ديريك ولكوت: غناء الماضي وملحمة الحاضر - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

144 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

ديريك ولكوت: غناء الماضي وملحمة الحاضر - صبحي حديدي

كان الشاعر الكاريبي ديريك ولكوت (1930 ـ 2017)، الذي غادر عالمنا قبل أيام، ثالث ثلاثة شعراء كبار، أبدعوا في اللغة الإنكليزية دون أن يحملوا الجنسية البريطانية: الإيرلندي شيموس هيني (1939 ـ 2013)، والروسي جوزيف برودسكي (1940 ـ 1996). لكنّ ولكوت كان، ويظلّ، في يقيني الشخصي، الشاعر الأكبر بين الثلاثة؛ وغير بعيد عن أن يكون أعظم شاعر كتب باللغة الإنكليزية، خلال العقود الخمسة الأخيرة.
ولد ولكوت في جزيرة سانتا لوشيا، وتفتّح وعيه على التراث الأدبي الإنكليزي، فقرأ جوزيف كونراد، و. ب. ييتس، جيمس جويس، إزرا باوند، ت. س. إليوت، وديلان توماس. لكنه، ومثل جميع أبناء الكاريبي، قرأ بالفرنسية أشعار أرتور رامبو وسان جون ـ بيرس، وبالإسبانية بابلو نيرودا وسيزار فاييخو. ولقد توجّب أن يطرح سؤالاً كبيراً، وأن يجيب عليه بنفسه: هل يعاني الكاتب الكاريبي من حصار ثقافي يفقده حصانته؟ ولكن، ألم تكن هذه حال ييتس وجويس، وبرهن الكاتبان الكبيران أنّ الثقافة الاستعمارية غير قادرة على منع ولادة أدب وطني رفيع؟
والحال أنّ عشرات الأسباب تجمعت، وتكاملت، لتجعل من ولكوت ذلك الشاعر الكبير الفذّ: الجمع بين التعقيد الحداثي والوضوح البسيط، في تسخير غنائيات الماضي وملاحم الحاضر؛ وترتيب الشكل وتقطيع القصيدة إلى وحدات درامية متوازنة، ساعده في إنجازها ذلك المراس الطويل في الكتابة المسرحية؛ والإحساس بالشكل العضوي في القصيدة (على نحو ذكّر، كثيراً، بالشاعر البريطاني كولردج)؛ والغريزة العروضية التي وضعته في موقع مدهش بين جون ملتون وجون كيتس، أو بين و. هـ. أودن وهربرت سبنسر؛ والعمارة المجازية التي دمجت المحسوس بالمجرّد، والفلسفي بالعاميّ، والرمزي بالتصويري؛ والموضوعات التي حشدت أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بأساطيرها وأغنياتها وإيقاعاتها وحكاياتها وتواريخها؛ إلى جانب هذه اللغة الإنكليزية ـ الكاريبية الفريدة التي استكشف دررها لا كما فعل شاعر إنكليزي على قيد الحياة.
وفي مجموعته الشعرية «باونتي»، وكانت الأولى بعد فوزه بجائزة نوبل للآداب عام 1992، دشّن ولكوت طوراً شعرياً جديداً، كان بمثابة حصيلة مَزْجية مركّبة استجمعت معظم أساليب الماضي على نحو خلاّق، نجح في تفادي التكرار وإعادة الإنتاج. ولقد اقترح، في تلك المجموعة الفارقة، خلاصة مركّزة لعقود طويلة من المراس الراسخ في الكتابة الشعرية.
وأكثر من أي وقت مضى، بات القارئ أمام المزيد من نماذج معادلات ولكوت في عدم التفريق بين اللغة «الشعرية» واللغة «اليومية»، من جهة؛ وعدم الهبوط بالشعر إلى مستوى «العادي»، من جهة ثانية. ومن جديد، تظهرت أكثر صورة ولكوت القياسي، إذا صحّ القول؛ أي ذاك الذي لا يبدو قادراً على رؤية الأشياء أو الإحساس بها، بمعزل عن تصويرها في مجازات كثيفة غير منتظَرة؛ وذاك الذي لا يساوم البتة حول استراتيجيته الأثيرة، في تغريب اللغة بعيداً عن أية شفافية تصريحية، وفي زجّها ـ وبالتالي زجّ القارئ والدارس ـ في أغوار سحيقة مدهشة من التجسيدات الاستعارية.
وهذه تجسيدات ظلت تتشكّل بطرائق متعددة القرائن، حتى صار من الصعب ردّها إلى أصولها الدلالية، أو تحديد طرفها اللغوي المألوف، تمهيداً لتحديد أطرافها المجازية: لزهور المارغريت كورس مؤلّف من أعواد قصب مجنّحة، وحوافّ أوراق الدفلى تخشخش مثل خناجر خضراء، وأزهار بيضاء تنشقّ عن أغصان نابتة في رأس ثور، وأبيات شعر أوجينو مونتالي تتلوّى مثل سلّة مليئة بالأنقليس، وثمة قطعان جياد تأتلق بسحابة عابرة … ذلك، أيضاً، وضعنا أمام عناصر ولكوت الطبيعية الأثيرة: الحباحب والجنادب والبزّاقات، «شجرة الخبز» والقصب البرّي والسرخس، البحر والرمل والنجوم، اللون النيلي العميم، والمزيد من تلاقح واختلاط هذه العناصر، على الأرض كما في السماء.
مشهديته الجغرافية ازدادت احتشاداً، أي ازدادت ملحمية واتساعاً وتناسقاً في ذروة التنافر. وهذه المجموعة الصغيرة من القصائد تبدأ من جزيرة باونتي في المحيط الباسيفيكي. تبدأ من هناك لكي يرثي ولكوت والدته، ولكي يربط مرثيتها بأخرى موازية أقرب إلى طلب الصفح من شاعر بريطاني رعوي يدعي جون كلير (1793 ـ 1864)، اتُهم في حياته بالجنون بسبب حساسيته الفائقة في الدفاع عن النبات والحشرات والوحش والطير، وأُودع مصحّاً عقلياً، فكتب العديد من القصائد الخالدة كانت كفيلة بإعادة الاعتبار إلى موهبته بعدئذ. ولكنّ Bounty هو أيضاً اسم السفينة البريطانية الشهيرة التي شهدت عصياناً بحرياً في أواخر القرن الثامن عشر، وأسفرت عن واحدة من أبكر تجارب الاحتكاك بين الأوروبيين والمواطنين الأصليين في جزر الباسيفيكي. وBounty هي، ثالثاً، جملة المعاني التي يسجّلها القاموس الإنكليزي للمفردة ذاتها: وَفْرة، سخاء، محصول، غلال، جائزة حكومية.
أخيراً، في هذا الاحتشاد الذي تنهض عليه القصيدة الأولى، يلتقي المعمدان مع الكادح المصري، ودانتي أليجييري بالقبطان بلاي (ضابط السفينة باونتي)، والعالم القديم بـ»العهد الجديد»، وحشرات جون كلير مع ثقافة أوفيد….
أخيراً، وكما أشرت في مقالة سابقة تعود إلى العام 2010، كان ولكوت هو شاعر محمود درويش المفضّل باللغة الإنكليزية؛ ليس دون أسباب شتى، وجيهة شعرياً، وراجحة ثقافياً.

Comments are now closed for this entry