ذكرى الانتفاضة السورية: مسرح واشنطن وخشبة الجهاد - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

78 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

ذكرى الانتفاضة السورية: مسرح واشنطن وخشبة الجهاد - صبحي حديدي

لم يكن ينقص الذكرى السادسة لانتفاضة الشعب السوري ضدّ سلطة آل الأسد، نظام الاستبداد والفساد والتوريث والمزرعة العائلية؛ إلا التراشق اللفظي بين مايكل راتني، مبعوث الولايات المتحدة الخاصّ إلى سوريا، و»هيئة تحرير الشام»، أو «فتح الشام»، أو جبهة النصرة» سابقاً ولاحقاً ودائماً. طريف سياسياً، ولكن خطابياً أيضاً، أنّ راتني (الذي يُفترض أنه يفرغ أدراجه استعداداً لمغادرة منصب عيّنه فيه جون كيري، وزير الخارجية السابق)، يتباكى على «الثورة السورية» وكأنه ناطق باسم الشعب السوري؛ أو كأنه معارض سوري يقود «منصّة» جديدة، أين منها منصات القاهرة وموسكو وبيروت، فضلاً عن «المجلس الوطني» و»الائتلاف» و»هيئة التفاوض»…
تمعنوا في فقرة الاستهلال هذه، من نصّ الترجمة العربية الرسمية لبيان راتني حول «هيئة تحرير الشام»، الذي صدر بتاريخ 10 آذار (مارس) الجاري: «طالما حذرنا من غدر القاعدة في سوريا وخداعها ومحاولاتها تضليل السوريين وتضييع ثورتهم. وقد تابعنا عن كثب عندما لم يدخر أبو محمد الجولاني وعصابته جهداً من أجل النفاذ والاختباء كالطفيليات في جسد الثورة السورية ليبدأوا بعد ذلك بابتلاعها من الداخل. لقد أخفوا أنفسهم تحت طبقات من الأكاذيب، حيث ادعوا في البداية إنهم لم يأتوا إلا لـ «نصرة أهل الشام» ثم ادعوا بعد ذلك كذباً إن مهمتهم الوحيدة هي «فتح الشام» والآن في أحدث مرحلة من الخداع، يختبئون خلف شعار جديد وهو “تحرير الشام. لقد كانت هذه العصابة دائماً سبباً رئيسياً وراء عدم تمكننا نحن أصدقاء الشعب السوري من مدّ أيادينا بشكل كامل لدعم الثورة. ومع كل تبديل جديد في واجهتها، تصبح القاعدة أقل اعتماداً على الثورة التي تحاول تدميرها، وتوجه هجماتها لضرب رموز الثورة. وقد شهدنا هذه الاعتداءات مراراً وتكراراً، حتى طالت أعمالهم التدميرية الآن حركة أحرار الشام وغيرها ممن هم من أشد المدافعين عن الثورة».
مدهش، بادىء ذي بدء، أنّ راتني يستخدم تعبير «الثورة» في وصف انتفاضة الشعب السوري، منشقاً بذلك (إذا جازت حال الانشقاق هنا) عن الخطاب الرسمي للإدارة الأمريكية، السابقة والراهنة أيضاً. وليس تفصيلاً عابراً أن تنقلب سلسلة التوصيفات الغائمة التي اعتُمدت سابقاً (مثل «احتجاجات» و»تظاهرات» و»حرب أهلية» و»حرب طائفية» و»أعمال عنف»، وكانت مفردة «انتفاضة» ذروة التعبير الإيجابي في عدادها)، إلى… «ثورة»! ولأنّ السفارة الأمريكية في دمشق كانت صاحبة السبق في نشر بيان راتني، في ترجمته العربية فقط، فإنّ من المثير معرفة المفردة الإنكليزية الأصلية التي استخدمها المبعوث الخاص كمرادف للمفردة العربية.
مدهش، كذلك، أنّ صاحبنا لا يتوجع من أعمال «غدر» و»تضليل» و»تضييع»، مارستها «القاعدة» ضدّ «الثورة» السورية، فحسب؛ بل يسجّل أنّ تلك الأفعال بلغت درجة النيل من «حركة أحرار الشام» ذاتها، الأمر الذي يعني أنّ راتني يضع هذه الحركة الأخيرة ضمن «رموز الثورة»، ويُخرجها من تصنيف «العصابة»، وفئة «المجرمين المصممين على جلب الدمار إلى سوريا والسير بالمعارضة السورية إلى الانتحار». كذلك يقرر راتني أنّ «هيئة فتح الشام» كانت على الدوام سبباً رئيسياً في إعاقة «أصدقاء الشعب السوري» عن توفير الدعم الكامل لـ»الثورة»؛ وكأنّ أولئك «الأصدقاء» كانوا، قبل صعود «النصرة» قد خرقوا الأرض وبلغوا الجبال طولاً في مساندة «الثورة». أو، في المقابل، كأنّ «أحرار الشام» ليست اليوم القوّة الأبرز، عدداً وعدّة، على الساحة الجهادية السورية؛ ومن الصعب إطلاق صفة «الاعتدال» على ممارساتها وبرامجها العقائدية.
مفيد، مع ذلك، أن يذهب المرء أبعد من الطرافة والدهشة، ويضع بيان راتني الأخير في سياق متكامل يُدرج بيانات ورسائل سابقة وجهها إلى أطراف مختلفة في المعارضة، سياسية وعسكرية على حدّ سواء (الأشهر، في هذا الصدد، قد تكون رسالة أيلول/ سبتمبر 2016، التي خاطبت الفصائل مباشرة دون أدنى اكتراث بمؤسسة «الائتلاف»). وعند إجراء كهذا، يلتمس السياق وليس الحالة المنفردة، فإنّ «أداء» راتني (والأمر، في نهاية المطاف، لا ينأى كثيراً عن طبائع المسرح السياسي)، لا يتجاوز التنويع الأسلوبي على خيارات مركزية لم تبتعد عنها إدارة باراك أوباما، في رئاستَيْه معاً؛ ولا يلوح، حتى إشعار آخر، أنّ إدارة دونالد ترامب تعتزم استبدالها، أو تعديلها على أيّ نحو جذري.
ولأنّ المسرح يقود إلى المسرح، فللمرء ذاته أن يستعيد واقعة أخرى، على صلة وثيقة بتنويعات راتني الراهنة؛ أي زيارة روبرت فورد، آخر سفير أمريكي لدى النظام السوري، إلى مدينة حماة، مطلع تموز (يوليو) 2011، وتحديداً حين كانت المدينة تستعد للتظاهر بعشرات الآلاف، في جمعة «لا حوار». وللتذكير، مجدداً، تلك كانت واقعة تستحقّ مكانة خاصة في سجلّ العلاقات بين الولايات المتحدة ونظام «الحركة التصحيحية»؛ على امتداد 30 سنة من حكم حافظ الأسد، و11 سنة من حكم وريثه بشار الأسد. مكانة دراماتيكية، كما يتوجب القول، ليس بمعنى أنها دشنت أيّ تبدّل حاسم ونوعي طرأ على مسارات تلك العلاقة (وهي، بالفعل، سلسلة مسارات متغايرة، ولم تكن متجانسة على الدوام)؛ بل بمعنى الدراما التي استدعت المسرح والمسرحة: كلٌّ على خشبته، في واشنطن ودمشق على حدّ سواء؛ وكلٌّ على طرائقه، واستناداً إلى ما أراد إرساله من إشارات.
يومذاك لم تكن «النصرة»، ولا «أحرار الشام»، ولا «داعش»، ولا أيّ فصيل جهادي، في قلب تلك التظاهرات التي عمّت سوريا، من درعا إلى اللاذقية، ومن دير الزور إلى حماة، ومن الرقة إلى دمشق. ويومذاك، كانت شعارات الحرية والكرامة والشعب السوري الواحد، والسلمية، والوحدة الوطنية، ورفض الطائفية؛ فضلاً عن الورد الجوري، الذي كان الشهيد الشاب غياث مطر يرميه على عناصر الفرقة الرابعة… هي شعارات الانتفاضة، وبرامجها، وعقائدها. فماذا كانت واشنطن تقول، يومذاك؟ هيلاري كلنتون، وزيرة الخارجية، قالت إنّ الأسد «فقد الشرعية لفشله في تحقيق وعود بإجراء إصلاحات»؛ ورئيسها، أوباما أكمل أنّ الأسد «فقد شرعيته. وقد ضيّع الفرصة تلو الفرصة لتقديم جدول أعمال حقيقي للإصلاح». وفي التصريحين، كما في حقيقة الموقف، كانت الإدارة تضبط مفرداتها عند المعدّل الذي ما يزال يمثّل خطّ واشنطن تجاه النظام السوري، في الطور ذاك، و… حتى اليوم!
خارج السلوك الرسمي للإدارة، وخلال الأشهر القليلة التي سبقت الانتفاضة، كانت وسائل إعلام أمريكية تتسابق على تجميل سحنة النظام السوري، وإسباغ الألق على هذا «الحاكم الشاب»، «طبيب العيون»، «خرّيج المشافي البريطانية»؛ وعلى عقيلته «الأنيقة»، «صاحبة الابتسامة الرقيقة»، «وردة الصحراء» التي ترعرعت في بريطانيا… عدوى الإعجاب هذه انتقلت من الصحافيين والساسة والخبراء، إلى أناس يصعب أن ينتظرهم المرء في هذا المقام، كما جرى في أواخر العام 2009 حين كانت الطائرة الخاصة للمخرج الأمريكي الشهير فرنسيس فورد كوبولا قد مُنعت من الهبوط في مطار بيروت، تنفيذاً لبنود مقاطعة إسرائيل؛ لكن الأسد سمح لها بأن تهبط في دمشق، ثمّ انتقل كوبولا بعدها إلى بيروت في طائرة أخرى، ليس قبل وليمة رئاسية دافئة، اقتضت منه مديح «الرؤيا» التي يحملها الأسد عن سوريا!
بيد أنّ الذكرى السادسة للانتفاضة، مثل الذكرى الأولى لها، ظلت تتيح سلسلة تنويعات في أخشاب المسرح المتماثل، وتصنّع ـ خلف الستارة وأمامها، سواء بسواء! ـ نصوصاً ركيكة، ومخرجين وممثّلين أردأ، وانحناءات نفاق شتى. مسرح لم يفلح، رغم كل شيء، في غسل الأقنعة المضرجة بدماء السوريين؛ وفشل في إجهاض سنّة الحياة، وخطّ التاريخ، وحقّ الانتفاضة في البقاء والانتصار.

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

 

Comments are now closed for this entry