محمود درويش في أنفاق لندن - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

97 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الأكثر قراة

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

محمود درويش في أنفاق لندن - صبحي حديدي

كانت مصادفة بهيجة، أثلجت صدري (أو لعلها هكذا، لكي أشطح قليلاً نحو الاستعارة: أثلجت، في صدري).
وكانت، أيضاً، للمفارقة، صانعة أسباب متجددة لحزن قديم، مقيم في أغوار النفس منذ 9 آب (أغسطس) 2008.
والحكاية بدأت عندما كنت، قبل أيام معدودات، أستقلّ مترو العاصمة البريطانية لندن (أو «قطار الأنفاق»، كما يسمّونه هنا)، حين التقيت بشعر محمود درويش، مثبتاً على الجزء الأعلى من جدار العربة، باللغة الإنكليزية (ترجمة ريما حمامي وجون بيرجر) تحت عنوان «خضراء أرض قصيدتي»: «خضراء، أَرض قصيدتي خضراء، عالية/ على مَهَلٍ أُدوّنها، على مهل، على/ وزن النوارس في كتاب الماءِ. أَكتبها/ وأُورِثُها لمَنْ يتساءلون: لمنْ نغنّي/ حين تنتشر الملوحة في الندى؟ / خضراء، أكتبها على نَثْر السنابل في/ كتاب الحقل، قَوَّسَها امتلاءٌ شاحبٌ/ فيها وفيَّ. وكلّما صادقتُ أو/ آخَيتُ سنبلة تعلمت البقاء من/ الفناء وضدَّه: أَنا حبَّة القمح/ التي ماتت لكي تَخضرّ ثانية. وفي/ موتي حياةٌ ما.”
نَشْر هذا المقطع الشعري يجري ضمن تقليد «قصائد في الأنفاق»، الذي اعتمدته شركة مواصلات لندن، تحت توقيع عمدة المدينة، منذ العام 1986، ويسعى إلى تعريف الركّاب على نماذج منتقاة من أشعار العالم، الكلاسيكية والحديثة والمعاصرة. وقد انتقل هذا التقليد إلى عواصم ومدن كبرى، هنا وهناك في العالم، بما في ذلك العاصمة الفرنسية باريس، التي اختارت درويش أيضاً، قبل سنوات. كذلك أصدرت شركة مواصلات لندن أنطولوجيا شعرية ضمّت قرابة 500 قصيدة، سبق أن وُضعت في عربات المترو المختلفة، على امتداد ثلاثة عقود تقريباً.
هذا سبب البهجة، وأمّا باعث الحزن فهو مصادفة عجيبة بدورها (بعد الأولى، التي قادتني إلى شعر الراحل في مترو لندني، أنا المقيم في باريس): أنّ هذا اللقاء وقع قبيل أيام من عيد ميلاد درويش، الذي يصادف 13 آذار (مارس)، كما هو معروف. وبين الميلاد والرحيل، ثمة صلة خاصة تمثلها هذه القصيدة تحديداً، «جدارية»، لأنها، بادئ ذي بدء، كُتبت بروحية «المعلّقة» المناهضة للموت، والمنحازة للحياة وللفنون استطراداً، بعد نجاح درويش في البقاء على قيد الحياة بعد عملية القلب الثانية في باريس، 1998. والذين شهدوه يومذاك يموت سريرياً، بالمعنى الطبي والتقني المحض للتعبير، ثمّ أبصروا كيف «قام»، وأنجز «انتفاضة» على جسده، كما عبّر جرّاحه الفرنسي… يدركون مقدار العنفوان، الإبداعي والإنساني، الذي هيمن على مزاجه وهو يكتب «جدارية». هي، في المقام الثاني، أطول قصائد الراحل حجماً (قرابة 1000 سطر)، وأشدّها توغلاً في الأعماق الشعورية، وأكثرها تفلسفاً حول الوجود والعدم، والخلود والفناء، في غمرة سلسلة أخاذة من التناظرات الملحمية والغنائية في آن معاً.
ولعلّي أفتح قوساً هنا، لكي أنصف المغرب، البلد الذي أحبّه درويش، وظلت قراءة الشعر في أرجائه غواية شخصية طاغية عنده (سبق أن عبّر عنها صراحة، حين وصف مسرح محمد الخامس، في الرباط، هكذا: «هذا المسرح يحتلّ مكانة خاصة في مزاجي الشعري»). وحين نُشرت «جدارية»، سنة 2000، تساءل درويش عمّا إذا كانت قراءتها كاملة، في أمسية شعرية واحدة متصلة، أمراً ممكناً عملياً، ثمّ قرّر، بعد مداولات مع بعض أصدقائه، ومع طبيب قلب أخصائي، أنه إذا لم يقرأها كاملة في المغرب أوّلاً، فإنه لن يقرأها كاملة في أيّ مكان!
لعلّي، في مقام آخر، أبوح بسرّ «فنّي» يخصّ هذه القصيدة تحديداً، وهو أنها ـ في عداد كلّ ما أتيح لي أن أقرأه من مخطوطات درويش قبيل النشر، منذ عام 1990 وحتى رحيل الشاعر ـ النصّ الذي خضع لأكبر قدر من «تصحيحات ربع الساعة الأخير»، إذا جاز لي القول. على سبيل المثال، أذكر أنّ خاتمة القصيدة، في المسوّدة الأولــى، كانت تسير هكذا: «هذا البحر لي/ هذا الهواء الرطب لي/ واسمي على التابوت لي/ إلى آخره/ إلى آخره/ إلى آخره…»، ثمّ تبدّلت ثلاث مرّات، حتى انتهت إلى الصيغة البديعة التالية: «هذا البحر لي/ هذا الهواء الرطب لي/ واسمي/ وإنْ أخطأتُ لفظ اسمي على التابوت/ لي. أمّا أنا ـ وقد امتلأتُ/ بكلّ أسباب الرحيل/ فلستُ لي/ أنا لستُ لي/ أنا لستُ لي».
لم يكن درويش لنفسه، إذن، أو لم يكن لنفسه في المقام الأوّل، بعد أن استكمل الكثير من أسبابِ شعرية كونية رفيعة، رأت النور في الجليل الفلسطيني، وترعرعت واغتنـــــت في جغــــرافيات ومنافٍ شتى، ثمّ صارت محطّ ذائقات متباعدة ومتقاطعة في أربع رياح الأرض، ولهذا، أنّى لها ألا تبلغ… أنفاق مترو لندن!

 

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث