من صور التحديث في مدينة النجف في اوائل القرن الماضي - د. طارق الحمداني

المتواجدون الأن

59 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

من صور التحديث في مدينة النجف في اوائل القرن الماضي - د. طارق الحمداني

 

 

خطوط التلغراف مكاتب البريد

نشطت الدعوة لمد خطوط التلغراف في ممتلكات الدولة العثمانية بعد حرب القرم عام 1854, وجرت مثل هذه المحاولات في العراق في ستينات القرن التاسع عشر حيث ربطت بغداد باستنبول بخط برقي في عام1861 .

وفي السنوات التالية ربطت بغداد ببقية مدن الولاية فشمل ذلك مناطق بعقوبة والدليم وكربلاء

مدت خطوط خطوط فرعية الى مدن العراق الاخرى ، بحيث اصبحت جميع تلك المدن مرتبطة بشبكة من الخدمات البرقية في نهاية القرن التاسع عشر. ومدت خطوط التلغراف الى مدينة النجف عام 1311 ﻫ / 1893 م , وذلك جزء من الخط التلغرافي الذي ربط وادي الفرات عن طريق الحلة ومنها الى طويريج فكربلاء والنجف. ومع ان الدولة العثمانية كانت ترمي الى زيادة اتصالاتها مع مدن العراق المختلفة بواسطة خطوط التلغراف لكنها لم تقم باصلاح الخط لعدة اشهر عند انقطاعه بين النجف وكربلاء عام 1905.

ويبدوا ان نوعا من الرعاية والاهتمام قد بذلا لتنظيم دائرة البريد في النجف, وذلك بدليل وجود  مكتب للبريد فيها عام 1906  ( ). هذا مع العلم ان تنظيم مثل هذه المكاتب قد تم في مدينة بغداد منذ  سبعينيات القرن التاسع عشر.

 

ب . سكك الحديد وعربات النقل :

تزامنت مشاريع سكك الحديد في العراق مع مشاريع خطوط التلغراف ، ولكن بينما تم تنفيذ بعض المشاريع الاخيرة ، لا ان مشاريع سكك الحديد قد تعثرت قليلاً بسبب المنافسة بين الدول الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا والمانيا وروسيا ، ومع ذلك فان نوعا من التقدم  قد تم احرازه في هذا المجال قبل نشوب الحرب العالمية الاولى وذلك في مشاريع وادي الفرات .

كانت النجف وكربلاء من بين المناطق التي سعت الدولة العثمانية لايصال سكك الحديد اليهما ، نظر لمكانتهما الدينية وكثرة الزوار القادمين اليهما. بيد ان الشروع الفعلي بخطوط السكك الحديد قد تأخر  . ولم يجر مدها الا عام 1330 ﻫ / 1911 م , حيث باشرت شركة اهلية كان للحاج عبد المحسن شلاش نصيب فيها بمد خط الحديد بين النجف والكوفة (تراموي خيول ) منذ عام 1324 ﻫ.

وقبل ان تكتمل خطوط السكك الحديد , كان هناك خط عربات بين غرب بغداد وكربلاء و النجف , معتمدا بالدرجة الاولى على حركة الحجاج (الزوار) الكثيفة  , حيث سهل هذا الخط عملية النقل الى النجف.

غير ان عملية النقل بواسطة العربات التي تجرها الخيول او البغال لم تجر بصورة منتظمة ، وذلك لانعدام الطرق المعبدة وعدم امكانية سيرها في اوقات سقوط الامطار والفيضانات . ومع ذلك يقدر لوريمر عدد العربات التي تسير ما بين

كربلاء والنجف عام 1905 ب- 9 عربات  .

 واصبحت هناك حركة لسير العربات ما بين بغداد وكربلاء والنجف قبل اندلاع الحرب العالمية الاولى  .

  4 . محاولات التعمير والارواء

1 . المحاولات العمرانية في النجف

قبل الحديث عما جرى في النجف من تطوير , لابد من القاء نظرة على حالة المدينة وطبيعتها , ومن ثم عرض الامور الجديدة التي استحدثت فيها .

تتفق اغلب المصادر ان مدينة النجف تقع على ارض فسيحة مرتفعة على حافة الصحراء الغربية وفي الجنوب الشرقي (كذا) - والصواب الجنوب الغربي - من هذه المدينة وفقا لماذكره السعدي .

كان هناك بحيرة او (بحر النجف) التي يبلغ طولها عشرة فراسخ وكذلك عرضها , وعمقها ثلاثة اذرع الى عشرة ، ترد اليها السفن من البصرة في نهر الفرات , وتدخل اليها بقرب قرية يقال لها الشفافية . وقد سافرت ورايتها سنة 1285 ﻫ- 1287 ﻫ- وسنة 1310 ﻫ- نشفت وصارت قاعا صفصفا . وفي وقتنا هذا (اعني سنة 1325 ﻫ-) صارت ارض تلك البحيرة كثيرة الزرع والخصب وتسقى من نهر الفرات".

وفي وسط المدينة يقع مشهد الامام علي (ع) وتنتشر حوله الاسواق والمدارس والزوايا ودور السكن وفي الوقت الذي يبدي فيه جون اشر اعجابه الشديد بالزينة والمقرنصات الموجودة في الصحف الشريف , الا ان حالة المدينة لم تكن كذلك ، عند زيارته لها في 28 كانون الاول 1864 ، اذ يقول :

انها بحالة خربة جداً مع كونها تضم ضريح الامام علي ع , وان نفوسها لاتكاد تتجاوز الخمسة الاف نسمة ، اي بمقدار عشر سكان كربلاء,التي كانت تعد على جانب اكبر من الازدهار والتقدم ".

وبينما يقدر جيري  . عدد سكان المدينة ب- اثني عشر الف شخص في عام 1878 , فان هذا الرقم يتضاعف في تقدير بيترز عام 1890 الذي يقول:

تبدو النجف مدينة مزدهرة , ويقدر عدد نفوسها بعشرين الى ثلاثين الف نسمة ".

ومثل هذه الزيادة لايمكن ان نوعزها الا الى حالة التطور والتوسع في الحياة المدنية للنجف ، هذا مع العلم ان لوريمر اشار الى نفس الرقم الذي اشار اليه بيترز ولكن في عام 1907 م  .

يحيط بالنجف سور حجري عالي اشبه مايكون بسور مسجد الكوفة ، يحيط بها بصورة منتظمة  . ويبدوا ان بناء هذا السور قد تم - حسب ما اشار اليه بيترز على حساب مدينة الكوفة , اذ شاهد هذا الرحالة كثيرا من الدواب وهي تنقل الاحجار الى النجف من انقاض مدينة الكوفة , وينطبق هذا الامر ايضا على بناء البيوت في النجف  .

لم تكن اسوار مدينة النجف وحصونها ، الاجزء من عمليات الحماية التي وضعت لها ، فالمدينة كانت معرضة لهجمات الاعراب المتكررة ، وقد اتخذت

 

اجراءات معينة لدرء تلك الهجمات يصفها لنا جيري بقوله:

"تقع النجف على حافة الصحراء , لذا يواجه الحجاج (الزوار) صعوبات عديدة في الوصول الى الضريح . ولذا هيا بعض الاتقياء الموسورين اماكن لتذليل تلك الاخطار , وذلك في المناطق المجاورة للمدينة ذاتها . اذ عملت بيوت لايوائهم ، وامتازت تلك البيوت بانها ذات ابواب واطئة ، يمكن دخول الحاج (الزائر) اليها مع دابته , مما يبعده عن اي هجوم قد يقوم به الاعراب , عندما يكون في الحراء كما حفرت الابار لارواء القادمين ".

شهدت النجف نوعا من التوسع العمراني في اواخر القرن التاسع عشر ، ولكن هذا التوسع اقل مما هو عليه الحال في كربلاء ، باعتبار ان الاخيرة كانت مركز للواء ، في حين ان النجف احدى اقضيته . ومع ذلك فان الاهتمام بمدينة النجف وتوسيعها كان موجودا باستمرار , بوصفها المركز الديني المهم الاخر في العراق . ففي اثناء جولة مدحت باشا التفتيشية في المدن العراقية زار كربلاء فقرر انشاء محلة جديدة خارج القصبة بسبب ضيق المدينة , ولكثرة عدد السكان والزوار الاجانب , وسميت المحلة الجديدة بالعباسية . وعلى ذلك طالب اهالي النجف بتوسيع قصبة القضاء للأسباب ذاتها.

ويستفاد مما اوردته جريدة الزوراء ، ان عمليات بناء فعلية قد بوشر بها في مدينة النجف اذ جاء فيها :

 "نظراً الى المعلومات التي بلغتني في النجف الاشرف ان الارض الفسيحة التي يصادفها الداخل الى القصبة قد انشئ وبني فيها كم دار ودكان وخان باسم خان البلدية المحلية . والفضاء المذكور أوسع موضع في البلد والدور والخانات التي بنيت ايضا قد أنشئت بطرز بهي حسن لطيف,  فلذا جعلت تروق الناظرين. ويوجد في النجف من المجاورين خلف كثيرا مما عدا أهاليه , فمن ثمة كان المأمورون المحليون يقاسون مضايقة  في خصوص تأجير الدور ، الا انه بتأسيس هذه الدور سيحصل الرفاه .

والابنية المذكورة جامعة لمحسنات ثلاثة , تحصل بها الفائدة للبلدية كالمعمورية والرفاه والاسكان ".

ولهذه الاسباب جرت عملية الاعمار في قضاء النجف , الا ان هذه العملية قد تعطلت - ويعلل ذلك محبوبة بقوله : 

وقفت الحركة وتعطل السير وتركت العمارة ، فان الحكومة التركية العثمانية بعد ان اعلنت بيعها ورغبت الكثير من شرائها اضربت عن البيع وحضرت العمارة فيها بزعم انها من الموقوفات فتركت الدور فعادت خرابا لم تذكر وضاعت اثارها ".

واكد لوريمر هذا الاتجاه حيث قال :

ومساكن النجف اغلبها من الطوب والملاط والمباني الحديثة من الطراز العصري وتحل محل المباني على الطريقة القديمة . ومجهودات السلطة التنفيذية حتى الوقت الحاضر (اي 1907) قد اعاقتها الاوقاف او قسم الاوقاف الدينية ".

ومع ذلك كله , فان عملية التوسع العمراني في النجف لم تقتصر على داخل اسوار المدينة , وإنما تعدتها الى مناطق خارجها ، وهذا ما اشار اليه لوريمر بقوله:

و بها (إي النجف ) حوالي عشرين نزلا للمسافرين في احياء مختلفة منها خمسة او ست خانات جيدة البناء بالطوب على الطراز الحديث وتقع خارج المدينة في الناحية الشمالية الشرقية على بعد (25) ياردة من أسوار المدينة.

 محاولات إيصال الماء إلى النجف

قاست مدينة النجف انواع المحن بسبب ماء الشرب الذي كان معضلتها رغم الجهود التي بذلت لهذا الغرض طوال العصور الحديثة . وبمقدار ما يتعلق الامر بإيصال الماء إلى النجف في الربع الاخير من القرن التاسع عشر وما عقب , ذلك نشير أولا الى المحاولة التي تمت عام 1288 ﻫ 1872 م وقد اوردت الزوراء الاسباب الموجبة لهذه المحاولة بقولها :

لا يخفى ان قصبة النجف الاشرف على إلفين الى ثلاثة ألاف دار تحتوي على عشرة الى خمسة عشر الف نفس من الاهالي وفي كل سنة يرد اليها من ايران والهند ومن سائر المحال مقدار ما يتجاوز عن ثلاثين بال أربعين الف نسمة من الزوار وكل هذه الخلايق تشرب من الماء الواقع خارج القصبة , وهذا الماء وان كان في اصله قد تشعب من نهر الفرات , الا ان الاراضي التي يمر عليها لما كانت ملحا اجاجاً فان طعمه يتغير ويتمرمر, فمن هذه الجهة ترى كافة الاهالي وغيرهم يعانون المشقة من ذلك").

هكذا كانت معاناة مدينة النجف ، الا ان جهود الخيرين من سكنة المدينة ، قد ادت الى فتح جدول من نهر الفرات فوصل الماء العذب اليها .

على ان اوثق من ارخ لنا حفر هذه الجداول المؤرخ الشيخ عبود الكوفي (1352ﻫ ) بوصفه شاهد عيان لذلك اذ يقول :

 " هذه القناة معروفة بكري الشيخ سعد, اجتمع خلق كثير على الحفر من جميع الاطراف , فلما عسر عليهم حفرها مكشوفة عزموا على حفر قناة تحت الارض فاخذوا يحفرون ابارا  ويثقبون بينها ثقبا عاليا ويبنونه بالكلس والحجر الى ان الملت القناة , وجرى الماء فيها ووضعوا لها بركة حول بحر النجف ".

وكان وصول الماء الى النجف, كما نقله الكوفي عن مؤرخ الكوفة المعروف حسين البراقي قد تم بتاريخ الثالث من رمضان في سنة 1288 ﻫ .

جرت بعد ذلك محاولات اخرى لايصال الماء عبر منخفض النجف الى المدينة كان ابرزها نهر عبد الغني او الحميدية, الذي كان غرضه نقل الماء من الفرات وايصاله الى النجف عام 1305 ﻫ / 1887 م . وسمي هذا النهر الحميدية نسبة الى السلطان عبد الحميد الثاني (1876 - 1908 ). فغلب على اسم الوالي (عبد الغني ) , او نهر السنية كما تسميه العامة.

قل تدفق الماء عبر النهر المذكور بحيث ان شكاية قدمها وجهاء النجف الى والي بغداد بتاريخ 3 رجب 1306 ﻫ / 1888 م ضد وكيل سنية الجعارة سابقا عبد الغني جاء فيها :

اشرف نهر الحميدية على ان لايبقى له اثر وتندرس هذه الخيرية ، اذ ليس لها مباشر ولا وكيل ولا ناظر , وكذا نرجع ولا ماء يطلب ولاعذب يشرب على ماكان عليه من سوء الحال ونشرب الماء الملح بعد العذب الزلال ".

اثمرت هذه الشكاية بحيث اضطرت السلطة العثمانية الى محاولة جديدة لايصال الماء الى النجف عام 1310 ﻫ / 1892 م ويقول الكوفي المعاصر في ذلك :

ومن التجديد النهر المعروف (بنهر الحيدرية ), وهو ان اهل النجف اشتكو ضيق الماء فعمد قائم مقام النجف خير الله افندي وجمع العشائر وحفر نهراً من الفرات الى قريب من البركة وسماه (نهر الحيدرية ) .وجرى الماء فيه بهذا التاريخ واذا اليوم يشربون منه واذا هبت ريح عاصفة وسفت عليه الرمول انقطع الماء عنهم فيلجأون الى ماء الابار او يحفرون في وسطه اباراً فينبع فيه الماء فيشربون حتى يصلحوه.

والاغنياء منهم يحمل اليهم الماء من الجسر (من مواضع الكوفة الحديثة ) , الذي هو قرب مسجد الكوفة ولا يستطيع الضعفاء منهم ان يشتروه لشدة غلائه ".

هكذا عانت النجف من مياه الشرب خلال الف وثلاثمائة سنة حتى جاء اليها العلم الحديث فحل تلك المعضلة بايجاد المضخات فغدت المدينة تشرب ماءً فراتاً ، بعد فشل كثير من المحاولات لايصاله اليها . وكذا هو الشأن بالنسبة لامور التحديث الاخرى , كالبرق والبريد ووسائل النقل والمواصلات التي جعلت مدينة النجف اسهل ارتباطا مما كان عليه في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين

 

Comments are now closed for this entry