ورقة التسوية «السنية» وفقه الهزيمة - يحيى الكبيسي

المتواجدون الأن

69 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الأكثر قراة

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

ورقة التسوية «السنية» وفقه الهزيمة - يحيى الكبيسي

 

قدمت مجموعة من اعضاء تحالف القوى العراقية في 30 آذار/مارس 2017 إلى الأمين العام للأمم المتحدة، لدى زيارته لبغداد، ورقة أطلقوا عليها «الرؤية الموحدة لتحالف القوى العراقية» حول مشروع التسوية التاريخية، وكان على رأس هذه المجموعة سليم الجبوري رئيس مجلس النواب، وأحمد المساري رئيس كتلة التحالف في المجلس، فضلا عن محمود المشهداني بوصفة رئيس فريق كتابة هذه الورقة.

لقد تجنبت هذه الورقة تماما توصيف طبيعة الازمة في العراق، او تسمية هذه الازمة التي تستدعي «تسوية تاريخية»! على الرغم من تنظيرهم لسبب اعتماد هذه العبارة بالقول انها سميت كذلك لأنها «المرة الاولى التي يتم فيها تشخيص أطراف الأزمة بدقة عالية وتحديد الملفات الخلافية التي ظلت سببا لعدم استقرار العراق ووضع الآليات الواضحة لشكل الحل النهائي»! ولم نعرف من هم أطراف الأزمة! ولا طبيعة الملفات الخلافية! ولا آليات الحل النهائي! فجميع هذه المسائل إما تركت معلقة تماما، وخاضعة لعلاقات القوة، فيما يتعلق بتحديد أطراف الأزمة! أو أنها تركت للجنة غامضة الهوية ستتولى هذه المهمة.

فالورقة تتحدث عن مرحلتين لهذه التسوية التاريخية المفترضة؛ مرحلة أولى تتعلق بإجراءات استعادة الثقة تمتد لمدة ستة أشهر، ومرحلة ثانية مفتوحة وغير محددة بزمن «تبدأ بعد الانتهاء من تطبيق اجراءات بناء الثقة وتمتد من تاريخ توقيع وثيقة التسوية والى حين حل الملفات الخلافية الكبرى والبدء بتنفيذ بنود الوثيقة»! لهذا تطرح الورقة مبدأ «الحوار المستدام» من دون الانتباه إلى تعارض هذا المبدأ مع فكرة «التسوية التاريخية» التي تفترض حلا نهائيا وجذريا للأزمة القائمة وهو ما لا يستقيم مطلقا مع مبدأ الحوار المستدام!

تبدأ المرحلة الثانية من خطوة تشكيل لجنة «من أطراف التسوية» بأمر ديواني يصدره رئيس مجلس الوزراء، على ان «يتم اختيارهم بصورة مستقلة»! دون ان تعرفنا الورقة كيف يمكن حل الإشكال التي تطرحه هذه الفقرة: بين أن تكون اللجنة ممثلة لأطراف التسوية من جهة، وبين أن «يتم اختيارهم بطريقة مستقلة»! فهل المقصود هنا أن يتم اختيارهم من من أطراف التسوية بصورة مستقلة! أم أن يتم اختيارهم من رئيس مجلس الوزراء، هو نفسه طرف من أطراف التسوية، بصورة مستقلة! وتكون مهمة هذه اللجنة «دمج اوراق الأطراف كافة على طريقة دمج المشتركات وفرز القضايا الخلافية». ثم تقديم «مقترحات حلول للقضايا الخلافية»! على ان تنتهي من عملها خلال 90 يوما من تاريخ تشكيلها.

الخطوة التالية ستكون «جولات الحوار بين الفرقاء وتوثيق المشتركات الوطنية والعمل سوية على حل القضايا الخلافية»، وهي غير محددة بزمن! والاتفاق النهائي الذي سيتم التوصل اليه، هو الذي سيمثل «وثيقة التسوية التاريخية» المفترضة! وكما واضح فليس هناك تحديد زمني لهذه المرحلة، كما أنه ليس هناك أي تحديد لآليات اتخاذ القرار في هذا الحوار، واخيرا لا تضع الورقة أي اقتراحات في حالة عدم توصل الفرقاء إلى حلول للقضايا الخلافية!

الخطوة الاخيرة ستكون عند هذه الوثيقة «موازية للدستور العراقي» من حيث الحجية القانونية، تتمتع «بالصفة الالزامية في التطبيق وفق آليات محددة واضحة وتحديدات زمنية صارمة»! ولكن الورقة تنقض هذه العلوية التي قررتها لهذه الوثيقة كونها ستكون موازية للدستور، عندما تشير إلى انها يجب أن تعرض على مجلس النواب «لإقرارها كقانون»! ثم تتحدث عن مرحلة أكثر إشكالية عندما تقرر طرح هذا القانون «على الاستفتاء الشعبي العام»!

لقد افتقدت الورقة إلى أية رؤية، وبدت «حيادية» تجاه أطراف الأزمة/ الصراع، بسبب عدم رغبة كاتبيها، ومتبنيها لاحقا، في طرح رؤية «سنية» حقيقية لطبيعة الازمة، أو لرؤيتهم للحلول الواجب اعتمادها للخروج من الأزمة! هكذا وجدنا الورقة تتحدث في فقرة عن ضرورة التزام أطراف التسوية التاريخية بتثبيت هوية العراق على قواعد المواطنة المتساوية من دون تمييز ديني أو طائفي أو عرقي»، أو الحديث عن «إعادة هيكلة وبناء المؤسسات الأمنية والدفاعية على اسس وقواعد ترسخ الوحدة الوطنية وإزالة كل أشكال التمييز الطائفي والعرقي»، ثم تعود في فقرة لاحقة للحديث عن ضرورة التزام أطراف التسوية «بإكمال ملف التوازن السياسي والإداري والوظيفي على نحو يراعي الخبرات والكفاءات وينهي احتكار الكتل والتنظيمات السياسية للوظائف والمناصب مع فسح المجال للشخصيات المستقلة»! فبعيدا عن الكلام الانشائي في الفقرة الاخيرة، فان فكرة «التوازن» التي كانت محل سجال طويل طوال، كانت تعني حصرا التوازن بين «مكونات الشعب العراقي» كما جاء في المادة التاسعة من الدستور. وإذا كان الدستور قد حصر الامر بالقوات المسلحة والاجهزة الامنية، فان الصراع السياسي كان دائما محتدما حول ضرورة توسيع هذا التوازن ليشمل المناصب القيادية في الدولة «من مدير عام فما فوق»! ومحاولة الورقة التحايل على ذلك من خلال كلام انشائي لا معنى له عن التوازن «السياسي والاداري والوظيفي»، خاصة وأن النسخة الأولى للورقة كانت تتحدث صراحة عن «التوازن الطائفي»!

من ملامح افتقار الورقة للرؤية والمعرفة، الحديث فيها عن «إعادة النظر بجولات التراخيص بحقول النفط والغاز بعد الطعن بها امام المحكمة الاتحادية لعدم دستورية تلك العقود، ولكونها تخالف قانون حماية الثروة النفطية والغاز النافذ»! بداية كيف يمكن لوثيقة تسوية تاريخية «موازية للدستور» أن تقزم نفسها لتلجأ للمحكمة الاتحادية من الاصل بدلا من ان تقرر هي نفسها إبطال هذه العقود؟ ثم إن المحكمة الاتحادية نفسها سبق لها أن «تجنبت» الخوض في هذا الموضوع لأسباب سياسية بحت (خضوعها لهيمنة رئيس مجلس الوزراء السابق الذي كان وراء هذه العقود)! كما ان المحكمة الاتحادية ليس من صلاحيتها النظر في انتهاك القوانين مطلقا بموجب الدستور! واخيرا لم تلتفت الورقة إلى التبعات المالية المتعلقة بهذه المسألة! فهذه العقود وقعتها الحكومة العراقية، وبالتالي ستتحمل الدولة العراقية الشروط الجزائية المالية المترتبة على إبطال هذه العقود!

وتضمنت الورقة ايضا فقرة استثنائية في سذاجتها! ويجب اعتمادها كسابقة في التعاطي مع الأمم المتحدة! ومع مجلس الامن! عندما تحدثت عن عرض الصيغة النهائية للتسوية التاريخية على مجلس الامن الدولي «لأجل إصدار قرار تحت الفصل السابع يتبنى الصيغة النهائية لوثيقة التسوية بما يمنع تدخل الدول والمنظمات في هذا الشأن»! ولا تكتفي الورقة بذلك، بل تقرر: «يؤسس مجلس الأمن بموجب القرار اعلاه لجنة دائمة تسمى لجنة «التسوية التاريخية في العراق» هدفها مراقبة مدى التزام أطراف التسوية ببنود الاتفاق، وكذلك مراقبة أداء دول جوار العراق والمنظمات التي ستلتزم بدعم مشروع التسوية في العراق»! من الواضح من هذه الفقرة ان كاتب هذه الفقرة لا يدرك صلاحيات مجلس الامن ولا ماهية الفصل السابع المتعلق بالحفاظ على الامن والسلم الدوليين، ولا علاقة له بالمشاكل الداخلية للدول.

بعيدا عن هذه الإشكاليات والتناقضات والتعويم! تعمد الورقة إلى تحديد بعض أسس هذه التسوية التاريخية المفترضة، فتتحدث عن التزام أطراف التسوية التاريخية «بشكل دقيق وغير انتقائي بالدستور لحين اجراء التعديلات الدستورية»؛ وبـ «قواعد التداول السلمي للسلطة وترسيخها ومنع التفرد بالسلطة»؛ و «قواعد الفصل بين السلطات». وهذه جميعا أحكام دستورية صريحة فشل النظام السياسي القائم في الالتزام بها، ومن ثم بدلا من تكرارها كان يفترض بالورقة مناقشة الأسباب التي أدت إلى عدم الالتزام بها من جهة! ومناقشة الآليات التي يمكن لها أن تمنع استمرار هذه الانتهاك المنهجي لها في المستقبل! وهو ما لم تفعله الوثيقة.

لقد تضمنت النسخة الأولى من الورقة فقرة حول نظام الحكم تقترح فيه أن «يكون نظاما رئاسيا برلمانيا مختلطا»، وقد سبق للسيد نوري المالكي أن انفرد بهذه الدعوة منذ العام 2009! عندما قال بتعديل النظام السياسي في العراق من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي! بموازاة الاعتراض على نظام «الديمقراطية التوافقية»(بنسختها العراقية بالطبع)، والدعوة للنموذج الديمقراطي الذي يمنح «الأغلبية السياسية» حق تشكيل الحكومة. وهي دعوة ضمنية إلى نظام سياسي مختلط رئاسي/ برلماني، على غرار النظام المعمول به في فرنسا، يتم فيه انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع المباشر، ويكون فيه رئيس مجلس الوزراء نتاجا للاغلبية السياسية داخل مجلس النواب، وهذه الدعوة لم يقل بها سواه. وقد حذفت هذه الفقرة من النسخة الاخيرة المقدمة للأمم المتحدة، إلا أن وجودها في النسخة الاولى يدعم حقيقة أن هذه الورقة إنما كتبت بمشورة مباشرة من المالكي، خاصة وأن الشخصيات الثلاثة الذين كتبوا هذه الورقة «السنية» المفترضة يعدون من حلفائه!

لقد تحدثنا في مقال سابق عن معادلة المنتصرين والمهزومين التي حكمت النظام السياسي في العراق بعد 2003، وأن ثمة تيارا سنيا، يقوده الحزب الإسلامي، والقريبون منه، والمتحالفون معه، ومن بينهم الفريق الذي كتب هذه الورقة! بأن السنة في العراق مهزومون، لذلك بدأوا بالتنظير الفكري والعملي لما يطلقون عليه «فقه الهزيمة»! ومن ثم فان الخيار الوحيد المتاح امامهم هو تحسين شروط هذه الهزيمة ما أمكن ذلك! والتي هي تكرار للثيمات التي علمنا إياها البير ميمي، ومالك بن نبي، لكن هذه المرة من خلال تحول في العلاقة من فاعل خارجي ومنفعِل داخلي! إلى فاعل داخلي ومنفعِل داخلي! فبدلا من علاقة المستعمِر والمستعمَر يجب الحديث عن علاقة المهيمِن والمهيمَن عليه! وبدلا من القابلية للإستعمار، سنتحدث عن القابلية للهزيمة

   

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث