متى أصبح المصريون فقراء جداً؟ - شريف أيمن

المتواجدون الأن

98 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

متى أصبح المصريون فقراء جداً؟ - شريف أيمن

قال الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في مؤتمر الشباب في محافظة أسوان في صعيد مصر (28 يناير/ كانون الثاني 2017) بحدة وبأداء تمثيلي باهت: "أهل الشر بيقولوا خلي بالك، ده مش سائل فيك، خلي بالك ده مبيأكلكش خلي بالك ده مبيعلمكش، بس مقالكش خلي بالك إن أنت فقير أوي، لأ ياريت حد يقول لكم إن إحنا فقرا أوي.. إحنا فقرا أوي"، فإذا كان رأس السلطة التنفيذية في مصر تطوّع مشكورا لإخبارنا بالمرض، كما بيّن لاحقا، فتتطوع السطور التالية لتخبره أن إدارته البلاد أحد أسباب إفقار المصريين، وفقا للأرقام الرسمية الصادرة من دواوين حكمه.
(1)
بيّنت النشرة المعلوماتية للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لشهر يناير/ كانون الثاني 2017، زيادة أسعار أهم السلع الغذائية من ديسمبر/ كانون الأول 2015 إلى الشهر نفسه في 2016 بنسب كبيرة، فزاد سعر القمح بنسبة 54.3%، وزاد سعر اللحوم الطازجة بنسبة 27.5%، وزاد سعر الدجاج بنسبة 18.5%، وزاد سعر الزيت بنسبة 62%، وزاد سعر الجنيه وغرام الذهب عيار 18 بالنسبة نفسها 79.6%. كما بلغ معدل تضخم أسعار المستهلكين في يناير/ كانون الثاني الفائت 29.6%، وكان المعدل10.7% في الشهر نفسه عام 2016، في حين زاد معدل التضخم، وفقا لأسعار المنتجين من -1.9% في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 إلى 21% من الشهر نفسه عام 2016، والتضخم يعني معدل زيادة الأسعار خلال فترتين مختلفتين، وهو مؤشر على انخفاض قيمة عملة البلد، كما ارتفع العجز الكلي من يوليو/ تموز إلى أكتوبر/ تشرين الأول عام 2016 من 67.5 مليار جنيه إلى 107.3 مليارات جنيه بنسبة 58.9% في خلال تلك الأشهر فقط.
وفقا لتلك الأرقام "الرسمية"، يعاني الاقتصاد من تغيرات سريعة وقفزات كبيرة في الأسعار،

سببت تدهورا كبيرا في المستوى المعيشي للأفراد. صحيح أن الضغوط المعيشية كانت موجودة قبل الثورة، لكنها لم تكن بهذا الحجم من الأعباء، ولا بهذا التدهور السريع الذي يشير إلى فشل كامل في إدارة الدولة.
يقترن مع هذا التزايد في الأسعار اعتماد الحكومة، بشكل أساسي، في إيراداتها على الضرائب التي بلغت 68% من إيرادات الدولة من يوليو/ تموز إلى أكتوبر/ تشرين الأول 2016، تلك النسبة التي جاوزت ثلثي إيرادات الدولة، تتم جبايتها من المواطنين الكادحين الذين يعانون من عدم قيام الحكومة بواجبها في ضبط الأسواق من جهة، وقيامها كذلك بزيادة الضغوط بفرض مزيد من الضرائب من جهة أخرى، وتأتي التصريحات الرسمية مهاجمة للمجتمع الذي يستهلك بشراهة، أو ينجب بكثرة، مع اتهام متكرّر بأن الشعب متكاسل، ولا ينتج، في حين أن الإشكال يبدو في عدم رشد جهة الإنفاق للموارد، بما يرفع كفاءة الإنتاجية، وبما يستثمر في التعليم الأكاديمي والمهني، لتدخل الدولة في أهم الاقتصاديات (اقتصاد المعرفة).
(2)
على صعيد العمل، صدر بيان عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 15/ 2/ 2017، ليعلن فيه نتائج بحث القوى العاملة للربع الرابع لعام 2016 (أكتوبر/ تشرين الأول - ديسمبر/ كانون الأول)، ببلوغ معدل البطالة 12.4% من إجمالي قوة العمل البالغة 29.070 مليون فرد، وهو الرقم الذي يشمل المشتغلين والمتعطلين، ويبلغ عدد المتعطلين 3.591 ملايين فرد، وتبلغ نسبة الشباب 79.1% من إجمالي المتعطلين، كما أن 88.4% من المتعطلين من حملة المؤهلات، منهم 30.6% من حملة المؤهلات الجامعية وما فوقها، والبقية من حملة المؤهلات المتوسطة وما فوق المتوسطة، وهذه النسب الكبيرة في أوساط الشباب والمتعلمين هي المعبّر الحقيقي عن وضع الشباب، ولا يعبر عنهم مجرد تسمية عام "كبيس" باسمهم.
يجدر، في هذا المقام، ذكر بعض أحوال التعليم، إلحاقا بأحوال المشتغلين منهم، فالمثبت في كتاب الإحصاء السنوي لعام 2016 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، أن عدد الفصول لطلاب المرحلة الابتدائية "في التعليم العام" بلغ 231 ألف فصل في العام الدراسي 2014/ 2015، بينما هي 107.9 آلاف فصل في المرحلة الإعدادية، و39 ألف فصل في المرحلة الثانوية للعام الدراسي نفسه. وهذا الفارق الكبير بين أعداد الفصول، مع ملاحظة تقارب نسبة كثافة الفصول، مؤشر شديد الدلالة على حجم التسرب من التعليم في المراحل التي تلي الابتدائية، ومؤشر الناجحين في التعليم العام يعضد ذلك المؤشر، إذ ذكر الكتاب أن الناجحين في العام الدراسي نفسه لتلك المراحل على الترتيب كان متجاوزا لمليون وأربعمئة ألف، ثم تجاوز المليون ومئتي ألف، وأخيرا تجاوز الأربعمئة ألف، بما يقرب من مليون طالب، إما تسربوا من التعليم، أو تحولوا إلى التعليم الفني.
تلك الحالية المزرية للتعليم أحد مؤشرات التنمية في أي بلد يتم تقييمه من حيث التقدم والتأخر، وهناك فرقٌ بين التقييم على أساس النمو الاقتصادي أو التنمية التي تجعل التقييم على أساس

الدخل والتعليم والصحة. وفي مصر، يتم ذكر مؤشرات النمو "الناتج العام الإجمالي" الذي يدخل فيه كل مصروفات الدولة، بما فيها إنشاء السجون والنفقات الأمنية وشراء السلاح، فيبدو الرقم كبيرا، في حين تتم تلك الزيادات في ظل حالةٍ علميةٍ وصحية شديدة السوء، بالإضافة إلى عدم العدالة في توزيع الثروات، ولتلك الثقافة نظرية مصكوكة لصاحبها الذي قال: "يعمل إيه التعليم في وطن ضايع"، أما أهل المعرفة والإدراك فيقولون إن التعليم ينتشل الوطن من ضياعه ويجعله قويا.
في مقابل الأرقام السلبية للاقتصاد، تأتي بنود ارتفعت إيراداتها، كالسكة الحديد التي أصبحت 143.1 مليون جنيه في ديسمبر/ كانون الأول لعام 2016، بعدما كانت 123.8 مليون جنيه في الشهر نفسه لعام 2015. ومن أسباب ارتفاع الإيرادات زيادة عدد الركاب في الفترتين نفسيهما من 13.4 مليون راكب إلى 20.9 مليون راكب. وهذه الزيادة التي ساهم فيها المواطنون لم تقابَل بأي اهتمام حكومي، إذ زادت حوادث القطارات لتصبح 102 حادثة حتى نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، بدلا من 86 حادثة في المدة نفسها لعام 2015، إذًا الرسالة الرسمية: زيادة الإيرادات لا تعني تطويرا في الخدمات.
(3)
يتجه الخطاب الرسمي لمعالجة الأزمات المتلاحقة، بكل أطرافه وأجنحته، إلى مطالبة المجتمع بالصبر وإخراج المال للدولة، واستجاب مصريون كثيرون لتلك المطالب بشراء سندات مشروع تفريعة قناة السويس، وأنفقوا من مدخراتهم أكثر من 60 مليار جنيه (ما يوازي 8 مليارات دولار في ذلك الوقت)، وكانت النتيجة عدم تحقيق المشروع زيادات مالية، كما روّج السيسي ومعه أذرعه، كما وجد الشارع أن دعوات التقشف والتأكيد على فقر الدولة يوازيها بذخٌ رئاسي على الحفلات والمؤتمرات التي لا طائل منها سوى الظهور الإعلامي لرأس النظام، فعلى سبيل المثال كلّفت احتفالية التفريعة 30 مليون دولار، وتم استخدام 15% من الذهب المخصص للعملات التذكارية لإهدائه لضيوف الحفل، وبلغ البذخ الرئاسي مواكب السير إلى درجة تخصيص ممشى من السجاد الأحمر لسيارة الرئاسة، ناهيك عن نفقات التأمين المصاحبة كل التحركات الرئاسية والحكومية، فضلا عن مطالبة الحكومة البرلمان في يناير/ كانون الثاني الفائت بزيادة مرتبات الوزراء ونوابهم، في حين أنها ترفض مطالبات زيادة الرواتب للموظفين العموميين الأقل درجة وظيفيا في ظل الزيادات المتلاحقة للأسعار.
ولم يكن أعضاء مجلس النواب أفضل حالا من قيادات الجهاز الإداري للدولة، فرئيس المجلس اشترى ثلاث سيارات بقيمة 18 مليون جنيه، وأنفق المجلس في الأشهر الستة الأولى فقط من عمله مصروفاتٍ تجاوزت 770 مليون جنيه مصري، منها أكثر من نصف مليار جنيه أجور وتعويضات، والباقي سلع وخدمات، أما ميزانية رئاسة الجمهورية في السنة المالية 2016/ 2017 فبلغت 406.6 ملايين جنيه.

(4)
هذا الوضع الاقتصادي المتأزم في مصر يراوغ معه النظامُ البسطاءَ، ويوهمهم أن ما يحدث

سيكون لمرحلة وجيزة، وأن ضريبة الرخاء تحتاج تقشفا في البداية، وأن "أهل الشر" لا يريدون للوطن خيرا، ولهذا نحن مأزومون، لكن نظرة إلى مستقبل الوضع الاقتصادي تقول إن المعاناة ستكون أشد، ولا توجد ثقة في فاعلية حلول النظام، حتى نبلغ 2021 التي يفترض أنها بداية ظهور الآثار الإيجابية لبرنامج "الإصلاح الاقتصادي". لكن، ماذا عن الأجل المنظور؟
• 
نشر البنك الدولي وثيقة في ديسمبر/ كانون الأول 2015 عن برنامج "الإصلاح الاقتصادي" في مصر (2014- 2018) الذي وافقت بموجبه على إقراض مصر مليار دولار، ويهدف البرنامج إلى خفض فاتورة أجور موظفي الحكومة من 8.2% إلى 7.5% من الناتج المحلي، وتخفيض فاتورة دعم الطاقة من 6.6% إلى 3.3% في 2016، وتقليص الحصة السوقية لشركات الطاقة الحكومية من 92% إلى 85%، وزيادة متوسط تعريفة الكهرباء على جميع فئات المستهلكين.
• 
يتوقع صندوق النقد الدولي أن يرتفع الدين الخارجي لمصر إلى 66 مليار دولار بنهاية العام المالي الجاري 2016/ 2017. وأشارت بيانات البنك المركزي إلى بلوغه 60 مليارا في أول ثلاثة أشهر فقط من العام المالي. ويتوقع الصندوق أن ترتفع ديون مصر الخارجية إلى 102.4 مليار دولار في عام 2020/ 2021 بعد الانتهاء من برنامج "الإصلاح الاقتصادي" المخطط له حتى السنة المالية 2019/ 2020.
المحصّلة أن هناك خفضا في بند الأجور، سيوازيه خفض في بند الدعم، وأن هناك ارتفاعا في الدين الخارجي كذلك، وخصخصةً في قطاع الطاقة، ويجري ذلك كله من دون إجراءات حماية اجتماعية، تقي المجتمع من عنف الهزات الاقتصادية، كما جرى عقب قرارات 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، من تحرير سعر الصرف، ورفع أسعار الوقود، وتبني نظام القيمة المضافة ضريبيا، ولا تزال أسعار السلع الغذائية في ارتفاع شديد، والمحصلة أننا أمام فشلٍ كاملٍ، يتضرّر منه الوطن بأكمله، مع كل لحظةٍ يبقى فيها ذلك النظام.
ما تتعمد جماعة الحكم في مصر تجاهله بامتداد جذورها السياسية على مدار عشرات العقود، أنه لا يمكن حدوث تقدم اقتصادي، في ظل ركود سياسي، فضلا عن أن الحالة السياسية المصرية في تدهور مستمر، وليست في حالة ركود فقط، والاقتصاد يسير على خطوط متوازية مع السياسة وحيوية المجتمع وترابطه، وما فعلته نظم ما قبل ثورة يناير، وما بعد الانقلاب، أنها قامت بتفسيخ الروابط الاجتماعية والسماح للانقسام السياسي، ومن ثّمّ الاجتماعي، بالتشظّي، مع فارق أن النظام الحالي لم تكن لديه خطوط حمراء، ثم يمّمَ وجهه صوب المؤسسات المهمة بالإغداق عليها ماليا، لضمان ولائها مع عدم اكتراث بمعيشة البسطاء الذين دعموه، وخطاب دائم عن فقر الدولة وعدم إنتاج المواطنين.
وعلى خطٍّ موازٍ للانتقائية في توزيع الدخول والتشظي الاجتماعي والسياسي، أغلق عبد الفتاح السيسي كامل المجال العام، ولم يعد يقبل أي مناقشةٍ لما يطرحه، كما يبدو في لقاءاته العلنية، من أمر بالسكوت والإنصات لما يقوله هو وحده، كما تقوم أجهزته بعمليات تعذيب وقتل غير مسبوقة، وتتجاهل، في الوقت نفسه، إشكالات أمنية، أدت إلى فشل نراه في حوادث العنف، سواء الموجهة ضد قيادات الأجهزة، أو رموز الدولة، وكذلك الموجهة ضد المواطنين بشكل عام، ما يزيد من الاحتقان بشكل عام، ورفع كلفة انفجار الشارع.
إشكال الكبت السياسي مع التدهور الاقتصادي، أنه يحول المجتمع إلى بقع من الزيت، تنتظر لحظة اجتماعها سوية لتشتعل، ولن تجدي القبضة الحديدية في إسكات المجتمع طوال الوقت. ويبدو تزايد حالة التململ من الأداء الاقتصادي والوعود الكاذبة في تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، أو ظهور تقارير متلفزة ساخطة، على الرغم من خضوعها لرقابة صارمة، أو خروج مظاهرات عفوية، كتظاهرات الخبز التي جرت منذ أيام.
درس 25 يناير/ كانون الثاني 2011 الأهم أن الثورة كانت اقتصادية، وإنْ تزيّت بألف رداء سياسي، والمطلب السياسي فيها كان ظهيرا للغاية الاقتصادية. وتصر النظم العسكرية المصرية على عدم فهم ذلك، لوجود السلاح في يديها. والشارع، عندما تخور قوى تحمّله، سيخرج ثانيةَ لإعطاء الدرس ولكن بحزم أشد.

Comments are now closed for this entry