الانتخابات الفرنسية: رميم اليمين ورماد اليسار - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

142 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الأكثر قراة

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

الانتخابات الفرنسية: رميم اليمين ورماد اليسار - صبحي حديدي

مضى زمن طويل منذ أن شهدت فرنسا ثورة، أو حتى محاولة إصلاح جذرية؛ تجزم أسبوعية «إيكونوميست» البريطانية، في ما يشبه التكهن بأنّ ثورة ما توشك على الوقوع هنا، في مناسبة الانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي تبدأ جولتها الأولى يوم 23 نيسان (أبريل) الجاري. ليس التشخيص صحيحاً بالطبع، إلا إذا وُضع في النصاب المعتاد الذي تعتمده أسبوعية محافظة ويمينية لمفهوم «الثورة»، أو حتى «الإصلاح»؛ إذْ في وسع المرء أن يضرب مثالاً واحداً، حديثاً، في احتجاجات 1968 التي أطاحت بالجنرال شارل ديغول (أيقونة فرنسا الأبرز منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم ربما)، وأرست سلسلة مواضعات سياسية واجتماعية وفكرية ما تزال فاعلة وراسخة.
ليست هنا المسألة التي تعني هذه السطور، بل حقيقة أنّ الانتخابات الرئاسية القادمة تبدو بالفعل حالة فارقة بالقياس إلى جميع سابقاتها، على امتداد عقود الجمهورية الخامسة؛ التي دشنها الجنرال/ الأيقونة نفسه، في سنة 1958، على أنقاض جمهورية رابعة برلمانية وشبه رئاسية، انتهت إلى ما يقارب الشلل الدستوري.
 الأكثر جدوى، في المقابل، هو التأمل في احتمال نوعي كبير، قد يصبح حقيقة صاعقة مساء الأحد القادم: أنّ «اليمين» الديغولي، و»اليسار» الاشتراكي، اللذَين تناوبا على حكم فرنسا منذ إطلاق الجمهورية الخامسة، قد يخرج مرشحاهما ـ فرنسوا فيون وبنوا هامو، على التوالي ـ من الدور الأوّل؛ وأنّ البديل قد ينحصر في ممثلة اليمين المتطرف مارين لوبين، وممثل الليبرالية التكنو ـ مصرفية إمانويل ماكرون.
المفارقة التالية، والتي تجسدت طيلة الأسابيع الماضية ولا تحتاج إلى برهة الحقيقة بعد يومين؛ هي أنّ تسعة على الأقلّ، من أصل أحد عشر مرشحاً، يزعمون مرجعية عليا مشتركة، هي… الجنرال/ الأيقونة، دون سواه! حتى لوبين، مرشحة «الجبهة الوطنية»، تعتبر أنها الوريث الأصدق الناطق بلسان ديغول، في ميادين ثلاثة تشكّل «أقانيم» عقيدتها: الاستقلال، الهوية، والأمن. وأمّا فيون، ممثّل حزب «الجمهوريين» والديغولي «الرسمي» كما يتوجب القول، فقد صنع مفارقة مبكرة حين طلب من أهل اليمين أن يتخيلوا الجنرال محالاً إلى القضاء ومرشحاً رئاسياً في آن (غامزاً من قناة منافسه، يومذاك، نيكولا ساركوزي)؛ فوقع في شرّ مطلبه هذا، إذْ هو اليوم المحال إلى القضاء، و… المرشح! ماكرون، من جانبه، يزعم شرعية ديغولية على اليمين تارة، وشرعية اجتماعية على اليسار تارة؛ كيف لا وقد كان وزيراً في حكومة اشتراكية، قبل أشهر معدودات، ثمّ استقال لأنّ سياساتها لم تكن ليبرالية كما يشتهي ويحبّ! جان ـ لوك ملنشون، مرشح «الإباء» الفرنسي، لا يعود إلى الجنرال بالطبع؛ إذْ يحلو له أن يمتدح هوغو شافيز مرّة، ومرّة أخرى… فلاديمير بوتين!
حال أشبه بالسعي إلى نفخ الحياة في رميم اليمين، أو إحياء اللون القاني في رماد اليسار؛ أو، على صفّ اليمين المتطرف، تجميل وجه جان ـ ماري لوبين، الأب المؤسس لـ»الجبهة الوطنية»، عن طريق إخضاع ابنته لجراحة تجميلية موازية»، ولكن دون القدرة على إرسال الإرث الثقيل، بأفكاره العنصرية والرهابية الأثقل، إلى رفوف التاريخ. ولكي لا يشعر كاتب الـ»إيكونوميست» بافتقاد حسّ الثورة في فرنسا، كان الراحل بيير بورديو، أحد آخر المفكرين المحترمين في فرنسا المعاصرة، بين قلة قليلة ممّن أقلقتهم هذه الحال، مبكراً؛ خاصة في قراءة شبكة العلاقات المعقدة بين رأس المال المعاصر والخطابات ما بعد الحداثية، دون الوقوع في إغواء الألعاب النظرية التي تطمس التاريخ كشرط أوّل لاستيعاب الحاضر. 
ولم يكن غريباً، بالتالي، أن يشارك بورديو، ونفر قليل من ممثّلي هذه الأقلية الفكرية، في اجتماع مع القيادات النقابية التي أدارت الإضراب الكبير شبه الشامل الذي شلّ الحياة اليومية الفرنسية طيلة أسابيع، أواخر العام 1995. ولم يكن غريباً، أيضاً، أن يضع إصبعه على الغور العميق للجرح الحقيقي، أي اغتراب المجتمع الفرنسي بين خيارين أحلاهما مرّ، شديد المرارة: الليبرالية الهوجاء التي تخبط في الإصلاح خبط عشواء، والبربرية الوقحة لنفر من التكنوقراط يرون أنهم يعرفون الدرب إلى سعادة الأمّة أكثر من الأمّة نفسها، قبلها وبعدها وفي غيابها إذا اقتضى الحال. فكيف إذا اختلط الحابل بالنابل، اليوم، وتناطح أحد عشر مرشحاً على أشبار محدودة من مساحة خبط العشواء هذه!
يومها عفّ بورديو عن التذكير بأنّ المواطن الفرنسي يعيش في نظام ديمقراطي يعطيه الحق في ممارسة الإضراب، الشامل الكامل المفضي إلى شلل شبه تامّ؛ مثلما يعطيه الحقّ في الذهاب إلى صندوق الاقتراع، ووضع الورقة التي يشاء، منتخباً مَن يشاء. بمعنى آخر، في أواخر 1995 ـ كما تكرر، أو سوف يتكرر، في كلّ جولة انتخابية، رئاسية أو تشريعية أو بلدية ـ كان المواطن الفرنسي هو الذي انتخب هذا النفر من ممثليه؛ وكان يعرف ـ أو توجّب عليه أن يعرف ـ جيداً أنّ البرامج القادمة ستكون هكذا. وكما يحدث في كلّ مرّة، يمارس المواطن الفرنسي ما يشبه «فشّة الخلق» ضدّ الجهاز الحاكم، رئيساً أو مجلساً وطنياً أو بلدية؛ ضدّ اليمين تارة، وضدّ اليسار طوراً، في انتظار أن يكون لكلّ من اليمين المتطرف أو اليسار المتمرد حصّة مستقبلية في العقاب!
وذات يوم أطلق جيم هوغلاند، المعلّق الأمريكي اليميني المحافظ، صفة «الجنون» على حركات تظاهرات طلابية واسعة اجتاحت فرنسا سنة 2005، احتجاجاً على ما عُرف باسم «عقد الوظيفة الأولى». ولقد ردّ هوغلاند «جنون» تلك الأيام إلى جنون سنة 1789، أي عام الثورة الفرنسية التي لم تبدّل وجه فرنسا مرّة وإلى الأبد، فحسب؛ بل قلبت أوروبا بأسرها، رأساً على عقب. لكنّ المعلّق الأريب تعامى، عامداً بالطبع، عن الحقائق الجوهرية التي تخصّ سلسلة مآزق الليبرالية الوحشية، والطور الراهن من مآلات اقتصاد السوق وقوانينه. وتجاهل، كذلك، أنّ الظاهرة ليست منقطعة الصلة عن اعتمالات الحاضر الفرنسي، الذي تتضاعف عواقبه كلّ يوم: داخل الجمعية الوطنية، خلف الأعمدة الثقيلة لهذا الصرح التاريخي العريق الذي شهد وقائع كبرى ليس أبرزها «إعلان حقوق الإنسان»؛ وغير بعيد عن ساحة الكونكورد، حيث تذكّر المسلّة المصرية بأمجاد جنرال الثورة الفرنسية نابليون بونابرت، وأمجاد التاريخ الاستعماري الفرنسي في آن معاً.
استطلاعات الرأي، إذا صحّت خلاصاتها حتى بنسبة ضئيلة، تشير إلى حيرة الفرنسي بين يمين متطرف، ووسط ليبرالي ويمين تقليدي؛ ليس دون تلوينات «يسارية» عند الوسط، أو حنين إلى إنزال العقاب عن طريق ترجيح التطرف. وهذا، في حدود دنيا، قلق عميق حول الهوية، وذعر من مستقبل غامض أو شبه غامض، وحذر من متغيرات عاتية… عناصر قد تأخذ الفرنسي على حين غرّة، وتضعه بين مطرقة الليبرالية البربرية، وسندان الليبرالية التكنوقراطية، على حدّ تعبير بورديو. ومنذ 1968، ثورة المجتمع المدني التي أسقطت الجنرال/ الأيقونة عن عرش مكين، تبحث فرنسا ـ بصمت مخدَّر تارة، وبصخب مؤلم طوراً ـ عن هوية فكرية وثقافية واجتماعية للخروج من حال تأرجح طويلة بين الماضي والحاضر؛ وبين تراث الجار الألماني على مبعدة أمتار، والحليف الأمريكي ما وراء المحيط.
وفي نحو اللغة الفرنسية ثمة صيغة فعل خاصة هي «الزمن الماضي الناقص»، وكان عدد من المفكرين قد تتبعوا انتقال هذا الزمن من فقه اللغة إلى فقه الحياة اليومية، ولم يجدوا صعوبة كبيرة في وصف الحاضر الفرنسي بالزمن الماضي الناقص. أو، في تشخيص آخر، حال الحيرة بين رميم اليمين، ورماد اليسار!

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث