من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق - أحمد الناجي

المتواجدون الأن

130 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق - أحمد الناجي

 

 سيرت بريطانيا حملتها في يوم 16 تشرين الأول 1914 بعد أن أقلعت من بومباي الى الخليج العربي، ووضعت إدارتها تحت إشراف حكومة الهند، بقيادة الجنرال ديلامين، وكان السير بيرسي كوكس يرافق الحملة من الهند بصفته رئيساً للحكام السياسيين، ومن ثم تحركت من البحرين في يوم 6 تشرين الثاني 1914،متجهة نحو الفاو، و بعد وصولها، استطاعت الباخرة الحربية البريطانية اودن عبر مناوشات قصيرة، من إسكات مدفعية البطرية التركية، مما أدى الى تراجع وانسحاب الحامية التركية، ولم تكن القيادة العثمانية على علم باحتلال الفاو بسبب قطع الاتصال البرقي، وقد وصل الخبر الى البصرة بواسطة الموظفين الهاربين

في يوم 7 ت2 أخذت بواخر القوة البريطانية تتقدم شمالا الى موقع السنية حيث قرر الجنرال ديلامين النزول في هذه المنطقة، وظلت عملية الإنزال جارية الى يوم 10 ت2، استطاعت صد التعرض الذي قامت به القوات التركية ليلاً بقيادة اليوزباشي سامي بك بخسائر طفيفة بعد أن علمت به مسبقاً عن طريق أمير المحمرة الشيخ خزعل، تراجعت القوات التركية أثر تكبدها خسائر جسيمة وعدم جدوى هجومها الى منطقة سيحان، وأخذت بالتحشد والاستعداد لإيقاف تقدم القوات البريطانية التي تحركت قوة منها في 15 ت2، ووجهت ضربة قوية لحشود القوات التركية المتواجدة في معسكر سيحان مما أدى الى أنزال خسائر كبيرة فيها.

 عادت بعدها القوات البريطانية الى مواقعها في السنية، وفي يوم 17 ت 2 شرعت بالتقدم الى موقع ساحل مقابل مصب نهر الكارون في كوت الزين، الذي حصل فيه التماس مع القوات التركية، مما اضطرها الى التراجع والانسحاب بعد أن واجهت ضغطا كبيراً، وبذا تم تأمين ما كان يهدف اليه البريطانيون، حماية المحمرة والاتصال بها، وتلاشت هواجس الشيخ خزعل ومخاوفه من هجوم الأتراك عليه، والتحقت السفن البريطانية الموجودة في نهر الكارون بالحملة

تقول المس بيل في كتابها فصول من تاريخ العراق القريب ص 8 عن هذه الفترة، أصبح مصفى النفط في عبادان العائد الى الشركة الإنكليزية الإيرانية في مأمن من الخطر منذ ذلك الوقت فصاعداً، ولم يعد من النقاط التي كانت أولى وجبات الحملة حمايتها وإنما غدت عبادان على طول ما تبقى من مدة الحرب تقوم بدور المجهز للزيت والنفط الخام لكل فرع من فروع مصالح صاحب الجلالة البريطانية.

قامت القيادة التركية بإغراق ثلاث سفن لسد شط العرب، ووضع بعض الحواجز في الجزر من الجنود والمدافع لإيقاف تقدم البواخر البريطانية، إلا أن انهيار المعنويات وضعف الحواجز وتدهور الموقف العسكري، أدى بالقوات التركية الجلاء عن مدينة البصرة ليلة 19/20 ت2 والانسحاب الى القرنة.

التقدم نحو القرنة لاحتلالها

 بعد أن تم احتلال مدينة البصرة قامت القوات البريطانية بتوجيه قواتها نحو القرنة لاحتلالها، وبعد عدة عمليات هجومية تساندها مدافع السفن الحربية، لا تخلو من تراجعات في بعض الأوقات، استطاعت من إنجاز مهمتها يوم 9 كانون الأول 1914 بعد استسلام الحامية التركية بدون قتال، وكان مؤلفة من 45 ضابطاً و989 مراتب 4 مدافع.

 وعلى اثر سقوط الحامية في القرنة أعادت القوات التركية تأسيس التماس مع طلائع القوات المهاجمة على قناة الروطة، وعينت لمنصب القيادة العامة في العراق سليمان بك عسكري الذي أعد خطة تعرض مقابل لطرد البريطانيين بناها على الأسس التالية:

أولا: تشكيل ثلاثة ارتال تزحف على ثلاثة محاور كما يلي

1- الرتل الأيسر يزحف على محور نهر الكارون ويتقدم الى المحمرة

2- الرتل المركزي يزحف على محور نهر دجلة ويتقدم نحو القرنة

3- الرتل الأيمن يزحف على محور نهر الفرات ويتقدم نحو البصرة من اتجاه الزبير

ثانيا: حشد القسم الأكبر من القوات في الرتل الأيمن وإنزال الضربة الرئيسية من هذه الجهة على أن يقوم الرتلان المركزي والأيسر بالتثبت والمشاغلة.

 

وقد جرح العقيد سليمان عسكري بك خلال مواجهات الروطة، وعاد الى بغداد للتداوي، فأوفدت القيادة العقيد كاظم قره بكر فلم يوافق على هذه الخطة واقترح غيرها، كما طلب زيادة القوات النظامية ولكن المقر العام أيد رأي سليمان بك الذي قرر أن يدير الحركات بنفسه بالرغم من عدم تماثله الى الشفاء التام.

معركة الشعيبة

كانت معركة الشعيبة ذات خصوصية مميزة بسبب مشاركة أبناء العراق من المجاهدين فيها بطريقة لم يخوضوا غمارها أو يتعرفوا عليها من قبل، وهي سياقات الحرب النظامية، وجاءت تلك المشاركة بعد فترة من النشاطات التعبوية، جرى فيه التحضير لحشودات كبيرة ساهم فيها الكثير من رجال الدين يقف قي مقدمتهم العلامة السيد محمد سعيد الجبوبي، وقد شارك فيها تلبية دعوة الجهاد الكثير من الشخصيات الدينية والاجتماعية والشيوخ وأبناء العشائر العراقية، وقد حظيت بالرعاية والتنسيق مع القوات التركية لقتال الغزاة البريطانيين، وإيقاف تقدمهم بعد احتلال البصرة،

 وقد جرت عملية تحشد المجاهدين قرب معسكر الشعيبة البريطاني الذي يبعد تسعة أميال من الجنوب الشرقي لمدينة البصرة ونطاق محيطه يبلغ ثلاثة أميال ونصف الميل، يتكون من قلعة قديمة وبضع دور، وهو محكم بصورة جيدة ومحاط بالأسلاك الشائكة، ويتصل بالبصرة عن طريقين احدهما مائي والآخر بري، إلا إن مياه الفيضان غمرت كلا الطرفين.

 كانت حشود القوات التركية والمجاهدين في أدغال النرجسية الواقعة على بعد ستة أميال من الجنوب الشرقي للشعيبة، ويقدر عدد القوات التركية النظامية بستة ألاف والمجاهدين بعشرين ألاف (وبعض المصادر تشير الى إن عدد المجاهدين أكثر من ذلك بحدود الخمسين ألفا، ويشير آخرون الى اقل من ذلك، وقد بين البعض الآخر توزيع عددها كالأتي 12000 من العرب و2000 من الكرد و التركمان).

كان العقيد سليمان عسكري بك مصاب، ويقود القوات التركية والمجاهدين، وهو محمول على نقالة صحية، وكانت خطته الذي وضعها مثار جدل، فقد كان رأي بعض قادة المجاهدين المتمرسين في

 الحرب كالشيخ عجمي السعدون وغيره بأن الهجوم المباشر على موقع الشعيبة المحصن غير مجدي، بل يجب الاكتفاء بمحاصرته وشن الغارات عليه وقطع خطوط مواصلاته ويقال إن الضباط الألمان العاملين مع القوات التركية قد أشاروا على سليمان عسكري بك بمثل هذا الرأي أيضا، ولكن عناده وغروره منعاه من الاستماع الى نصائحهم، ويرى البعض الآخر صواب رأيه، ولكن يأخذ عليه خطأه في عدم تقدير القوة المطلوبة لتحقيق غاياته وأهدافه.

 تقدمت القطعات التركية ليلة 11/12 نيسان 1915 بعد استطلاع ناقص، وشرعت في هجومها فجر يوم 12 نيسان، وشن الهجوم في ثلاثة اتجاهات نحو الجناحين والمركز إلا إن المدفعية البريطانية المتفوقة، استطاعت إسكات مدفعية الأتراك بعد 15 دقيقة من بدء الهجوم، فلم يتمكن المهاجمون التقرب الى أكثر من الف ياردة عن المعسكر، ثم تجدد الهجوم ليلة 12/13 نيسان دون الوصول الى نتيجة تذكر، ذلك مما جعل البريطانيون يقومون بتعزيز قطعاتهم لأخذ المبادرة والشروع بالهجوم المقابل صباح يوم 13 نيسان لتطهير بعض المرتفعات القريبة من المعسكر، ومن ثم انسحبوا بعد إنجاز ذلك.

 استمرت المعركة مدة يومين دون أن تبدو أية بادرة للغلبة من أحد الفريقين على الآخر، وفي اليوم الثالث وصل الشعيبة الجنرال مليس، وكان قد قدم للتو من مصر، فتولى القوات البريطانية، والمعروف عن هذا القائد أنه شجاع الى حد الطيش، فأصدر أوامره الى الجنود بالخروج من الخنادق والشروع بالهجوم على القوات التركية، ونشب عند ذلك قتال ضاري بالسلاح الأبيض كانت فيه الحراب تلمع وهي ملطخة بالدماء من خلال غبار كثيف خانق.

 قامت القوات البريطانية في صباح اليوم الثاني بهجوم عام استمر القتال فيه طيلة نهار ذلك اليوم، وكان النصر معلقاً على شعره، يستطيع أن يناله من يبدي قدراً أكبر من الصمود، فتدخل القدر بانسحاب الأتراك والمجاهدين بدلا من البريطانيين عندما ظنوا بأن هنالك قوات قادمة لنجدة البريطانيين من البصرة إثر ملاحظة ما تطاير في الجو من غبار كثيف، كان ناجم من قدوم أربعة عجلات تجرها الخيول بسرعة جنباً الى جنب تحت إمرة ضابط إنكليزي برتبة صغيرة، تروم نقل الجرحى للمؤخرة، ليتسنى انسحاب القوات البريطانية بعد ذلك، استثمر البريطانيون هذا الحدث بعدما لاحظوا حالة الارتباك في صفوف الأتراك والمجاهدين من خلال تكثيف صولتهم بالقنابل التي صارت تتفجر بين الخيام،

 وقد هرب المجاهدون بعد أن أشيع بينهم، إن القائد سليمان عسكري بك قتل هو وضباطه جميعاً، فانتشرت الفوضى بين العشائر المحتشدة هناك، وأختل النظام، وكانت أولى بوادر الهزيمة قد ظهرت في صفوف العشائر، ثم تلاهم الجنود النظاميون، إذ هم اخذوا ينسحبون بلا نظام نحو أدغال البرجسية ولم يصمد في المعركة غير ثلة من الفدائيين الأتراك وكان عددهم سبعة وأربعين رجلاً، فقد ربطوا ركبهم بالحبال، وقرروا أما أن ينتصروا، أو يموتوا على أرض المعركة، وقد قتلوا جميعاً فلم ينج منهم أحد.

 وقد ثبت السيد محمد سعيد الجبوبي مع ثلة من صحبه فلم يهربوا مع الهاربين، ثم استقر رأيهم أخيراً أن يرسلوا السيد محسن الحكيم الى خيمة القائد ليستوضح جلية الخبر، ولم يستطع الحصول على فرس يمتطيها، لأن كل واحد من المجاهدين كان محتاجاً الى فرسه للنجاة بنفسه من هول المعركة، وبعد أن استطاع أخيرا الوصول الى خيمة القائد،

 وجده مكباً على أوراقه، وأتضح أن الإشاعة كانت غلطة أو مكيدة أدت الى الهزيمة، أنتحر على أثرها القائد التركي سليمان عسكري بك، وكانت خسائر القوات البريطانية 1200 بين قتيل وجريح، أما خسائر الأتراك فكانت ضعف العدد، وتقدر خسائر المجاهدين بثلاثة الاف، وقد وصفت معركة الشعيبة بأنها معركة ضارية استبسل فيها الجانبان وكان النصر للجانب الاقوى بأسلحته وعدته، لا بعدد أفراده، وقد لعبت نتيجة هذه المعركة دوراً كبيراً ومؤثراً فيما بعد على حركة الجهاد بشكل عام، وسنتناول حركة الجهاد في الأجزاء اللاحقة.

القتال في عربستان

 كانت إيران خلال الحرب العالمية الأولى قد أعلنت حيادها، إلا أن النفوذ الروسي كان قوياً في شمالها، والنفوذ البريطاني في جنوبها، وكان للطرفين مصالح بتعهداتها، ولم يكن لإيران جيش يؤبه به، وكان الدرك الإيراني تحت سيطرة ضباط سويديين ميالين الى التعاون مع الألمان، وقد كان النشاط الاستخباري البريطاني ينهض به الضابط أرنولد ويلسون،

 وهو يتقن العربية والفارسية، وقد تجول في عربستان كلها قبل الحرب، ومن خلاله كانت الأخبار تعبر الى القيادة عن الدعايات الألمانية، وتحركات القوات التركية المعززة بأعداد كبيرة من المجاهدين التي كانت بالفعل تضايق المعسكر البريطاني في الأهواز، وقامت بعدة تعرضات عسكرية على مدينة الأهواز، استطاعت قطع أنابيب النفط، بعد أن أشعلت النار فيها، ونهبت مخازن الشركة أيضا، وقد ساند الشيخ خزعل البريطانيين عبر التصدي الى عشائر بني كعب والباوية بسبب موقفهما في معاضدة الأتراك وحركة الجهاد، وفي أوائل شهر آذار 1915 قامت القوات البريطانية بمباغتة القوات التركية والمجاهدين في مكان يسمى الغدير،

 إلا أن ذلك لم يتحقق لهم، حيث هاجمهم المجاهدون وجرى قتال عنيف تكبد الطرفان خسائر فادحة، وانتهى بتراجع القوات البريطانية، وغنم المجاهدون غنائم كبيرة كان من جملتها مدفعان، وقد أبدى المجاهدون، أبناء العشائر، شجاعة فائقة، أذهلت الإنكليز، وقد فرض هذا الواقع على حكومة لندن ابتداءاً من شهر آذار 1915 أن تكون قلقة جداً بسبب ما تواجهه من عقبات.

 بعد وصول الداغستاني الى عربستان كقائد بديل بداية نيسان ومعه نجدة من القوات التركية، قام بالهجوم مرتين على الأهواز في 11 و12 نيسان بتنسيق مسبق وتزامن مع ما يدور في معركة الشعيبة، إلا أنه أخفق في المرتين من تحقيق شيء يذكر، وعلى أثر ما انتهت اليه معركة الشعيبة جاءه الأمر من القيادة بالانسحاب مع قواته الى مدينة العمارة.

تراجعت القوات التركية الى الخميسية 90 ميلاً عن الشعيبة، بعد انتهاء معركتها، وبهذه الصورة اطمأن الجنرال البريطاني نيكسون الى زوال الخطر من جناحه العسكري الأيسر، وقرر القيام بحركة تطهير في عربستان لتأمين جناحه الأيمن، لا تخلو من دوافع الانتقام من العشائر العربية هناك، وفي 21 نيسان 1915 تحركت القوات البريطانية بقيادة الجنرال غورنج من البصرة واجتازت شط العرب، عن طريق النهر والبر معاً، واتخذوا طريقهم الى الأهواز،

 ولم يجدوا أية مقاومة جدية في تقدمهم لان القوات التركية كانت قد انسحبت مع المجاهدين نحو العمارة، إلا إنها قامت يوم 14 مايس بإنزال ضربات موجعة بعشيرة بني طرف التي تتمركز في قرية الخفاجية التي تقع على الضفة الغربية من نهر الكرخة، اثر قيامهم قبل مدة قصيرة بقتل أربعة ضباط بريطانيين، فأمطروها بوابل من قنابل المدافع ورشقات الرشاشات، واستمرت المعركة ثلاثة أيام، قاتل فيها بنو طرف ببسالة رغم الخسائر الفادحة التي طالت البشر والبيوت والغلال والحيوانات.

 تلقى الجنرال غورنج الأوامر باستمرار التقدم، والقيام بمظاهرات باستقامة مدينة العمارة لمنع الأتراك من تعزيز قواتهم المرابطة شمال القرنة، لتسهيل الزحف المنوي إجراءه على محور دجلة، وأبقيت بعض القوات كحامية بريطانية في عربستان، واستؤنف ضخ النفط الى عبادان في 13 حزيران، وهذا الإنجاز كان شأن مهم للبريطانيين.

معركة الزوارق واحتلال العمارة

 بعد وصول الجنرال طاوزند القرنة في 24 مايس، تسلم قيادة الفرقة السادسة البريطانية، وكانت الحامية تشغل معسكراً ذا نطاق حول القرنة، وقد أقيمت أكواخ من القصب لإسكان القطعات، وقد قاست كثيراً من حرارة الطقس ورطوبته وكانت في صراع دائم مع مياه الفيضان التي كانت تهدد باجتياح المنطقة، وقد أقيم وسط المعسكر برج رصد يبلغ ارتفاعه 90 قدم لرصد المنطقة التي كانت مغمورة بالمياه من جميع الجهات تقريباً، وقد سبق للقوات البريطانية أن وسعت من نطاق التدريب لاستخدام الزوارق المحلية( البلام) لإدراكها بأهمية ذلك في هذه المنطقة.

 كانت القوات التركية قد قامت ببعض المناورات البسيطة إثناء معركة الشعيبة، ومن ثم استمرت في تحصين مواضعها، والقيام بغارات بسيطة على المعسكر البريطاني في القرنة، وكان الموضع الذي تحتله القوات التركية جيداً باديء ذي بدء إلا أن مياه الفيضان التي غمرت المنطقة جعلتهم يتمسكون ببعض التلول الرملية المتفرقة بين الروطة وجدول بارباخ، فأصبحت هذه الجزر، حاميات صغيرة متفرقة ومنعزلة ومتباعدة يصعب تموينها أو تعزيزها بالنظر لقلة المواصلات.

 وقد تيسرت للجنرال طاوزند معلومات واضحة ودقيقة عن القوات التركية، ومواضع المدافع بفضل الاستخبارات البريطانية، وفي يوم 31 مايس 1915 قامت القوات البريطانية بقصف مواقع الأتراك والمجاهدين بنار فتاكة، كان رد الأتراك عليها ضعيفا جعل طاوزند يندهش من عدم كفاءة خصمه الآمر التركي حليم بك، الذي أكدت الأخبار عنه انه اتفق سراً مع طاوزند على تدبير خطة لتراجع قواته مقابل عشرين الف ليرة ذهبية.

 انتهت المرحلة الأولى من خطة طاوزند في زهاء ست ساعات بخسائر طفيفة للبريطانيين وذلك بالنظر لتفوق مدفعيتهم الساحق، وتعاون الأسطول النهري، وتفاهة التحصينات التركية، وقد استخدمت القوات البريطانية ثلاثة طائرات جاءت من البصرة وأخذت تحوم في سماء المعركة، وكانت تلك أول مرة يشاهد العراقيون فيها طائرة في السماء،

 وقد كان البريطانيون قبل المعركة حذرين ويخشون من الألغام الموضوعة التي تعرقل تقدم الزوارق والبواخر، فجرى تخصيص قسم من الهندسة مع كل قدمة صولة في زوارق (البلام) تعمل بشكل خاص على تخريب تلك الألغام التي زرعها الأتراك في المنطقة، وكذلك تم تقديم عرض مغري للأهالي مكافأة أربعمائة روبية عن كل لغم يكتشفونه، وعند الشروع بتنفيذ المرحلة الثانية يوم 1 حزيران لم تصادف القوات البريطانية أي مقاومة، وأفادت الطائرات إن الأتراك ينسحبون شمالا وقد اخلوا

 مواضعهم بسبب عدم تمكن الحواجز التركية الموضوعة في النهر من إعاقة تقدم السفن البريطانية، وقد كان انسحاب الأتراك والمجاهدين عقب تلك المعركة غير منظم تسوده الفوضى، فقد ركب بعضهم في المراكب والسفن المحلية والزوارق بينما سار البعض الأخر مشياً على الأقدام، وكانت المراكب التركية تتعقبهم بشدة وترميهم بالقنابل فهلك منهم الكثير ووقع في الأسر منهم بضع مئات.

شرع طاوزند في مطاردة عنيفة بالسفن التي أفلحت باللحاق بالسفن التركية البطيئة، واستولت على

الكثير من المهيلات المملوءة بالجنود والمعدات في العزير، واستمرت المطاردة ليلاً، وقد تم إغراق الباخرتين التركيتين مرمريس وبلبل، واستولي على الباخرة موصل وفي اليوم التالي لصعوبات الملاحة، استؤنفت المطاردة الصغيرة، كومت، وشيطان، وسمانه، ولويس بلي، وتوقفت المطاردة في الليلة الثانية قرب قلعة صالح، واستؤنفت فجر يوم 3 حزيران، إذ دخل الأسطول النهري مدينة العمارة، واحتلها بأربعين شخصاً بالرغم من وجود حوالي 1000 جندي تركي فيها.

 وقد صادف وصول رتل الداغستاني القادم من عربستان الى العمارة مع دخول الأسطول النهري، فاستطاعت نيران الأسطول من تفريق قواته، ولم يقم بأي عمل فعال، مع العلم كانت تلك القوة مؤلفة من زهاء 1500 بندقية، وبهذه الصورة استولى البريطانيون على العمارة وأسروا بين 21 مايس و4 حزيران حين تم وصول القسم الأكبر من قواتهم الى العمارة زهاء 1773 شخصاً، ولم تتجاوز خسائر البريطانيين 25 قتيلاً وجريحاً.

 وقد أورد رسل براودن في كتابه حصار الكوت الجزء الأول ص 56 حنق العشائر العربية التي كانت تلوح بالرايات من جانبي دجلة، عندما كانت القوات البريطانية تتقدم لاحتلال العمارة، ويلقبها بجيش الإنقاذ ( ربما يقصد بذلك المجاهدون)، وبضيف بأنها كانت تصرخ فيهم وتقتنصهم من مسافة كل مساء، ويؤكد على استخدام الرشوة، حين يقول لولا الخيانة لما استطاعت القوات البريطانية من دحر القوات التركية والمجاهدين، لأن المواقع كانت منيعة والكفة راجحة لهم، تلك الحادثة التي لم يحسم أمرها الوردي بل وضعها في باب الاحتمال

 

Comments are now closed for this entry