القصابون في العراق في القرن التاسع عشر - د. عماد عبد السلام

المتواجدون الأن

249 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

القصابون في العراق في القرن التاسع عشر - د. عماد عبد السلام

يشعر الباحث في تاريخ العراق الحديث بفداحة النقص في المعلومات المُتاحة عن النُّظم الضريبية في العراق، وهو أمر من شأنه أن يُبقي جوانبَ مهمَّة من الحياة الاقتصادية - ولا سيَّما ما يتعلَّق بموارد الولايات العراقية - غامضةً، وفي حاجة إلى ضوء يوضِّح مشكلاتها ومقاديرها ومصادرها، ولا يقِل الأمر خطرًا بالنسبة للحياة الاجتماعية؛ لما للضرائب من أثر في طبيعة العلاقة بين السُّلطة والسكان، ويمكن أن يُعزى سبب ذلك النَّقصِ - في تقديرنا - إلى أن الضرائب بتقديرها وحسابها وجِبايتها من الأمور المعقَّدة التي كانت تَتجاوز فَهم أكثر المؤرِّخين، وحتى الذين كانوا يتعرَّضون لها يَكتفون - غالبًا - بملاحظة آثارها الاجتماعية، أو ما كان يصحَب جِبايتها من عَسْف وقَهْر، ولا شكَّ في أن دراسةً جادَّة للنظام الضريبي في عهدٍ ما يَستوجِب الاطِّلاعَ على السجلات الرسمية والدفاتر والوثائق الخاصة به، وهو ما لم يكن مُتاحًا لأغلب المؤرِّخين.

ومما زاد في فداحة الأمر، أن جميع ما كان مُودَعًا في سراي بغداد من (سجلات الخزينة وأوراقها) مما يَرقى إلى القرون الثلاثة الأولى من العصر العثماني وحتى نهاية عهد المماليك - فُقِد أو تَلِف؛ نتيجة الكوارث الطبيعية والإتلاف المتعمَّد في أثناء الفوضى الناشِبة في ولاية بغداد سنة 1247هـ/1831م، ولم يَجرِ الاحتفاظ بما تخلَّف من الوثائق حتى أواخر العصر العثماني .

 ومن ناحية أخرى، فإن كثيرًا من السجلات والوثائق، على فرْض وجودها، لا تُسجِّل جميع ما كان مفروضًا من ضرائب منظورة، فبعض تلك الضرائب كان يُفرَض من مسؤولين أدنى درجة، دون عِلمِ أو مراقبة الجهات المالية الأعلى، بل إن أكثر ضروب ذلك النوعِ من الضرائب لم يكن يُسجَّل أصلاً، وفي أفضل الظروف كان يمنح دافعها تذاكِر (وهي الوصولات بلغتنا العصرية) لا يعرف مدى دقتها، وهذه التذاكر مُعرَّضة - بالطبع - للتبديد والضياع في كل حين.

 وتُقدِّم المؤلفات الفقهية المتأخِّرةُ ومجاميع الفتاوى معلوماتٍ لابأس بها عن (الضرائب الشرعية)، إلا أن تلك المؤلَّفات لا تتطرَّق إلى الضرائب العُرفية، وحتى بعد إصدار القوانين والأنظمة المالية العثمانية، فإن أكثرها لم يكن يُعبِّر عن الصورة الحقيقية للنظام الضريبي المُطبَّق في مدن العراق وريفه.

ومن هنا بات على الباحث في تاريخ الضرائب إبَّان تلك العهود، أن يتلمَّس طريقه بيده؛ وذلك بالبحث عن الوثائق المالية حيثما وجِدت، وبأية صورة كانت؛ لعلها تُلقي ضوءًا على ذلك الجانب المهمِّ من تاريخ العراق المالي والاقتصادي.

ولقد أسعَدنا الحظ بالوقوف على وثيقتين تاريخيتَين لهما أهمية بالِغة في الكشف عن أنواعٍ من الضرائب والرسوم العُرفية مما كان مُطبَّقًا في العراق في أوائل القرن الثالث عشر للهجرة (التاسع عشر للميلاد)، والوثيقة الأولى عبارة عن (عَرْضَحال) رَفعه رجلان من فئة العلماء، من أهل مدينة الحلة، إلى والي بغداد علي رضا باشا اللاظ سنة 1247هـ/1831م يَطلُبان فيه إصدار أمره بإعفائهما من رسوم محدَّدة كانا يَدفعانها عن دكان قصاب يَملِكانه في تلك المدينة، بينما كتِبت الوثيقة الأخرى في الجِهة العُليا من الورقة نفسها، وهي عبارة عن أمر للوالي (المسمَّى بالتركية بيورلدى) يتضمَّن الاستجابة الكاملة للطلب المرفوع إليه، ونص (العرضحال) كالآتي:

(المعروض إلى حضرة أفندينا وليِّ النِّعم، أيَّدَ الله به الدين، وجعل العلماء بإحسانهم لمددهم نايلين.

 إن للداعين في الحلة قصَّاب نرجو من مراحمكم الوافية، وإحسانكم الكافية، الرُّخصة العالية بأن يَذبح مستأجِره فيه يوميًّا خمسة رؤوس من الغنم، أو جاموسة، أو جملاً، أو بقرة، وألا يتعرَّضه أحد من ملتزمي المُومْخانة والقصّابخانة وميدان الثيران والمَطايا بطلب شحم ورسم المُومخانة ورسم القصابخانة ورسم المَيْدان، ولا يُطلَب عيدية، ولا يُرمى غنم أو جاموس أو بقر عليه، وألا يُمنع من شراء غنمٍ أو جمال أو جاموس أو بقرٍ في الحلة، وألا يتعرَّض بكافة العوارِض والتكاليف، وأن يُصان من جميع التَّعديات، وألا يَطلُب ملتزِمو المقاطعات المذكورة التزامه عن الداعين، ونرجو الترحُّم ببيورلدى شريف بذلك خطابًا لخادِمكم أمير الحلة، أيَّد الله دولتَكم إلى ممرِّ الأيام، وخلَّد سعادتكم إلى انقِراض الأعوام.

 

الداعي محمد أسعد، الداعي محمد سعيد مفتي بغداد سابقًا).

 أما الأمر الصادر من الوالي، والمسمَّى (بيورلدى) ، فقد كتِب بخط مائل على الجِهة اليسرى من أعلى الوثيقة، ونصه:

(الذي يُعلَم به أمير الحلة قد رَخَّصنا أن يُذبح بالدكان المذكور يوميًّا خمسة رؤوس غنم، أو جاموسة، أو جملاً، أو بقرة، وعفَونا عن الرسومات المذكورة، فينبغي أن تَمنع ملتزمي المُومخانة والقصّابخانة والميدان عن التعرُّض بطلب الرسومات والعِيديَّة، ورمْي المواشي عليه، ولا تَدَعهم يتعرَّضون قصَّابَه بطلب التزامه، ولا بطلب شحم، ولا يمنعونه عن اشتراء مواشي بالحلة، ولا يَمدون يدًا عليه من طرَف العوارض والتكاليف وسائر المواد من كل الوجوه، وتَصونه من التجاوز والتعدي من جميع الجهات، وتبقى بيورلدينا بأيديهم، وفيه الكفاية، 6 من (رمضان) سنة 1247).

 وتثير هاتان الوثيقتان (العَرْضَحال والبيورلدى) اهتمام الباحث من أوجه عدة؛ فهما أولاً صدَرا في عهد والي بغداد علي رضا باشا، أول والٍ عثماني يتولاها بعد إسقاط نظام المماليك، بيد أن تاريخ البيورلدى المبكِّر (وقد صدَر في أول سِنِي حكمه) يدُل على أنه جرى في غايته وأسلوبه وشكْله على وَفْق ما كان يصدُر في عهد المماليك السابق، ولا يبعُد أن يكون ذلك جرى بتوسُّط حاكم الحلة، وهو آنذاك محمد أسعد النائب (حكمها من 1247 إلى 1253هـ/1831 - 1837م) ، الذي سبَق أن قام بمهمة مماثِلة حين توسَّط سنة 1243هـ/1827م لأديب مصري بإيصال عريضته إلى والي بغداد السابق داود باشا، وكانت تتضمَّن إعفاءه من بعض التجاوزات والرسوم، والعمل لدى داود لإصدار أمر بذلك الإعفاء، وفي الواقع أن هذا الرجل، وإن كان يَدين بمنصبه لعلي رضا، إلا أنه يمثِّل امتدادًا لتقاليد المماليك في الإدارة والحُكم، حتى إنه دفَع حياته ثمنًا لما اتُّهِم به من مُمالأة لتلك التقاليد .

ولنا أن نلاحِظ أن العرضحال يسمِّي حاكم الحلة المذكور (بأمير الحلة) ، وكذا ورد على لسان علي رضا باشا، ويظهر أن هذا اللقب كان موروثًا من عهد الحلة بحكم أمرائها من آل عبدالجليل، وهي الأسرة العربية التي تولَّت الحكم فيها، بصفة وراثية، منذ سنة 1115هـ/1703م وحتى سنة 1232هـ/1816م، وإلا فلم يكن محمد أسعد إلا إداريًّا عيَّنه علي رضا نفسه.

 ومُوقِّعا العَرْضَحال، رجلان نعرف أحدهما جيدًا، وهو الحاج محمد سعيد بن محمد أمين الطبقجلي، أحد كبار علماء بغداد في عصره (توفي سنة 1273هـ/1856م)، وكان قد أفتى في الحلة عدة سنوات قبل أن يُصبح مُفتيًا للحنفية في بغداد سنة 1246هـ/1830م ، أما الآخر، فلم يوقِّع إلا باسمه الأول، وهو محمد أسعد، والراجح أنه محمد أسعد أفندي بن محمد أمين، الأخ الأصغر للمفتي الطبقجلي (توفِّي سنة 1271هـ/1854م) وكان قد أفتى في الحلة عدة سنوات أيضًا، فعلاقة الرجلين بالحلة واضحة، ويظهر أنهما تملَّكا دكانًا فيها، وأنهما أجَّراه لقصّاب، وكتَبا ذلك العرضحال لإعفائه من رسوم عدة، مما يرجِّح أنهما كانا يشارِكانه الربح بنِسبة معلومة، وهو ما نَفهمه من طلبهما بأن (يَذبح مستأجره فيه)، وتدُل استجابة الوالي لذلك الطلب بحذافيره على منزلة الرجلين؛ كونهما من العلماء المُفتين، وأنه هو الذي عيَّن محمد سعيد مفتيًا ببغداد في أول تَولِّيه الحكم فيها.

 يوضِّح العرضحال حقيقة أن جميع الرسوم المستحصلة في ذلك العهد، كانت تُجبى من ملتزمين، على وَفْق نظام الالتزام الذي كان سائدًا في الدولة العثمانية عامَّة، ومن المعروف أن أول بيان رسمي يَعِد بإلغائه، وهو (خط كُلخانة) صدَر سنة 1255هـ/1839م؛ أي: بعد تاريخ العرضحال بنحو ثماني سنوات، وفي الواقع فإنه لم يُلغَ عمليًّا إلا في أوائل القرن العشرين.

 

ويُطالب العرضحال بالإعفاء من تسديد الرسوم الآتية، وهي:

أولاً- رسْم المُومخانة: وهي لفظة تركية مُركَّبة من (مُوم) وتعني الشمع، و(خانة) التي تعني الدار والمكان، فهي مكان الشمع، أو دار تصنيعه، وبما أن الكلام لا يتعلَّق بالشمع أصلاً، فالمقصود به هنا - فيما نرى - المكان الذي تُصنع فيه الشموع من الشحم خاصَّة، أو الذي يُستخلَص فيه الشحم لأغراض مختلفة، مِثل الإضاءة وغيرها، ولا تُصرِّح الوثيقة بمقدار ما كان يُستوفَى من رسْم بهذا الاسم، ولكن من الواضح أنها كانت رسومًا نقديَّة؛ لأن الوثيقة تُميِّز بين هذا الرسم والشحم الذي كان يتوجَّب على القصّاب تقديمه إلى الملتزمين.

ولا تَمُدُّنا مصادر الحِقبة بمعلومات عن الموقع الذي كانت تَحتلُّه هذه (المُومخانة)، ومقدار ما تُنتِجه من مواد، والذي نرجِّحه - بناء على قرائن عدة - إنها كانت مملوكة لصِنف القصابين بذاته، وهو نوع من المِلْكية الجماعية التي اختُصَّ بها نظام الأصناف الحِرفية في العصر العثماني، مثلها في ذلك مِثل: (البُويَخانة = المصبغة) و(السَرِجخانة= دار تصنيع الجلود) في مدن أخرى، وواضح أنه كان لهذه الدار مُلتزِم مهمَّتُه جمعُ الرسوم الخاصة بها من الصِّنف، بيد أن ذلك يُثير السؤال التالي: إذا كانت المُومخانة مِلكًا لصِنف القصّابين، فلماذا يطالِب أصحاب العرضحال من الوالي إعفاءهم من أداء الرسم إلى ملتزمها؟ وليس من حَلٍّ لهذا الإشكال إلا بافتراض أن الملتزم كان يدفع ما يجمعه من رسوم للسلطة، بوصفها تمثِّل حصة السلطة المذكورة من أموال الصِّنف نفسه.

 

ثانيًا- رسم القصّابخانه:

وهي لفظة مركَّبة من (قصّاب) وتعني (الجزَّار) بلغة أهل العراق، و(خانة) التي تَقدَّم معناها، فتكون مهمتها مماثِلة لمهمة (المجزرَة) في وقتنا الحاضر، ويظهر أن رسمًا مُعيَّنًا كان يُفرَض على المواشي التي يجري ذبْحها في هذه الدار؛ ولذا فقد كانت تُمنَح بالالتزام، وإذ يَطلب صاحبا العَرْضَحال إعفاءهما من هذا الرسم، فإن ذلك يدُل على اختصاص الدار بالذبح مُطلقًا، ويؤكِّد هذا المعنى التماسهما أن يذبح مستأجر الدكان في دكانه عددًا محدَّدًا من المواشي، فذلك وحده ما يَعفيه من دفع رسْم القصابخانة، ولو كان جائزًا الذبح خارج الأخيرة لأمكن التخلُّص من ذلك الرسم أصلاً، ويمكننا أن نتصوَّر عائدية هذه المجزرة كانت لصِنف القصابين، مثلها في ذلك مثل (المُومخانه).

ولا تشير الوثيقة إلى مقدار ذلك الرسم، والظاهر أنه لم يكن قليلاً، ففي رسالة قوجي بك المؤلَّفة في سنة 1041هـ/1632م شكوى مُرَّة من ارتفاع الرسوم المقرَّرة على رؤوس الغنم، فبينما كانت تُقدَّر في أواخر القرن العاشر للهجرة (السادس عشر الميلادي) بنحو نصف آقجة (وهو الدرهم الفضي العثماني)، زادت على يد المستوفِين في القرن التالي إلى ضِعف ذلك المبلغ، ثم إلى 7 أو 8 آقجات، وقد عدَّ مؤلِّف تلك الرسالة هذه الزيادة غاية المُنتهى من الظُّلم والاعتداء، فصار الأمر مما لا يُطاق .

 

ثالثًا- رسْم المَيدان .

واضح من سياق العرضحال أنه المكان المخصَّص لعرض الماشية وشِرائها، وكان ثَمَّة رسم يُستحصَل من ثَمن الماشية المُشتراة؛ ولذا فقد منح الميدان لأحد (الملتزمين) ليتولَّى جمع تلك الرسوم.

 

ومطالبة صاحبي العرضحال إعفاءهما من الرَّسم المذكور يدل على أن جزءًا منه كان يتحمَّله المشتري، وإلا فالمنطق يقضي أن يكون الرسم على البائع، وهو القابض للثمن، ولا تَمدنا الوثيقة بما يوضِّح مقدار ذلك الجزء، وطريقة تَقاسُم الرَّسم، وما إلى ذلك من تفاصيل، ويظهر أنه لم يكن مسموحًا لأصحاب الدكاكين من القصابين شراء الماشية من خارج (الميدان) المخصَّص لهذا الغرض؛ ولهذا يَطلُب صاحبا العرضحال السماح لهما بتجاوز ذلك المنْع، بشراء الغنم أو الجمال أو الجاموس أو البقر في الحلة، ولا معنى لهذا الطلب إذ لم يكن شراء المواشي من غير المكان المخصَّص لها، يَعني حِرمان الملتزِِم (والسلطة) من الرَّسم المُشار إليه.

 

رابعًا- ضريبة باسم (عِيديّة):

لم تُحدَّد طريقة دفْعها، والظاهر أنها كانت ضريبة موسمية، تُدفع في عيد الأضحى، حين يَكثُر الذبح، وربما في عيد الفطر أيضًا، ومن المحتمل أنها بلغت شيئًا مذكورًا، بحيث لم ينسَ صاحِبا العرضحال طلَب إعفائهما منها.

 

خامسًا- ثَمَّة رسوم لم تُحدَّد أسماؤها:

عَدَّها العرضحال أنواعًا (من العوارِض والتكاليف) و(التعدي) وأضاف إليها البيور لدى عبارة (التَّعدي من جميع الجِهات).

 

سادسًا- يَطلُب صاحبا العرضحال إصدار أمر يقضي بعدم (رمْي غنم أو جاموس أو بقر عليه)؛ أي:

مستأجِر دكانهما، وهذا يعني أنه كان يكلَّف بشراء ما لا حاجة له من الماشية، مما يُسبِّب تلَفه، وخسارة ثمنه، فضلاً عن ربحه، والظاهر أن هذا التكليف كان يجري العمل به من أجل تحقيق أكبر ربح ممكِن لملتزم الميدان والجهات المستفيدة الأخرى، كالمومخانه والقصابخانه، لكنه يأتي - في الواقع - ضارًّا بمصالح القصَّابين أنفسهم؛ لأن من شأنه زيادة العَرْض على الطلب.

 ويلاحَظ أن كاتبي العرضحال لم يرفَعا طلبهما إلى أمير الحلة أو حاكِمها، وإنما قدَّماه إلى والي بغداد مباشرة، ولا تفسير لهذا الأمر إلا على أحد الوجهين الآتيين: إما أن مسألة الإعفاء من تلك الرسوم تَستدعي صلاحية أوسع مما للأمير المذكور، أو أن الكاتبَين لم يشاءا - لأمرٍ ما - تقديم طلَبهما إلى الأخير، وفضَّلا تَجاوُزَه إلى المسؤول الأعلى عن الحلة في ذلك العهد، وفي الحالة الأولى لا يَبعُد أن يكون لحاكم الحلة يد في رفْع العرضحال إلى الوالي كما ذكرنا من قبل، خاصَّة وأنه ليس في البيورلدى مؤاخذة تدُل على أن صاحبَي الطلَب قد تَجاوزا مرجعهما المباشر، أو تَخطَّيا سلسلة مراجعهما كما نقول في هذه الأيام، وهو ما يدُل على اعتياد الناس على رفْع ظلامتهم، أو عرائضهم، إلى المرجع الأعلى، حتى في الأمور التفصيلية - كما في هذا العرضحال.

ويلاحظ أيضًا أن إجابة الوالي على العَرْضحال جاءت واضحة، ومُلبِّية للطلب بكل تفاصيله، وقد اتَّخذت الموافقة شكلَ أمر رسمي (بيورلدى) كتِب في الجِهة اليسرى من أعلى الورقة التي تضُم العرضحال نفسه، وكان مُتَّبَعًا ترْكَ فراغ في أعلى الطلبات التي تُقدَّم إلى المراجع العُليا؛ ليتسنَّى للمرجع كتابة مطالعته، أو أمره، حسَب كل حالة، وتاريخ البيورلدى هو السادس من شهر رمضان سنة (1247هـ/1831م).

وتُشير الوثيقة نفْسُها إلى استمرار تمتُّع صاحبي العرضحال بالإعفاءات المذكورة حتى ما بعد نحو ثلاثة عشر عامًا من صدور البيورلدى، فثَمَّة حاشية بخط البيورلدى نفسه، على الجِهة اليمنى من أعلى العرضحال، تقول: (ينبغي أن يعمل بموجَب هذا البيورلدى، وفيه الكفاية)، وهي مؤرَّخة في 13 جمادى الأول سنة (1259هـ / 1842م)، ويظهر أن أصحاب الطلب قد أكَّدوا ما بأيديهم من أمر، بعرْضه على الوالي علي رضا مجدَّدًا على تلك العبارة القاطعة.

ولا شكَّ في أن القصاب الذي تَخصُّه هذه الإعفاءات كان واحدًا من قصابي الحلة في الثلث الأول من القرن الثالث عشر (التاسع عشر للميلاد)، فما فُرِض عليه من رسوم وضَّحتها الوثيقة، كان مفروضًا على زملاء مهنته أيضًا، وبمعنى آخر: إنها تَختصُّ (بصِنف القصابين) بصفة التنظيم الحرفي الذي يُنظِّم أهل تلك الحِرفة ويدافع عن مصالحهم في ذلك العصر، فالوثيقة تَكشف بصورة غير مباشرة، عن أزمة أهل الأصناف في موقفها من السلطة من جِهة، ومن نظام الالتزام من جهة أخرى

   

Comments are now closed for this entry