هل الأزهر هو الذي فجّر الكنيستين؟

المتواجدون الأن

80 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الأكثر قراة

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

هل الأزهر هو الذي فجّر الكنيستين؟

شنّ إعلاميون محسوبون على النظام المصري حملة كبيرة على مؤسسة الأزهر، فحسب أحدهم، أحمد موسى، فإنه «بحّ صوت السيسي على مدى عامين ونصف العام من أجل تجديد الخطاب الديني، ولم يفعل أحد شيئا، البقاء لله في الأزهر، والسيسي أعلن وفاته اليوم»، والمقصود، تأسيس الرئيس المصري «مجلساً أعلى لمواجهة الإرهاب»، وقد شارك في الحملة إعلاميون آخرون كعمرو أديب الذي قال إن «الرئاسة قررت التحرك في ملف تجديد الخطاب الديني بمفردها دون انتظار الأوقاف أو الأزهر بإقرار مجلس أعلى لتجديد الخطاب الديني»، وقامت جريدة محسوبة على الحكومة بإجراء استطلاع خرجت فيه بأن أغلبية المستطلعين اعتبروا أن الأزهر لن يتمكن من «تجديد الخطاب الديني» أو «مواجهة الأفكار المتطرفة».
في موازاة ذلك قام النائب محمد أبو حامد بتقديم مشروع لتعديل قانون تنظيم الأزهر إلى البرلمان، وهو ينصّ على أن يكون تعيين أعضاء هيئة كبار العلماء عن طريق الرئاسة وليس شيخ الأزهر.
إضافة إلى المفارقات والإشكالات الهائلة التي تحتويها، تفتح هذه الحملة مجموعة من الاحتمالات التي لا يبدو أن النظام في مصر مدرك لأبعادها التاريخية والمعرفية والسياسية.
تعتبر العلاقة بين الدولة المصرية الحديثة ومؤسسة الأزهر، تجسيداً للمعادلة المعقدة التي حرّكتها حملة نابليون بونابرت على مصر والتي اعتبرت حافزاً لـ»النهضة» المصرية التي تبنّت نماذج المؤسسات الغربية كالبرلمان والأحزاب والجامعات وأثرت في النخبة المصرية الحديثة، بما فيها الأزهر نفسه، الذي تحوّل من التعليم الديني إلى جامعة للعلوم الحديثة.
كانت المعادلة بين الأزهر والدولة تعبيراً عن توازنات المجتمع المصريّ الفكرية وآماله وآلامه وانقلاباته العميقة التي عبّرت عنها شخصيات مثل طه حسين، ابن الأزهر ثم السوربون الذي انتقل من الدراسة الدينية إلى الاشتباك مع علوم الأزهر التقليدية، ويحيى حقّي، الذي كتب «قنديل أم هاشم»، للتأكيد على العلاقة المعقّدة في مصر بين العلم والتقاليد، وعبد الوهاب المسيري الذي كان أحد أقطاب الحزب الشيوعي المصري وانتهى منظرا كبيراً للإسلام السياسي، وسيد قطب الذي درس في الولايات المتحدة الأمريكية وانتهى كاتبا وأديبا ومنظرا إسلاميا في جماعة الإخوان وحكم بالإعدام بتهمة التآمر على نظام الحكم عام 1966.
بداية، تدلّ الهجمة على الأزهر التي يقودها أشخاص كأحمد موسى وعمرو أديب ومحمد أبو حامد على مستوى الخطاب الفكري والسياسي المتدهور، وعلى تجاهل بائس لضرورة الحفاظ على الاستقلالية النسبية لمؤسسة الأزهر، وعلى رغبة جامحة في تحويل كل المؤسسات في مصر إلى توابع تدور في فلك الجيش والأمن، وعلى تسليم المناصب، بما فيها الدينية والعلمية، لـ»إمّعات» في كل مكان يقول لهم الحاكم كونوا فيكونون.
أول مقاصد الاتهامات الثقيلة الوزن التي يطلقها أصحاب الحملة ضد الأزهر، من قبيل «الفشل بمكافحة الإرهاب»، هو إخلاء مسؤولية أجهزة الدولة (والسيسي شخصياً) عن الفشل المعمّم في الحفاظ على الأمن الأهلي، ولكنّها، حين تضع اللوم على الأزهر، توجّه، من حيث تدري أو لا تدري، ضحايا الإرهاب (وهم في الحالة الأخيرة الأقباط)، نحو المؤسسة التي تمثل الإسلام الرسمي، وهو أمر يفترض، بالتالي وجود صراع إسلامي ـ مسيحي.
هذه السياسة تكشف أن تنظيم «الدولة» ليس الطرف الوحيد الذي يشتغل على الحرب الأهلية وتأجيج الطائفية، وما كنا بحاجة إلى خبر مثل الذي ذكرته جريدة «القبس» عن إطلاق الأجهزة الأمنية المصرية لأحد مفجري الكنيستين بعد تسليم الكويت له، لنستنتج أن مؤسسات النظام المصرية الحالية وأجهزتها الأمنية تتحمل بشكل مباشر أو غير مباشر، المسؤولية في تعميم الإرهاب والطائفية.
الأزهر، في النهاية، مؤسسة لها ما لها وعليها ما عليها، لكنّ عمل أجهزة الأمن على افتراس استقلاليتها النسبية والتحريض عليها خطأ كارثيّ سيدفع المصريون جميعهم ثمنه.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث