اردوغان والرسوب السياسي - نورالدين الجزائري

المتواجدون الأن

78 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

اردوغان والرسوب السياسي - نورالدين الجزائري

 

صحيح أن الأشياء غير المتوقعة هي التي تفاجئ وتسود، قاعدة سياسية يُتعامل معها بحذر وحنكة وبدون عفوية وإن تقاطعت الرؤى السياسة واجتمعت معًا الخطوط الدبلوماسية، فالمصالح سيّدة الجميع في السلم والحرب في هذه الحالة، والكل يناور للحفاظ على مكتسباته الاستراتيجية والجيو-سياسية، والأضعف والأقل ورقا للضغوط هو من يدفع فاتورة إخفاق الجميع عند بدء أو ظهور بوادر الطلاق السياسي والدبلوماسي.
فاعلم أيّها السياسي العربي أو المسلم بصفة عامة، فإن صنعتك الدوائر الغربية بآلياتها الديمقراطية أو أتيت فوق ظهر من ظهور دباباتها "المحررة"، أو السكوت عن انقلاب لهم فيه منفعة ومصلحة، فاعلم أنّك أصبحت من قطيع صنّاع القرار العالمي في بلدك وجوارك، فالتمكين لك هنا عير مجاني والضريبة هي خيرات بلادك وجهودك في حفظ أمنهم وسلّة غذائهم، ولا يمكن المناورة إلاّ إذا فهمت اللعبة جيدا وأتقنت أدواتها، وخرجت عن الحدود والأعراف المرسومة بأشياء غير متوقعة في حساباتهم، فمن ثمّة تكون قد بدأت صنعًا وإنجازًا فيما يخدم مشروعك الوطني أو القومي أو الإقليمي، فلا بقاء للأقوياء إلاّ بسياسة مدروسة تضرّ قبل أن تنفع، وتزرع قبل أن تحصد، وفي حساباتك سنين عجاف من العزلة والحصار والحرب الشرسة من الدبلوماسية إلى الاعلام ومرورًا بمعارضة مصنوعة مطبوخة في أروقة الاستخبارات الدولية، ترقصك رقصًا إن لم تحط بمشروعك حسابات دقيقة مدروسة لكل ما تريد الأقدام عليه من مخطط في المدى المتوسط والبعيد.
فالغرب لا يخاف من السياسي المستهلك فهم أصحاب المادة وتطويرها وتنويعها وتسويقها بحسب الظروف والأزمنة، ولا يخاف بلدا متقدما اقتصاديا لأن خراجه في بورصات وول-ستريت، ولا يخشى من ظاهره العداء وبَاطِنه خدمة له ولاستراتيجيته، وإنّما يخشى من تمرّد عليه أو من فاجأه بسياسة مغايرة وغير المتّبعة في حين غرّة من ضعف المعلومات الاستخباراتية أو من تقليل الحسابات في الظاهرة، ولك أخي المتابع ظاهرة حيّة يمكن من خلالها أن تقيس ما يجري في منطقة الشرق الاوسط وكيف لبلدين مثل تركيا وايران وكليهما تحت المنظومة الدولية، فتركيا انتهجت خط السير الديمقراطي المزعوم ونبذت معالم الطريق الصحيحة في كيفية التعامل مع مقاصد الشريعة، وايران التي انتهجت بدورها سياسة تمرّدية ولكن بحنكتها استطاعت أن تصنع لها عزَّا ومن خلالها ناورت مع صنّاع القرار العالمي وفاوضتهم من خلال برنامجها النووي، فكما أن حال القوي مع الضعيف في زمن حصار العراق النفط مقابل الغذاء، فإيران تعلَّمت الدرس وفاوضت على مشروعها القومي والاقليمي بالنووي مقابل التوسع المذهبي والطائفي في الشرق الاوسط، فمناورة ايران جاءت بعد خدمة للأسياد وكما قلت كان ظاهر الأمور عداء ولكن باطنها إعادة ترسيم منطقة الشرق الاوسط بما يخدم مصالح الأقوياء بتفاوت من حيث الخطط ونتاج الخراج.
فتركيا ناورت من خلال رؤية الغرب للمشهد السياسي وللأمن القومي، وقُبِل بأردوغان كمثال للعالم الاسلامي، ونفخوا فيه من روحهم المثالية في الاستثمار والازدهار، فمعظم بلدان المنطقة من سياسة هذه الرؤية لأبناء المنطقة، فالغرب ودائمًا مع ديبلوماسية العصا والجزرة استعمل مع تركيا سياسة الاستقرار الداخلي والقبول بـ"إسلامي" كرئيس لبلد محوري له في المنطقة مقابل الاستثمار في القواعد العسكرية على أراضيها وخاصة قاعدة انجرليك الجوية للحفاظ على أمن إسرائيل والضربات استباقية لكل من تسوّل له نفسه العبث بخيرات المنطقة خارج حسابات صنّاع القرار العالمي، فكذا استثمار الغرب في العالم العربي أمّن العروش مقابل العبث بأمن الشعوب، وهذا الذي درسته ايران وأزاحته من طريقها بمشروعها النووي، وتأكّد ذلك عبر ما يجري في كل من العراق وسورية، فإيران تجول وتصول في هذين البلدين بجيشها وميليشياتها وساعدت على احتلال بلد والإبقاء على نظام بلد آخر وهذا مالم تستطع تركيا وبحجمها الثقيل والهائل في المنطقة فعله، ورأيناها أحيانا تستجدي جنود ايران في المنطقة كالعبّادي أو بعض رؤوس التركمان في الموصل للحفاظ على بعض المكتسبات أو الطموحات ما بعد الحرب الدائرة في العراق، وكذا دورها في سورية بعد أن حدّدت خطوطا من الحمراء إلى الشفافة اليوم، وما كان تسليم حلب إلاّ لأمن حدودها واستعمال بعض المرتزقة من السوريين في حفظ أمنها القومي من الدولة الاسلامية، فعوض أن تستثمر وتساوم بعقلانية وسياسة محنّكة كان منها العجب في كل مرة بتغيير في تحالفاتها، تارة مع امريكا وتارة مع روسيا واليوم مع النظام السوري ضد من فاجأ الجميع بسياسة غير متوقعة وفي غير حسابات من بيده مفاتيح المنطقة.
فلا مكان لمن لا يحسن المناورات السياسة واليابان الاستراتيجية، فاليوم وبعد أن قضى الغرب من تركيا وطرا، فها هو طلّقها وإن لم يعلن ذلك رسمياً، فعداء الاتحاد الاوروبي لاردوغان ليس من عبث ولا يريدونه إلاّ جنديا في قاعدة انجرليك خادما لأجندته وسياسته اتّجاه المارد السني، فلم يشفع له ما قدّم من خدمة طوال كل الأزمة السورية وكيفية الحفاظ على نظام بشار باختراق الجماعات المقاتلة، ولم يشفع له في مسك الحدود لمنع الجهاديين الدخول إلى أراضي الصراع في المنطقة وقد تباها اردوغان بذلك معلنا أنه منع أكثر من خمسين ألفا من الأجانب الدخول إلى العراق وسورية واللّحاق بمقاتلي الدولة الاسلامية، فسياسته على أراضي الاتحاد الاوروبي غير مرحب بها، وهو من هو، الرجل المعتدل اسلاميا والذي أراد من خلال سياسته إظهار نفسه مودال يُحتذى به عند أبناء الأُمَّة، فالرجل باع القضية وكسب كراهية في الدوائر السياسية الغربية، فهو منبوذ في كل من المانيا والنمسا وسيويسرا واليوم هولاندا وغدا فرنسا وهكذا، فهذا مآل كل من يفتقر لأدوات الضغط المستديمة، فيا ليته تعلّم في أزقّة قمّ أو جامعات طهران حنكة السياسة والديبلوماسية، فالجزاء من جنس العمل ولا يُحترم اليوم إلاّ من خرج عن الاعراف الدولية وناور على البقاء مُحترمًا وبمشروع قومي متّزن، أو فرض نفسه بمناورات وأوراق ضغط تمسّك بها في ساعة العسر، أو كان من أصحاب الأقدام الثقيلة، فالرجل جعجعة إعلامية وكم استثمر في حب الظهور والمناورة الإعلامية، وفي العرف الديبلوماسي لا يقاس النجاح إلاّ بالرؤى البعيدة والحسابات المدروسة وأوراق الضغط الخفية ليكون لك قدم احترام عند أول إنزالك من باص السياسة الدولية ..
السلام عليكم ..

Comments are now closed for this entry