضة، أو حول جدول الأعمال وأولويات بنوده. قضايا من المفترض أن يتم التوصل إلى تفاهمات حولها قبل التوجه إلى جنيف. بهذا المعنى كان مجرد بدء عمليه التفاوض وليس التوصل إلى نتائج، محكوما بالفشل في كل مرة. يمثل ذلك لامبالاة مرعبة وقاسية لمصير الملايين من السوريين الذين ينتظرون حلا جزئيا لمعاناتهم المستمرة منذ ست سنوات.

في النسخة الحالية للمؤتمر نجح المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا ومن ورائه روسيا وتركيا، في بذل مجهود أكبر على مستوى تنظيم محددات جلسات التفاوض. وكان ذلك مقدمة لإمكانية حصول نقاش جدي يؤول إلى نتائج ملموسة. ومع وجود توافق تركي – روسي مفترض، سادت أجواء التفاؤل المعتاد.

مع بداية أعمال المؤتمر سيطرت علامات التوتر على النظام السوري كما يحدث دوما. إذ يجد النظام نفسه في موقع غير مريح وغير مألوف، تدفعه فيه الجهات الدولية والإقليمية للبحث في”الانتقال السياسي”. تعبير ينظر إليه النظام بعداء شديد باعتباره مطابقا لمطلب تفكيك نفسه. لذا لا يمكن توقع أن ينخرط نظام بشار الأسد في نقاش قضايا تؤدي إلى زواله. بل يتوقع أن يعاود المماطلة ويخوض حربا خطابية مع المعارضة للتخلص من عبء المسار السياسي.

 

ويتكرر السيناريو المعروف في كل مؤتمر، فبعد أيام من انطلاقه تتواصل مماطلة النظام التي تمنع حدوث أي تقدم يذكر أو حتى أي اجتماع جدي، وتعود أجواء التشاؤم لتخيّم على الجميع. ويتضح مجددا أن الشعور الذي راود البعض قبل المؤتمر، بأن الضغوط الروسية على النظام أصبحت جدية وأنها ستؤدي إلى الدفع باتجاه التسوية، كان مجرد سراب.

التشكيك الروسي الذي حدث قبل يومين في قدرة المعارضة السورية على التفاوض، وبأنها تعطل المفاوضات، بات ثيمة متكررة في كل المؤتمرات. فبعد نحو أسبوع من رفض النظـام منـاقشة أي ملف سيـاسي يظهر هذا التصريح الروسي الذي صار يعتبـر تمهيدا لإعـلان فشل المفـاوضات. ومعـه يعود التساؤل حول حقيقة وجود اتفاق إقليمي – دولي يخص التسوية السياسية. وفي المؤتمرات السابقة كان يبدو أن هناك اتفاقا روسيا – أميركيا سوف يجري فرضه على طـرفي الصراع عند عقد المؤتمر. وقبل المؤتمر الحالي بدا أن اتفاقا تركيا روسيا إيرانيا ينتظر التوقيع الحتمي في جنيف.

المعطيات الحالية لسير المؤتمر تدفع إلى التشكيك في وجود مثل ذلك الاتفاق وترجّح الفشل من جديد. والحال أنه يبدو غريبا جدا أن يتم جمع طرفين يتحاربان منذ ستة أعوام في صراع بات إقليميا ودوليا بامتياز، ويمسك أحدهما بالسلطة بحماية جيش جرار وقوى دولية وإقليمية طائفية، لتتم مطالبتهما بالاتفاق حول إنهاء الحرب بالحوار. هذه وصفة للفشل تتكرر في كل مرة.

ويبقى السؤال، ما الذي يدفع الرعاة الإقليميين والدوليين إلى عقد أربعة مؤتمرات مصيرية إذا كانوا سيمتنعون مرة بعد أخرى عن بذل أي مجهود كاف يؤدي إلى نجاحه أو إلى تحقيق بعض التقدم؟

ربما كانت روسيا هي من يشجع، دوما، على عقد مثل تلك المؤتمرات عن طريق إعطاء إشارات بأن النظام بات جاهزا لتقاسم السلطة. في المؤتمرات الثلاثة الأولى كانت روسيا معنية بإعادة إضفاء نوع من الشرعية على نظام الأسد. إذ كان النهج السياسي الدولي يقوم على نزع الشرعية عن النظام ورفض وجوده في مستقبل سوريا. أما اليوم فقد تبدّل المزاج الدولي والإقليمي وصار الجميع يقر بدرجة أو بأخرى بأن جزءا كبيرا من النظام مستمر في مستقبل البلاد، فما هو الهدف الروسي؟

في خضم المؤتمرات الضائعة والمماطلة السياسية كان الرهان الروسي دوما على استمرار تغيير مجريات المعركة على الأرض، وهو ما أثبت نجاحا باهرا خلال الأعوام الثلاثة الماضية. والحال أنه من المنطقي أن تتمسك روسيا اليوم بهذا النهج مع تراجع قدرات المعارضة وتعرضها لما يشبه الهزيمة العسكرية.

لا شك أن روسيا باتت أكثر قدرة على التأثير على النظـام السوري، كمـا أنهـا تتطلع إلى حل سياسي ما يمنع استنزاف قواتها في سوريا. ولكنها غير مستعدة للقبول بأي حل بعد كل التطورات العسكرية لصالحها. صحيح أنها لم تحقق نصرا عسكريا ناجزا في سوريا، ولكن المعارضة السورية منيت بالهزيمة. والحل، وفق المنظور الروسي، يجب أن يكون تجسيدا لهذه المعادلة.

Comments are now closed for this entry