تركيا: التوتر يفيد السلطان - د. مثنى عبدالله

المتواجدون الأن

73 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الأكثر قراة

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

تركيا: التوتر يفيد السلطان - د. مثنى عبدالله

 

اندلعت الأزمة بين الرئيس التركي أردوغان وأوروبا، كل يتهم الطرف الآخر بأبشع الأوصاف، مستخدمين عبارات نابية بعيدة كل البعد عن اللغة الدبلوماسية. أوروبا تتهم الرئيس أردوغان بأنه يتسلق الطريق الديمقراطي نحو الاستبداد، وهو يتهم الأوروبيين بأنهم بقايا النازية والفاشية. 
هم يحاصرون حملاته الانتخابية على أراضيهم بترويع أنصاره بهراوات الشرطة والكلاب البوليسية، ويحتجزون دبلوماسيين أتراكا، ويمنعون طائرة وزير الخارجية من الهبوط، ويقودون وزيرة الأسرة والشؤون الاجتماعية إلى مركز الشرطة ويبعدونها عن أراضيهم، كل هذا حصل في هولندا الحليف له في حلف الناتو، وهو يرد بخطاب ناري داعيا الأتراك المقيمين في أوروبا (أنجبوا خمسة أطفال وليس ثلاثة.. وطنكم حيث سكنتم.. تملكوا هذا المكان.. وسعوا تجارتكم وأبعثوا أبنائكم إلى أفضل المدارس، أسكنوا أرقى المناطق وأركبوا ارفه السيارات.. أنتم مستقبل أوروبا). كما يهدد وزير خارجيته بالسماح لحوالي ألف وخمسمئة لاجئ بالتوجه إلى أوروبا شهريا، في حال استمر الاتحاد الاوروبي في سياسته العدائية ضد تركيا. فهل هذا الخطاب المتبادل دليل نهاية العلاقات التركية الاوروبية، خاصة مع تقدم العلاقات مع روسيا؟ أم أنه تخادم ومنافع انتخابية متبادلة بين أردوغان والاوروبيين؟
لو وقفنا على التبرير الهولندي للإجراءات التي اتخذت ضد أنصار أردوغان، والدبلوماسيين والوزراء الأتراك على الاراضي الهولندية، لوجدنا أن الحكومة فيها تقول بأنها ترفض رفضا قاطعا التجمعات والحملات الانتخابية لصالح الدول الاخرى على أراضيها، وهي ترى أن الجالية التركية، التي تعدادها يصل إلى حوالي نصف مليون إنسان، هم مواطنون هولنديون وليسوا أتراكا، وبالتالي فإن خروجهم إلى الشوارع في حملات مؤيدة للرئيس أردوغان، إنما هي مخالفة قانونية. والحقيقة أن هذا التبرير فيه مفارقة كبرى، لأن الدستور الهولندي لم يمنع أزدواجية الجنسية، كما لم يمنع تصويت الهولنديين من أصول أجنبية في الحملات الانتخابية التي تجري في بلدانهم على الاراضي الهولندية، أي أن كل الفعاليات التي قام بها الاتراك كانت في حدود ما يسمح به القانون وليس خروجا عليه. صحيح أن اليمين المتطرف في هذا البلد حاول استغلال هذه الفعالية للقول، بأن خروج الهولنديين من أصول تركية في تظاهرات انتخابية مؤيدة للرئيس أردوغان، إنما هو دليل قاطع على أنهم لم يندمجوا في المجتمع الحالي، وأن وجودهم بات خطرا على أوروبا، لكن ما جرى لم يكن إطلاقا حالة شاذة أو خارجه عن إطار الحقوق التي كفلها القانون. أيضا هنالك تبرير آخر استند إليه الأوروبيون في منع المسؤولين الاتراك من إقامة تجمعات انتخابية على أراضيهم. التبرير يقول بأن أوروبا ذات قيم وحقوق إنسانية وسياسية، وهذه تتعارض تماما مع توجهات أردوغان في توسيع صلاحياته الدستورية، التي ستقود حتما إلى نوع من أنواع الاستبداد السياسي، خاصة أن الصلاحيات الجديدة ستجعل منه سلطانا حتى على القضاء، وبإمكانه حل البرلمان. 
لكن هذه النظرة ليست هي نظرة أوروبا كلها، وهو دليل اخر على انقسام أوروبي بشأن الموقف من تركيا، والدليل على ذلك سماح فرنسا والمانيا وبلجيكا لمسؤولين أتراك برعاية حملة اردوغان لتعديل الدستور على أراضيهم.
إن الأحداث الأمنية التي عصفت بأوروبا خلال السنين الاخيرة، وتدفق اللاجئين إليها بشكل لم يسبق له مثيل من قبل، وفشل الاتحاد الاوروبي في توحيد أوروبا في إطار واحد، وضع الدول الاوروبية على أعتاب مرحلة تحول استراتيجي مهم، وأثار الكثير من الاسئلة من نمط من نحن؟ أين مستقبلنا ومن الذي يحدده؟ هل نحن أوروبيون أم المان وهولنديون وفرنسيون وغير ذلك؟ ما هو مصيرنا في ظل القوانين الاوروبية التي تتيح للمهاجرين أن يكونوا مواطنين أصليين؟ هذا القلق على المصير جعل الكل ينظرون إلى الجاليات الاخرى على أنها ذات ولاء مزدوج وليس جنسية مزدوجة فقط. هذه الحال باتت مشكلة اوروبية اجتماعية وسياسية وأمنية واقتصادية وديموغرافية، في ظل التوتر السائد وما يسمى الارهاب والاسلاموفوبيا. ولربما ستفرض هذه الاجواء على أوروبا مستقبلا تغيير القوانين الخاصة باللجوء والاقامة، وقد تصل إلى حالة منع أزدواجية الجنسية. لأنه أصبح الآن ممارسة الحقوق السياسية للجاليات مشكلة للبلدان التي يقيمون فيها، ومشكلة أيضا للجاليات نفسها، لان الاصطدام مقبل بينهم وبين الاتجاهات اليمينية المتطرفة، التي باتت تثقف باتجاه سلبي ضدهم، من خلال الإيحاء بأن الجاليات تستفيد من كل الإمكانيات الاقتصادية والسياسية والعلمية التي يوفرها المجتمع الاوروبي، لكنها ترفض الاندماج في هذه المجتمعات الجديدة، وتبقى على ولائها لاصولها القومية والدينية والطائفية على حساب الولاء لاوروبا.
إن العلاقات التركية الاوروبية لم يعد قطعها أو استمراريتها بيد شخص محدد من هذا الطرف أو ذاك، نظرا لتشابك المصالح بين الاوروبيين من جهة والاتراك من جهة أخرى. فالمصالح التركية الهولندية على سبيل المثال، تؤشر إلى دخول مليون ومئتي الف سائح هولندي إلى تركيا سنويا، وميزان تجاري بقيمة أربعة عشر مليار يورو، والعديد من الاستثمارات في قطاعات مختلفة. 
لكن السياسات التركية تميزت في الفترة الاخيرة، خاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، بالتصريحات الاستفزازية واستخدام كلمات وعبارات نابية وغريبة عن اللغة المتعارف عليها بين الدول، ثم التنازل عن كل ما قيل والجلوس في حوارات وتوافقات جديدة. رأينا هذا النمط السلوكي السياسي التركي مع روسيا ثم التحالف معها والدخول في تفاهمات وتوافقات عديدة، وكذلك مع الحكومة العراقية، وغيرها من الدول المجاورة. صحيح أن العلاقات بين الدول تحكمها المصالح المشتركة وليس فيها عداوات دائمة أو صداقات دائمة، لكن التقلبات السريعة تجعلها ذات كلف سياسية عالية.
إننا نرى أن الازمة الاخيرة بين تركيا وهولندا كانت عملية استثمار سياسي لاهداف انتخابية مارسها كلا الطرفين، وقد نجحت في هولندا بفوز الحزب الحاكم، ويبدو أنها ستنجح كذلك في تركيا بالتصويت بنعم على تغير النظام السياسي إلى نظام رئاسي لصالح أردوغان. لقد مارس رئيس الوزراء الهولندي أقصى درجات الصد ضد كل المحاولات التركية الانتخابية على أراضي دولته، كي لا يعطي أي فرصة لليمين المتطرف باستغلال هذا الموضوع ضده واتهامه بأنه ضعيف أمام اردوغان. كذلك كان الموقف في تركيا شبيها في موضوع الاستثمار السياسي للازمة، فالرئيس اردوغان حاول اعتماد استراتيجية الاستفزاز للاوربيين كي يقول للاتراك انظروا انكم في اوروبا ليس لديكم حقوق سياسية، وأن الغرب ينظر اليكم نظرة عنصرية دونية غير لائقة بكم. وبالتالي فهو يحاول دغدغة المشاعر القومية لديهم كي يصوتوا له انتقاما من الاوروبيين. حتى جبهة (لا) التركية المعارضة لاردوغان، هي الاخرى لم تجد غير الهجوم على هولندا وأوروبا بسبب الموقف الاخير، وبالتالي صب موقفها هذا في صالح أردوغان، لانها إن وقفت مع الاجراءات الهولندية والاوروبية فإنها ستصبح خائنة للكرامة التركية في نظر الشعب التركي. ومع كل هذا الشد والجذب بين كل الاطراف فإن انتهاء الحملات الانتخابية في كلا الجانبين سيعيد الدفء إلى العلاقات بينهما، ويبقى كل ما قيل في خزانة فترة زمنية معلومة الاهداف والتوجهات.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث