لا مستقبل لحكم الإسلام السياسي بالعراق - د. ماجد السامرائي

المتواجدون الأن

68 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

لا مستقبل لحكم الإسلام السياسي بالعراق - د. ماجد السامرائي

 

 

يتحدث التاريخ الأوروبي كيف فتك الحكم الثيوقراطي المسيحي بحياة شعوب أوروبا وحوّلها إلى جحيم من التخلف والجهل والعبودية والتعصب وافتعال الحروب. لكن قيود الدين وهيمنة رجاله على السياسة دفعت بها إلى الثورة، وكانت الثورة الصناعية واحدة من نتائج التحرر من كابوس سيطرة رجال الدين على الحكم وهكذا قدمت أوروبا للعالم أروع إنتاج للحضارة المدنية وعادت المسيحية إلى معابدها الكنسية واختصرت في الحكم على مساحة تقدر بأقل من نصف كيلومتر مربع، تحت راية دولة الفاتيكان.

وحاولت مؤسسة الأزهر الإسلامية في مصر أن تجد لنفسها طريقا شبيها لكنها أخفقت في ذلك، ولم تضع حركة النهضة التنويرية العربية لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده الدين الإسلامي كأيديولوجية حاكمة متحكمة بالسلطة، بل جعلته ملهما للحرية والعدالة، لكن العرب بعد أن خيم عليهم الاستعمار الاستيطاني وشعروا بأنهم تحت عبودية مقيتة، أصبح رد الفعل عندهم قاسياً واعتقدوا أن أيديولوجية الدين تلهمهم للتحرر، وتصور بعض نخبهم بأن الدين هو الحل لمشاكل المجتمع وأن سلطة الإسلام هي الملاذ الأخير للعرب مستثمرين رصيد التاريخ العربي وسلطته الإسلامية رغم ما حمله من صراعات وخلافات في الفقه والحكمفي حين وجد من تشبث بالقومية العربية أنها ملاذ للتحرر والديمقراطية والعدالة، لكن القومية أنتجت رموزا للبطولة الفردية تحولت إلى دكتاتوريات مستبدة، وتحوّل الدين إلى ملاذ للعصبية والتطرف والطائفية.

واليوم وبعد قرن من الزمان لم تقدم أحزاب وهيئات ومنظمات الإسلام السياسي في المنطقة نموذجا مشرقا لبناء الحياة، فها هي تجربة طالبان في أفغانستان ووليدتها القاعدة، قدمت الصورة المنبوذة المشوهة المتطرفة للإسلام، والتجربة الخمينية في إيران قدمت نموذج ولاية الفقيه كتعبير عن الحكم الإسلامي المذهبي لكنه في خدمة الدولة القومية الفارسية، وشكلت تجربة الإخوان المسلمين في مصر أسوأ مثال لحكم الإسلام السياسي، وقبلها وحالياً تُشكل تجربة حكم الإسلام السياسي في العراق مثالا سلبياً لا يقتدى بل أوصل الناس إلى النفور بسبب النتائج الكارثية التي جناها العراقيون على مستوى الأمن والخدمات وفقدان العدالة وسيادة المنهج الطائفي والتطرف وشيوع الكراهية بدلا من السلم الاجتماعي.

إذا كان حزب الدعوة يمثل العمود الفقري لتجربة الإسلام السياسي، فإن هذا الحزب لم يقدم مشروعاً مباشراً للدولة الإسلامية الشيعية بل ظل غامضاً في دعوته في الحكم، واستظل بالدستور العراقي المبهم والضبابي حيث تستطيع أن تكيفه كما تريد، سواء أكان الحكم إسلاميا شيعياً أو سنياً كردياً أم عربياً، لكنه لا يقبل بالحكم العلماني، فالإسلام وفق الدستور العراقي هو دين الدولة ويضمن الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي.

الدستور حمل من الضبابية ما سمح بتطبيقات تطيح بالمدنية والديمقراطية الليبرالية، لكن التشريعات والقوانين اللاحقة لم تتمكن من خرق ثوابت الإسلام السياسي الشيعي رغم تحالفات القادة السياسيين الشيعة مع الأكراد والعرب السنة، ولقد رحبت وشجعت قيادات الأحزاب الشيعية بشراكة الحزب الإسلامي العراقي لأنه لا يتقاطع في المنهج مع حزب الدعوة بل هما مكملان لبعضهما في الفكر والنظرية وقد يختلفان في المنهج التطبيقي.

ظلت فكرة حكم الإسلام السياسي تخدم حزب الدعوة والأحزاب التي تقودها رموز شيعية مثل مقتدى الصدر وعمار الحكيم ولم يظهر على المسرح السياسي مشروع حكم واضح للشيعة من قبل العناوين السياسية لهذه الأحزاب الثلاثة إضافة لحزب الفضيلة وكذلك التشكيلات الجديدة المسلحة المرتبطة بولاية الفقيه وهي أكثر صراحة من غيرها في التزام مشروع الإسلام الشيعي الحاكم في إيران، وتعتبر نفسها على خط تلك التجربة.

لا يمكن التمييز بين شيعي وسني. فالمتطرفون في جناحي الإسلام السياسي أشاعوا العنف والكراهية

إن مشروع الحكم الشيعي ارتبط بالفوز الانتخابي ووفق الغالبية في البرلمان، وظلت لعبة الحكم مرتبطة بهيمنة تلك الأحزاب الدينية المذهبية. وحين توفرت فرصة فوز المشروع الوطني اللاطائفي عام 2010 بقيادة إياد علاوي رغم أنه ينتمي إلى الطائفة الشيعية الكريمة وشعر بقدرته على إنهاء سيطرة الإسلام السياسي على الحكم، رُفعَ ضده الفيتو الإيراني وبموافقة أميركية. كما منع التيار العلماني والليبرالي من أخذ فرصته المتمثلة ببعض الأحزاب والكتل الناشئة بعد عام 2003، وكانت حملة الإسلاميين التشكيكية ضد تجمعات هذا التيار قوية مشككة بقدرته على كسب الجمهور الواسع، مع أن العراقيين لم يكن لديهم إرث سياسي مع الأحزاب الدينية عموماً، فمنذ تشكيل الدولة العراقية كان الملوك والحكام ينتمون إلى النزعة العلمانية والليبرالية بمفهومها العام الذي يضع للإسلام مكانة خاصة كمصدر من مصادر التشريع في الحكم لكنه لم يكن حكماً طائفياً مذهبياً.

مع ذلك كله فقد توفرت فرصة تاريخية لأحزاب الإسلام السياسي الشيعي من خلال الدعم الداخلي المتمثل بمرجعية السيد السيستاني والدعم الإقليمي والدولي المزدوج من طهران وواشنطن، لكن تجربة حكمهم لا يمكن الدفاع عنها، فلم يقفوا في وجه حملات تهديم الدولة العراقية التي نفذها المحتل الأميركي، ولم يُرسوا دعائم النظام والقانون ولم يحافظوا على مؤسسات وطنية تعزز مكانة السيادة والاستقلال مثل الجيش الوطني العراقي ورحبوا بحله، وكان ذلك خطأ تاريخياً لأنه فتح أبواب العراق وهدم سياجه الوطني أمام القوى الطامعة فيه، وشعرت الأحزاب الشيعية أن بديل ذلك هو المباشرة بإنشاء ميليشيات مسلحة تابعة للأحزاب تورط بعضها في مستنقع العنف وأصبح طرفاً فيه مما أثار الخوف والرعب عند الناس بدل إشاعة الاطمئنان والأمن، رغم ما حصل في السنوات اللاحقة من دمج لبعض الفصائل الحزبية المسلحة في قوات الشرطة والأمن والجيش.

وكان من أخطر ما أدت إليه حالة الانفلات الأمني ما حصل إثر تفجير مرقدي الإمامين علي الهادي وحسن العسكري عام 2006، حيث نفذت سياسة الفصل المذهبي السني والشيعي على محافظات العراق العربية وبناء أسوار الفصل داخل العاصمة بغداد مما دفع إلى الهجرة الداخلية قبل أن يستكملها تنظيم داعش بالاحتلال والطرد والعنف والقوة، ولم تتمكن حكومة الإسلام السياسي الشيعي أن تبني ثقافة التسامح وعدم إقصاء الآخر وسيادة الهوية العراقية بدل هوية المذهب والدين، بل تم تعزيز وشحن العواطف الدينية والمذهبية لكي ينتصر هذا الحزب أو ذاك.

وبعد هذه التجربة المريرة أصبحت الأحزاب الشيعية في وضع حرج أمام معطيات الوضع العراقي الجديد لما بعد داعش، فلا يمكن على المستوى الفكري والنظري التمييز بين إسلامين، شيعي وسني، فكلاهما قسّم المجتمع، والمتطرفون في جناحي الإسلام السياسي دمروا الحياة العراقية، وأشاعوا العنف والكراهية، وشعار الانتصار على داعش وحده لن يداوي الجرح الكبير، لأن المقاتل العراقي العائد من جبهات القتال يريد أن يرى عائلته في أمان وخير، ويأمل في ضمان وظيفته وراتبه لمعيشة عائلته، فالتجييش المتجدد على أي شعار سيكون؟ وأي معركة عسكرية منتظرة؟ فالمعركة الحقيقية هي معركة التنمية وإعادة الإعمار والبناء، فأين موقع تلك الأحزاب من ضمير المواطنين.

إن تجربة الحكم الإسلامي الشيعي في العراق مشوشة ومضطربة، والأهم من ذلك أنها فشلت أمام الجمهور العراقي الشيعي وغير الشيعي. ولم يعد أمام أحزابها وخصوصاً حزب الدعوة سوى المراجعة النقدية الجريئة وهناك قيادات وكوادر قادرة على ذلك.

جوهر المراجعة هي التخلي عن أيديولوجية الإسلام السياسي لأنها فشلت في تجربة الحكم لخمسة عشر عاماً ووصلت إلى طريق مسدود. كما أن هذا الشعار الديني الطائفي سيكون محاصرا إقليمياً إلا من جهة واحدة معروفة، وكذلك دولياً من قبل أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، الذي لا يفرق بين جناحي الإسلام السياسي، ولن يقتنع العالم بأن الإسلام السني هو مرجعية الإرهاب لوحده.

أمام الأحزاب الإسلامية فرصة التحول من الأدلجة الإسلامية نحو الوطنية العراقية المعتدلة، وبلورة مشاريعها على هذا الأساس في شعاراتها وأساليب تعبئتها، هناك من يقول إنها غير قادرة على مثل هذه الخطوة لأنها ستفقد مبررات حكمها، لكن ذلك غير صحيح لأن العملية السياسية القائمة ودستورها ونظمها غير مرتكزة على الحكم الإسلامي الشيعي بصورة واضحة
   

 

 

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث