حين تصنِّفنا الأمم المتحدة تعساء - مالك ونوس

المتواجدون الأن

119 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الأكثر قراة

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

حين تصنِّفنا الأمم المتحدة تعساء - مالك ونوس

 

بدت الأمم المتحدة في "تقرير السعادة العالمي" لعام 2017، الذي أصدرته في 20 مارس/ آذار الجاري، وكأنها قد استقالت من مهماتها الحقيقية، ولم تجد تحدياتٍ تواجهها، سوى الخروج على العالم بلائحةٍ تحدّد فيها الدول السعيدة والأخرى التعيسة. ففي هذه الفترة، لا يحتاج مواطنو سورية واليمن والعراق إلى تقريرٍ يعرّفهم على تصنيفهم تعساءَ أم سعداء، بل يحتاجون فعلاً آخر من هذه المنظمة، فعلا يكرِّس جهودَ موظفيها وباحثيها في إيجاد طرقٍ توقف الحروب والنزعات والقتل في بلدانهم. كما يحتاجون منها أن تضع لائحةً بالدول التي تساهم في تعاستهم، وتتربَّح وتحقق سعادة مواطنيها، من خلال المساهمة في زيادة مآسي مواطني دولٍ أخرى.

من غير المعلوم ما هي دوافع الأمم المتحدة التي جعلتها تعكف، بدءاً من سنة 2012، على إجراء دراساتٍ وعمليات استقصاء واستطلاعٍ للآراء للخروج بتقريرها السنوي. لكن، إن كان أحد دوافعها تحفيز حكومات الدول التي تقع في آخر القائمة على العمل على انتشال مواطنيها من براثن المصائب التي أوجدتها هذه الحكومات، وانعكست عليهم، وعلى صورة بلادهم، فصُنِّفوا كما صنّفتهم هذه المنظمة، فإنها ستفشل حتماً في مسعاها. إذ وضعت حكوماتٌ أساساً لعملها، هو إيجاد الطرق الأنسب والأسرع لإيصال مواطنيها إلى أسفل دركٍ من مستويات الدخل والمستوى المعيشي والتعليم، وإلهائهم بصغائر الأمور، وجعلهم يصرفون جلَّ وقتهم، ويحصرون كل اهتمامهم بتأمين ربطة خبزٍ أو قارورة غازٍ، كي تلهيهم عن التفكير بفسادها، لن تأبه بأي تصنيفٍ تناله الدولة في عهدها.
من جهةٍ أخرى، ومنذ إصداره أول مرة، سنة 2012، تلقى هذا التقرير نقداً كثيرا، وجهه إليه باحثون اجتماعيون ومحللون سياسيون، رأوا فيه نزعةً طبقيةً، علاوةً على ما يتضمنه من

عنصريةٍ ظاهرةٍ، لا يصعب على المتلقي العادي اكتشافها. فحصرُ السعادةِ بنسبة الناتج القومي وبالوضع المادي، عبر إدراج بند الدخل السنوي الذي يتلقاه المرء، واحداً من البنود المساهمة في التصنيف، هو تسليع لنمط الحياة وإلحاقها بقيم السوق. كما إنه، عبر حصره السعادة بالغنى والأغنياء، يدعو الفقراء إلى مزيدٍ من الشعور بالدونية. إضافة إلى ذلك، فإنه يعزّز حلم الطبقة الوسطى الدائم بالثراء، هذا الحلم الذي انتشر في صفوف أفرادها، بعد تكريس ما سميت "ثورة التسوق" في الغرب التي يروج دعاةٌ كثيرون أنها الثورة الوحيدة التي نجحت في تاريخ المجتمعات الإنسانية
وفي ربطٍ بين موضوع الدخل القومي وتربُّع الدول الأوروبية على الدرجات الأولى للتقرير، جرى اتهام تقرير السعادة الدولي بالعنصرية، بسبب حصره المراتب الأولى للدول السعيدة في الدول التي يتمتع سكانها ببشرةٍ بيضاء. فهذه الدول، وكما أَرجعَ الأمرَ محللون، لم يكن لها أن تحتل تلك المراتب، إلا بسبب ما يزيد عن 400 سنة من الحروب التي شنتها على بقية دول العالم، في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية. وهي سنوات الحروب الاستعمارية التي مارست خلالها الدول الأوروبية سياساتٍ مفقرةٍ، قامت على استعباد سكان هذه الدول، وسرقة ثرواتها، وتعب أبنائها وتاريخهم، وهو ما كان على الأمم المتحدة الإشارة إليه في تقريرٍ موازٍ يوضح سبب تكدُّس الثروات لدى الدول الأوروبية، ومن ثم وصولهم إلى مراحل السعادة القصوى، وفي المقابل، انحدار مواطني الدول المُستَعمرة سابقاً إلى حضيض التعاسة المزمنة.
أما في زمننا الحالي، فلم ينقطع الشريان الممتد من دول العالم الثالث، والذي يمد دول الغرب الأوروبي والأميركي بأسباب الثروة والرخاء، حاملاً الثروات واليد العاملة الرخيصة والعقول، لتُكرَّس جميعا لخدمة مواطني هذه الدول، من خلال تحقيق قفزاتٍ في التقديمات والخدمات، وتمتين البنية التحية وتعزيز حقوق الإنسان فيها. وفي وقتٍ تعزِّز فيه دول الغرب إنجازاتها بالأحكام والقوانين الناظمة، تتغاضى عن انتهاك حكومات العالم الثالث، شركائها في العقود والصفقات، القانونَ، بل تتغاضى عن غيابه التام، في حالاتٍ كثيرة. وحين تنتهج سياسات للحد من الفساد في بلدانها، تتغاضى الحكومات الغربية عن سيادة الفساد في بلدان العالم الثالث، وتدعم الحكومات التي ترعاه وتنتهجه سياسةً، مقابل الصفقات الرابحة.
من هنا، كان أحرى بالأمم المتحدة وضع مؤشراتٍ للفساد، ومؤشراتٍ لدعم دول الغرب

الحكومات الفاسدة، ومراقبة مسار الصفقات والأموال الفاسدة، بدلاً من وضع مؤشرات لتنعم دول الغرب بنتائجه. كما أنه كان حرياً بها وضع آلياتٍ لمراقبة صناعة السلاح، وتجارته وإيصاله إلى الحكومات الدكتاتورية التي تنال ما يكفي من الإدانة في العلن، والدعم والتغاضي عن جرائمها في الخفاء.
لقد أغفل التقرير جانباً أخلاقياً، قَلّما يُشار إليه حين يتعلق الأمر بالتصنيفات. لكن، كان يُتَوقع من تصنيفٍ يصدر عن الأمم المتحدة عدم إهماله. إذ ما يدعو إلى التساؤل، هو قدرة شعوب هذه الدول وحكوماتها، على التمتع بما تتمتع به من طيبِ العيش، بينما شعوب أخرى، تشاركها العيش على الكوكب نفسه، تعيش المآسي وتُدَمَّر بلدانها، وتُرتكَب المجازر بحق أفرادها، من دون أن يستحق ذلك منها موقفاً جدياً، ينهي النزاعات ويجرِّم موقدي الحروب. وقد عودتنا شعوب هذه الدول ألا تهتم بمآسي الآخرين، سوى حين يصيبها منها بعض الألم، وهو ما تسبّبه العمليات الإرهابية في الغرب، هذه العمليات التي ينفذها، على الأغلب، أناسٌ خرجوا من مناطق النزاع تلك، أو تأثروا بما يجري فيها
إصدارُ الأمم المتحدة تقريرَ السعادة العالمي هذا العام هو السادس، وسيأتي بعده الإصدار السابع، ويليه الثامن، وغيره وغيره، وربما من دون أن نلحظ تغيراً على وضع الدول التي صُنفت تعيسةً. قد تتغير مستوى تعاستها، فتصعد درجةً في التصنيف، أو تنحدر درجة. وستحرص الأمم المتحدة على لحظِ ذلك في تقريرها التالي، ليكون إنجازها تاماً، لا يمكن لأحد انتقاده، طالما أصبحت المسألة، مسألة مؤشراتٍ، فحسب
   
 

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث