غويتيسولو: بُغْض القهر وتكريم الحياة - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

68 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

غويتيسولو: بُغْض القهر وتكريم الحياة - صبحي حديدي

في أربع دورات متعاقبة، تشرفت بعضوية لجنة تحكيم «جائزة محمود درويش للحرّية والإبداع»، فمُنحت إلى أهداف سويف وبرايتن بريتنباخ، خوان غويتيسولو ومحمود شقير، زهير أبو شايب وجليلة بكار، حنا أبو حنا ودار النشر الفرنسية «أكت سود». وفي سنة 2010، حين فاز غويتيسولو (1931 ـ 2017)، شرّفتني لجنة التحكيم بكتابة حيثيات منح الجائزة، وأستعيد اليوم بعض أفكاري تلك؛ الآن إذْ يرحل الأديب الإسباني الكبير، الذي ـ للتذكير الأخلاقي الضروري، والمفيد ـ رفض جائزة القذافي الفلكية (200 ألف دولار)، وقبل جائزة درويش الرمزية (25 ألف دولار).
وحين كان على قيد الحياة، اتفقت غالبية من نقاد الأدب الأوروبي ومؤرخيه على اعتبار غويتيسولو أعظم كتّاب إسبانيا الأحياء، ليس لأنّ أعماله هي الأكثر ترجمة إلى اللغات الحية بعد ثيربانتيس، صاحب «دون كيخوته»، فحسب؛ بل كذلك لأنّ تلك الأعمال مدّت الكثير من جسور التواصل مع الثقافات واللغات الأخرى، ولا سيما الثقافة العربية والإسلامية، وأرست ركائز راسخة للاغتناء المشترك والاحترام المتبادل.
وكتابات غويتيسولو، الإبداعية والفكرية والصحافية، حول استقلال الجزائر والقضية الفلسطينية والبوسنة والشيشان وغزو العراق ونقد أنظمة الاستبداد العربية؛ شكّلت، من جانبها، أدب انحياز صريح إلى الحقيقة، وامتداح نبيل للحقّ في المقاومة، وهجاء مرير للتاريخ الاستعماري الغربي، ولكلّ ما هو زائف في سرديات أوروبا عن الآخر.
وعلى نحو خاصّ، كان غويتيسولو قد أخضع الثقافة الإسبانية إلى نقد معمّق، ولاذع تماماً، وشدّد على العواقب الوخيمة التي نجمت عن الموقف السلبي من المنجز الأندلسي، والانغلاق على الذات، وإطلاق أطوار شمولية ورجعية خيّمت ظلماتها على روح إسبانيا طيلة قرون. وفي ثلاثيته الشهيرة، «علامات الهوية» و«الكونت جوليان» وخوان بلا أرض»، التي صدرت خلال سنوات 1970 ـ 1975؛ هزّ غويتيسولو الضمير الإسباني باحتفائه بسبعة قرون من الثقافة التعددية التي أدخلها العرب إلى البلاد، وبفضائل اللغة والآداب العربية، لا سيما الشعر؛ مقابل الردّة التي تمثلت في محاكم التفتيش، وطرد العرب، والركود الفكري، وتعطيل الحداثة، و«الدخول في إجازة طويلة بعيداً عن التاريخ»، حسب تعبيره.
وعلى امتداد قرابة 50 مؤلفاً، في الرواية والسيرة والمقالات الصحافية وأدب الرحلات، عكس غويتيسولو ذلك البغض المبكّر لأنساق القهر كافة، والتي كان وعيه قد تفتّح عليها حين سقطت أمّه ضحية إحدى الغارات التي شنتها قوّات الجنرال فرانكو على مدينة برشلونة، خلال الحرب الأهلية لسنوات 1936 ـ 1939. ولقد صودرت كتبه، ومُنعت، فصار شهيراً لدى أقسام الشرطة أكثر من شهرته في المكتبات كما عبّر ذات مرّة؛ فغادر إسبانيا إلى فرنسا، حيث عقد صداقات أدبية وفكرية مع صفوة مثقفي باريس والمهاجرين إليها، من أمثال صمويل بيكيت وإرنست همنغواي وغي دوبور وجان جينيه، وكان الأخير صديقه الأقرب إلى نفسه. لكنه، إثر رحيل زوجته الفرنسية مونيك لانج، اختار مراكش مستقرّاً ختامياً، فأقام في بيت يطلّ على ساحة جامع الفنا، وخاض معركة تثبيت هذا الموقع ضمن تصنيف اليونسكو للتراث الإنساني.
عن أدبه يقول البيروفي ماريو فارغاس يوسا، نوبل الآداب للعام 2010، إنه لا يوجد في اللغة الإسبانية مَنْ يضاهي غويتيسولو في «التعمق الفكري، والابتكار الدائم للغة، والاستيعاب غير العادي للثقافات الأخرى، ومجاراة أفضل كتّاب أمريكا اللاتينية، من أمثال ماركيز وخوليو كورتاثار. ورغم أنه يكتب روايات ذات أسلوب طليعي وحداثي واستفزازي، إلا أنّ الإلحاح السياسي يقف خلفها على الدوام. وإنّ حسّه الرهيف بالتاريخ إنما يتأتي من عميق حياته الشخصية».
وفي اللغة العربية، كان للشاعر والمترجم والناقد العراقي كاظم جهاد فضل كبير في تقديم غويتيسولو، فترجم له «يوميات فلسطينية»، و«رحلات إلى الشرق»، و«في الاستشراق الإسباني»؛ كما اختار جهاد عدداً من الفصول الروائية، صدرت في كتاب بعنوان «على وتيرة النوارس». الكاتب والمترجم المصري طلعت شاهين نقل مختارات من مقالات غويتيسولو السياسية، صدرت بعنوان «دفاتر العنف المقدّس»، وضمّت «دفاتر سراييفو»، و«الجزائر في مهب الريح»، و«غزّة ـ أريحا: لا حرب ولا سلم»، و«مشاهد حرب، والشيشان خلفيتها». وأمّا الناقد المغربي ابراهيم الخطيب، فقد ترجم ثلاث روايات: «الأربعينية»، و«أسابيع الحديقة»، وحصار الحصارات».
كان غويتيسولو صديقاً شخصياً للراحل محمود درويش، وقد التقيا مراراً في أمكنة عديدة، باريس والأندلس ورام الله وسراييفو وسواها، وظهرا في شريط الفرنسي جان ـ لوك غودار الشهير «موسيقانا». ويقول غويتيسولو عن درويش إنه «أحد أفضل الشعراء العرب في القرن الحالي، ويرمز تاريخه الشخصي إلى تاريخ قومه. استطاع تطوير هموم شعرية جميلة مؤثرة احتلت فيها فلسطين موقعاً مركزياً، فكان شعره التزاماً بالكلمة الجوهرية الدقيقة، وليس شعراً نضالياً أو دعوياً. وهكذا تمكن درويش، شأنه في ذلك شأن الشعراء الحقيقيين، من ابتكار واقع لفظي يرسخ في ذهن القارئ باستقلال تامّ عن الموضوع أو الباعث الذي أحدثه».
ولم يكن غريباً (وإنْ كان نادراً!) أن تنصفه مرثية «نيويورك تايمز»، على هذا النحو الصائب: «بين كتّاب إسبانيا الأشهر، والذي كانت رواياته وقصصه قد مزّقت أوصال النزعة المحافظة، دينياً وجنسياً، في بلده؛ ومجّدت ماضيها الأندلسي».

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث