روحاني و«الخطوط الحمر» التي يستحيل تجاوزها - محمد المذحجي

المتواجدون الأن

72 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

روحاني و«الخطوط الحمر» التي يستحيل تجاوزها - محمد المذحجي

  لا تسمح تركيبة النظام الإيراني ومؤسساته المتعددة والعلاقات المعقدة فيما بينها، لرئيس البلاد أن يخرج عن الأُطر والسياسات المرسومة وأن يصدر قرارات سيادية، وفي واقع الأمر صلاحيات الرئيس في إيران لا تفوق صلاحيات رئيس الوزراء في دول أخرى. وعلى سبيل المثال، يشرف المجلس الأعلى للأمن القومي (الذي يتكون من 13 عضواً من القادة الأمنيين والعسكريين ويترأسه رئيس الجمهورية) على الملفات الأمنية والسياسة الخارجية إشرافاً كاملاً وتنفذ الحكومة قرارات هذا المجلس بعدما صادق عليها المرشد الأعلى. ويحدد مجمع تشخيص مصلحة النظام (الذي يتكون من 47 عضواً ويعينهم المرشد الأعلى) السياسات العامة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويصادق قائد البلاد على قرارات هذا المجمع لتنفذها الحكومة. فالنتيجة هي أن رئيس الجمهورية في إيران هو ليس إلا منفذ لقرارات المؤسسات السيادية التي تقع بالكامل تحت إشراف الولي الفقيه.
وفي قطاع الاقتصاد، عرضت حكومة روحاني برنامج الـ12 لتنمية البلاد بعنوان «إيران الجديدة» في 255 صفحة و10 فصول، قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة كأحد أهم محاور حملته الانتخابية، لكنها لم تتطرق إلى المشاكل الأساسية التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني، ولم تضع حلولاً لها.
وتوضح حكومة روحاني سبب فشل الاقتصاد الإيراني في مقدمة برنامج الـ12 لتنمية البلاد كالتالي «نحن نحتاج برنامجاً اقتصادياً يعتمد على التقنيات الحديثة والحلول النوعية، ويتطابق مع معايير البيئة للحفاظ عليها. لكننا لم نستطع أن نحقق هذا المهم، وحققنا بعض التقدم في العديد من القطاعات، لكنه ينبغي علينا أن نعترف بصدق أننا نبتعد كل البُعد عن المكانة التي تستحقها إيران كقوة إقليمية وقوة اقتصادية مؤثرة».
وأضافت أنه وخلال العقود الـ3 الماضية تعاني البلاد من نسب منخفضة للنمو الاقتصادي، وأن اقتصاد البلاد يعتمد بشكل كبير على الإيرادات النفطية، وأنه يعاني من سيطرة القطاع الحكومي، وأن الصناعة الإيرانية لا تستطع أن تنتج بضائع يمكنها أن تنافس البضائع المشابهة في الأسواق العالمية، موضحة ً أنه ومن هذا المنطق يستحيل تحقيق النمو الاقتصادي المطلوب والمتواصل ووضع حد لأزمة البطالة التي تتفاقم يوماً بعد يوم. واكتفت فقط بالتشديد على ضرورة وضع حلول عاجلة للأزمة الاقتصادية خاصةً تفشي ظاهرة الفقر، والبطالة، والعجز المتواصل والمتزايد في ميزانية البلاد، والانخفاض المستمر في جودة الخدمات العامة، واتساع الفجوة بين الحالة الاقتصادية للمحافظات الإيرانية، دون عرض حلول على المديين المتوسط والبعيد أو حتى توضيح تفاصيل الحلول العاجلة. بينما شكك العديد من المحللين الاقتصاديين الإيرانيين في جدوى العديد من بنود هذا البرنامج.
وامتنع روحاني عن التطرق إلى مجموعة من الإشكاليات الأساسية التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني، لأنها تعتبر من «الخطوط الحمر الاقتصادية» وحاول ألا يصطدم مع السياسات والأُطر التي تم وضعها في المجلس الأعلى للأمن القومي ومجمع تشخيص مصلحة النظام وصادق عليها المرشد الأعلى. ولم يوضح برنامج «إيران الجديدة» ما هي كيفية فرض الرقابة والمحاسبة على الإمبراطوريات المالية العظيمة التي يشرف عليها المرشد الأعلى، ومنها مؤسسة إدارة الضريح الإمام الـ8 للشيعة في مشهد (أموالها أكثر من 60 مليار دولار وهي أكبر مؤسسة خيرية في العالم الإسلامي) ومكتب المرشد الأعلى (أمواله لا تقل عن 95 مليار دولار) ومنظمة المستضعفين (أكثر من 50 مليار دولار) فضلاً على أن الحرس الثوري يستحوذ على سُدُس إجمالي الناتج المحلي الإيراني. ولا تدفع العديد من هذه المؤسسات التي تخضع لإشراف المرشد الأعلى، الضرائب المترتبة على الأنشطة الاقتصادية إلى الحكومة، فضلاً على أن مجلس النواب لا يستطع محاسبتها ولا مساءلة مسؤوليها.
ورغم أن الخبراء الاقتصاديين يقدرون أن المؤسسات الاقتصادية التي تعمل خارج إشراف الحكومة ومساءلة البرلمان، تستحوذ على ما لا يقل على 40 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، لكن الرئيس الإيراني لم يعط أي رؤية واضحة ولو على المدى البعيد لإخضاع الأنشطة الاقتصادية والتجارية للشركات التابعة للمرشد الأعلى والحرس الثوري والمؤسسات الدينية للمحاسبة المالية أو إدخالها في الأنشطة التي تعزز الاقتصاد العام للبلاد، أو في أدنى تقدير إرغامها على دفع الضرائب. واحترم روحاني بذلك «الخطوط الحمر» للنظام الإيراني والتي لا تشمل صلاحيات الرئيس الإيراني ولا يحق له أي مطالبة أو مساءلة لذلك، حسب الدستور الإيراني.
واكتفى برنامج «إيران الجديدة» بالقول «لا تخضع العديد من المنظمات الاقتصادية العامة وغير الحكومية والشركات التابعة للمؤسسات الدينية إلى المساءلة والمحاسبة، ولا تدفع بعضها الضرائب. بينما لا يمكن حل العديد من مشاكل البلاد الاقتصادية دون خضوع هذه المؤسسات إلى القانون كباقي المؤسسات الاقتصادية الحكومية والخاصة».
ويصف الخبراء الإيرانيون الجزء من الاقتصاد الإيراني الذي لا يخضع إلى المساءلة، «الجزء الرمادي للاقتصاد» ولا يوجد أي أفق واضح لا على المدى القريب ولا المدى المتوسط ولا المدى البعيد أي إمكانية لإخضاع الأنشطة الاقتصادية للشركات التابعة لمكتب المرشد الأعلى والحرس الثوري والمؤسسات الدينية للقانون، والسبب هو أن تركيبة النظام الإيراني لا تسمح بذلك، وأن المنافع الاقتصادية التي تجنيها الجهات السياسية والدينية تقدر بمئات المليارات الدولارات، وأن هذه الجهات استطاعت أن تؤسس إمبراطوريات مالية عظيمة تنافس القطاعين الحكومي والخاص.
وتجاهلت حملة روحاني الانتخابية التأثير الكبير للسياسة الخارجية الإيرانية على الاقتصاد، التي تسببت في انهيار الاقتصاد بسبب سلوك الدولة الخارجي وفرض عقوبات دولية وغربية على البلاد، فضلاً على إنفاق مئات المليارات من الدولارات على عشرات الميليشيات المسلحة في العراق وسوريا واليمن ولبنان وشمال أفريقيا. ويقدر المحللون الاقتصاديون الإيرانيون أن طهران انفقت أكثر من 50 مليار دولار في سوريا خلال السنوات الـ6 الماضية فقط.
والنقطة الأساسية هي أن الحكومة لا تستطع أن تتخذ قرارات سيادية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، ويتم وضع أسس استراتيجيات إيران الخارجية في المجلس الأعلى للأمن القومي بعد مصادقة الولي الفقيه عليها. واكتفى روحاني في برنامجه الاقتصادي بالقول إن وزارة الخارجية والحكومة تفتقران إلى الصلاحيات اللازمة لتحديد الأطر والاستراتيجيات المتعلقة بسياسة البلاد الخارجية.
والإشكالية البنيوية الأخرى أن 85 في المئة من الاقتصاد الإيراني هو في قضبة القطاع الحكومي والشركات العامة التي يشرف عليها المرشد الأعلى والحرس الثوري والمؤسسات الدينية، ويسيطر القطاع الخاص على 15 في المئة من الأنشطة الاقتصادية في البلاد فقط. ما يؤدي ذلك إلى عرقلة الاقتصاد وخفض نسب النمو الاقتصادي، فضلاً عن تدني مستوى الإنتاج في إيران. والإنتاج هو الأساس ويتصدر جميع الحلول المطروحة لوضع حد للبطالة والفقر وتحقيق التنمية المطلوبة. لكن الاقتصاد الإيراني يفتقر للبنية اللازمة حتى يكون اقتصاداً منتجا، وأدى ذلك إلى تضخم قطاع الخدمات في البلاد بسبب ضعف البنية الإنتاجية وتفشي الفقر.

   

 

 

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث