تحرير الموت لا الإنسان في مدينة الموصل العراقية - د. مثنى عبدالله

المتواجدون الأن

40 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

تحرير الموت لا الإنسان في مدينة الموصل العراقية - د. مثنى عبدالله

 

 تخيلوا المشهد وضعوا أصابعكم على كل حرف سيقال، فالمقال ليس مرثية ولا استنكارا ولا تحليلا سياسيا لحدث ولا استعراضا، بل هو إعلان عن نصر مؤزر بتحرير الموت في مدينة عراقية كي تعود إلى حضن الوطن، الذي لم يعد مهما لأهلها لأنهم ماتوا. 

مواطنة تظهر على شاشات التلفاز تؤكد أنها فقدت تسعة من أفراد عائلتها، وأخرى هاربة من الموت تتوسل بمراسل قناة تلفزيونية عله يتوسط لها بإبلاغ أي كان، كي ينتشلوا جثة ابنتها الصغيرة من تحت أنقاض بيتها الذي تهدم، وهي تصر على أنها لا تريد أي شيء سوى دفنها. رجل يقف مذهولا يكاد لا يسيطر على حركة يديه وجسده، وعيناه تجول في كل مكان من هول الصدمة، يشير إلى صحافي بأن أكداس الجثث الى جانبه، المغلفة بأكياس النايلون الزرقاء تعود له ويعددها قائلا، هؤلاء أولادي الخمسة، وهذه زوجتي، وهذه شقيقتي. وبينما الآليات ترفع أنقاض بيته يهرع لسائق الآلية فيوقفه، لان جثة حفيده قد ظهرت من تحت الانقاض وباتت تحت عجلة الآلية. في حين أن العشرات من الرجال والصبيان يدفعون عربات الخضار لكنها محملة بالجثث إلى مثواها الأخير، في حدائق البيوت والحدائق العامة وحتى الارصفة، لان الذهاب إلى المقابر بات مُخاطرة، بينما مئات الآلاف يهيمون على وجوههم بعد أن فقدوا كل شيء، ولم يعد لهم أي مكان يمكن أن يكون صالحا للعيش. 
شوارع وأزقة وبنايات وبيوت وجسور وسيارات كلها سويت بالأرض، وباتت أثرا بعد عين، لأن الموت المحرر قد نهض فيها وبات سيد الموقف. فهل يدل هذا المشهد على قول رئيس الوزراء العراقي من أنه مهتم بتحرير الإنسان قبل تحرير الارض؟ وهل سيتهم الاعلام أيضا بأنه (إعلام مغرض يلفق الاكاذيب كلما نحقق انتصارات) كما يقول؟
هذا المقطع الصغير من المشهد الكبير الذي مازال الكثيرون لا يعلمون هوله، حدث في السابع عشر من الشهر الجاري، حيث نفذّت قوات التحالف الدولي غارة جوية على أحد الاحياء في الجانب الغربي من مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى في الشمال العراقي، في إطار الحرب على تنظيم «الدولة» بغية تحرير المدينة. ومنذ الأيام الاولى التي تلت الحدث بدأت مؤشرات المجزرة في الظهور إلى العلن، من خلال استغاثات المواطنين المنكوبين، لكن السلطات وبعض المسؤولين العسكريين نفوا الموضوع، واعتبروها دعاية مضادة يقوم بها التنظيم. وعندما ظهرت بعض الحقائق إلى العلن ألقوا بمسؤولية الحادث على التنظيم، مدعين بأنه هو من قتل الناس وصوّرهم كي يعرقل تقدم القوات، ثم جاءت الحقيقة الصادمة بعد أن اعترف الجيش الامريكي ببيان رسمي بأن (التحالف يؤكد مسؤوليته عن قصف الموقع الذي قتل فيه مدنيون في الموصل)، وأضاف بأن القصف تم بناء على طلب عراقي، ثم أعلن الكولونيل جوزيف سكروكا، المتحدث باسم التحالف الدولي، من أن التحالف (أجرى تقييما للتحقق من وقوع خسائر مدنية، مع ذلك هذه العملية ستستغرق وقتا). 
وهو بيان واضح من أن الحادث قد حصل لكنه سيغلّف بمبررات عديدة بهدف طمس الحقيقة وإسدال ستار النسيان عليه، كما أُسدلت سُتر كثيرة على حوادث مشابهة حدثت في العراق وسوريا خلال السنوات الاخيرة. أما الامم المتحدة فهي كالعادة لديها القلق البالغ وليس سواه، إزاء التقارير التي تتحدث عن وقوع خسائر بشرية كبيرة في الموصل. فقد قالت مسؤولة في الامم المتحدة إنها صُدمت بالبيانات التي تحدثت عن الحادث. كما صُدمت ليز غراند منسقة الامم المتحدة للشؤون الانسانية في العراق هي الاخرى، في تصريح لها نتيجة الخسائر الفادحة في الارواح، وكأن العجز والتفرج هو سيد الموقف وهو الخيار الوحيد لدى كل هؤلاء.
إننا نفهم مسؤولية كل دولة حين تقاتل في سبيل إعادة أراضيها إلى السيادة الوطنية، كما نفهم صورة المعركة الميدانية التي عكست صعوبة استرداد المدينة، بعد أن قرر الامريكان زج قوات أمريكية خاصة مع الوحدات المتقدمة تكتيكيا، بسبب نسبة الخسائر الكبيرة التي حدثت في صفوف القوات الخاصة العراقية. لكننا لا نفهم كيف تتم إعادة السيادة بأي كلفة حتى لو بالقصف العشوائي وسياسة الارض المحروقة التي لا تبقي حجرا فوق حجر. فلقد استخدمت المدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ والهاونات والطيران ضد أحياء قديمة ومتهالكة، وكلها أسلحة غير نقطية ذات كثافة نارية تستخدم ضد جيوش، وليس ضد أفراد ومجاميع مسلحة قليلة العدد وسريعة الحركة، أي أن مساحة تدميرها غير محدوده وساحة المعركة أكبر تجمع سكاني في العراق بعد العاصمة. بينما يعرف الجميع بأن لكل حرب منظومة أسلحة، ومنظومة أسلحة العصابات المسلحة غالبا ما تكون، أنفاقا وسيارات مفخخة وعبوات ناسفة، وقناصين وانتحاريين ودروعا بشرية، بينما يفترض أن تكون منظومة أسلحة من يحارب نوعا من الحروب كهذه هي القوات الخاصة، والطائرات بدون طيار، والقدرة النارية النقطية برا وجوا. 
جهل تام أن تتم مواجهة هذا النوع من الحروب غير التقليدية بأسلحة حروب تقليدية، خاصة وهم يعرفون جيدا أن خيارات التنظيم باتت القتال حتى النهاية، وتفخيخ المساحات والاماكن بهدف كسب عامل الوقت. ثم من هو المسؤول عن الوضع الذي سارت اليه الموصل والعراق كله؟ هل أهل الموصل هم من سلموا مدينتهم وأنفسهم وحان اليوم وقت عقابهم وقتلهم بهذه الطريقة الوحشية؟ أليست هي مسؤولية السلطات الحالية التي لم تصن السيادة على الارض وأمن الانسان؟ ألم يشارك الامريكان والغربيون والسلطة الحالية في بغداد في إنتاج تنظيم «الدولة»، بالغزو والاحتلال وبالعنف اللامحدود، وبطائفيتهم وفسادهم وأميتهم السياسية وفشلهم في الحكم وإدارة الدولة والمجتمع؟ فأي معنى يبقى بعد هذه الجريمة لأمر وزير الدفاع العراقي بفتح تحقيق في الحادث، أو مطالبة مجلس قضاء الموصل بإعلان المنطقة منطقة منكوبة؟
إننا أمام عار يلاحق كل الذين اشتركوا في هذه الجريمة، أمريكيين وغربيين وأقليميين وعربا يقدمون خدماتهم الاستشارية في الغرف المشتركة، لانهم جميعا ساهموا في هذه المجزرة المروعة، وإن عودة أي شبر من الارض إلى السيادة بقتل الابرياء وتدمير الممتلكات العامة والخاصة، وتهجير الناس في العراء دون مأوى، ليس نصرا بل هزيمة منكرة، لان الوطن كومضة معنوية في الضمير العراقي لن يبقى كذلك. كما سيجد أي مسؤول كبيرا أو صغيرا من السُنة والشيعة، حزمة الكره واضحة في عيون الاطفال الذين فقدوا اباءهم وأمهاتهم دون ذنب اقترفوه، وسيكبر هذا الكره إلى حقد ولو بعد حين. فلقد وضعوا أهل الموصل في فم نهاية ملعونة تتربص بهم، وتجعلهم يقفون عاجزين تماما عن مواجهتها، وهم بين مطارق كثيرة وسنادين أكثر

   

 

 

Comments are now closed for this entry