دبلوماسية قطر وعنجهية الآخرين - د. مثنى عبدالله

المتواجدون الأن

161 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

دبلوماسية قطر وعنجهية الآخرين - د. مثنى عبدالله

 

 ليست قبور الفراعنة وحدها تحوي أجسادا محنطة، فرؤوس البعض تحوي عقولا محنطة. فمنذ قيام مجموعة 3 + 1 (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) بحملتهم السياسية ضد قطر، ومازالوا حتى اليوم يتخبطون في وحل المستنقع الذي وضعوا أنفسهم فيه. 

فالضحالة الفكرية وأمية الوعي السياسي والقراءة الطفولية لأحجام الدول والشعوب قادتهم إلى تصورات سياسية خاطئة، لم يحصدوا منها سوى مواقف مؤيدة لهم من قبل مجموعة من الدول المتسولة للمال السياسي، بينما كانوا يظنون أن قطر سوف تركع وترتمي في أحضانهم، وتقبل بوصاية (الشقيق الأكبر) وما يسمونه (البيت الخليجي الواحد)، ثم توقع لهم على ورقة بيضاء وثيقة الاستسلام، التي سيحددون هم فيها نوع سياستها وشكل سيادتها، وما هي عناوينها السياسية من قمة هرم السلطة إلى الغفير. 
كانت أدواتهم السياسية في صنع قرار الإطاحة بقطر، مالا سياسيا استلم جزء منه ترامب بقيمة أكثر من 400 مليار دولار، وفازت ابنته بمئة مليون دولار هبة دون مقابل، فقط لأن لديها جمعية خيرية، وسيستمر الحلب حتى نهاية ولاية الرئيس الامريكي. كما كان الاعلام المسعور أحد وسائلهم في صنع هذا القرار، حيث راهنوا على الأبواق المنتشرة محليا وإقليميا ودوليا، التي برعت في السب والشتم والمساس بالاعراض والانساب، ووضعت شرف المهنة وأخلاقياتها في سلة المهملات، بينما كانوا حتى عشية المؤامرة على قطر يتغنون بخليج واحد، ويباهون بالنسيج الواحد والتناغم المجتمعي. لكن الطامة الكبرى التي وقع بها صانع القرار السياسي في مجموعة 3 + 1، هو أنه ربط نجاح استراتيجية الإطاحة بقطر بعوامل ليست في يديه، بل في يدي ترامب، وبذلك فإنه تمنى وهو يصنع قراره، في أن يتصرف الرئيس الامريكي كما هو يريد، فباتت فرص النجاح في حالة تراجع إلى تمني النجاح.
صحيح أن ترامب أدلى بدلوه في الأزمة بما يفهم منه أنه في صف مجموعة 3 + 1، لكن الحقائق الأخرى تشير إلى غير ذلك، حيث أن منطقة الخليج في السياسة الاستراتيجية للبنتاغون ينظر اليها على أنها منطقة حماية واحدة، وهي ركيزة استراتيجية للسياسات الامريكية في المنطقة، التي لا تغيير ولا مساس بها، باعتبارها نواة صلبة. من هنا جاءت تصريحات وزيري الدفاع والخارجية الامريكيين البعيدة عن موقف السعودية والإمارات، ومن هنا أيضا جاءت صفقة الطائرات مع قطر بمبلغ 12 مليار دولار، التي قال البنتاغون عنها بأنها ستمنح قطر تكنولوجيا متطورة، وتعزز التعاون الامني بين الطرفين، وأيضا وصول سفينتين أمريكيتين للمشاركة في مناورات مع القوات القطرية. مضافا إلى كل ذلك أن توقيت المؤامرة ضد الدوحة كان قد ترافق مع بداية معركة الرقة في سوريا، ومع ارتداد الوضع في أفغانستان إلى العنف مجددا، ما رفع من أهمية قاعدة العديد الجوية باعتبارها مهمة للمسرحين. 
يقينا أن صانع القرار السياسي في السعودية والامارات ومصر، يشعر اليوم بخيبة أمل كبرى من هذا التخبط السياسي الواضح. فقد بدأ باتهام الدوحة بدعم الحوثيين، بينما هي جزء من التحالف الذي تقوده السعودية ضد هؤلاء، واتهموها بأنها ذراع إيران، بينما هي منخرطة في دعم الفصائل التي تقاتل ضد ميليشيات طهران وحليفها الاسد. وتصوروا أن دول العالم ستسارع للوقوف معهم في خندقهم هذا، لكن الرياح جاءت على العكس تماما. فهم اليوم يواجهون خطورة انهيار منظومة مجلس التعاون الخليجي، بعد أن غدروا بأحد الاعضاء المؤسسين له وهي قطر. كما أن الدول التي قطعت أو قللت تمثيلها الدبلوماسي مع الدوحة، بناء على أوامرهم، أصبحوا في حالة خوف من عودة جالياتهم العاملة هناك، ما يعني زيادة معدلات البطالة وانقطاع مورد مالي مهم من التحويلات، التي كانوا يرسلونها إلى بلدانهم. وأن حلم حل الأزمة في البيت الخليجي، كما يقولون، بات في خبر كان، لان الازمة تم تدويلها من أول ساعة، عندما قاموا بالضغط على الدول لقطع علاقاتها مع قطر. كذلك فإنهم قدّموا فرصة من ذهب للتدخل الروسي والايراني. وها قد بدأ الاستنزاف الطويل للواقع الخليجي، ودخول عوامل من خارج المعادلة الاقليمية في الازمة، وبالتالي فإن الخليج لن يكون مثلما كان من قبل. وكل ذلك كان من صنع أيديهم.
في ظل كل هذه الخيبات المريرة لمجموعة الحصار، برزت السياسة القطرية الهادئة واثقة الخطوة تماما في مواجهة الازمة. وهي على دراية تامة بأنهم يضغطون عليها كي تتخلى عن كل مسلماتها الجيوسياسية، لكنها لعبت لعبة الكبار دون أي اعتبار للاشكال الهندسية، إن كانت كبيرة أم صغيرة. فرفضت التدجين في البيت القديم الذي يضم السعودية والإمارات والبحرين ومصر والأردن، الذي تعاني سياساته من انسداد الافق. كما أنها غادرت اللعبة السياسية، وفق أعراف القبيلة. فسياسة التحديث والحركة الفاعلة في المجال الاقليمي والدولي لها، وأدوار الوساطة التي قادتها في أطراف كثيرة من العالم، عززت دورها وسمعتها، ومنحتها جناحين للخروج من بيت الطاعة الخليجي بزعامة الرياض. كما أنها استفادت من تراكم النجاحات التي حققتها على مدى سنوات، والتي بها اكتسبت احترام العديد من الدول، فراحت توسع من جسورها البحرية والجوية، كي تكسر حصارهم عليها. كذلك فإن ربط اقتصادها واستثماراتها بالحركة الاقتصادية العالمية، جعل منها جزءا فاعلا ومهما في السوق العالمية، إضافة إلى أنها تمثل ثلث الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي. فكرّت المواقف الدولية المؤيدة لها واللائمة في الوقت نفسه لمعسكر الحصار. 
كما كان من اللافت حقا التزام شعبنا العربي في قطر وحكومته بسياسة ضبط النفس والتحكم بالاقوال والأفعال والإعلام بعيدا، عن الانفعالات، وعدم الانجرار والانسياق وراء الشتائم التي صدرت من الطرف الاخر، والرد عليها بالاسلوب نفسه. 
إن البيانات الصادرة عن السعودية والإمارات والبحرين ومصر، التي هاجمت الدوحة واتهمتها بالارهاب، والمشاكسة، والخروج عن المألوف، وتهديد مصالح دول الخليج، كلها اتهامات عارية عن الصحة. فتسريبات البريد الإلكتروني لسفير الامارات في واشنطن، أثبتت أنهم يمورون غيضا من نفوذها على الصعيد الدولي، ويشعرون بأنها تأكل من جرفهم في كل الساحات، سواء باستضافتها القاعدة العسكرية الامريكية، أو حتى باستضافة كأس العالم 2022. هذا هو سبب الخلاف الحقيقي وهو بناء استراتيجية قطرية شاملة قائمة على التغيير في كل الجوانب، وليس في الجانب السياسي وحده. فما يخرج من الدوحة من سياسة واقعية طموحه وأفكار بناءة، كلها مهددات للواقع السلطوي في معسكر الحصار. هذا النموذج غير مقبول به إطلاقا في العقل السياسي السعودي تحديدا، لانها ضد التغيير وتحب الوضع القائم في المنطقة وترغب مع الامارات باحتكار المنطقة العربية والإقليمية، وأن يكون المنظور الامريكي قائما على أساس توجهاتهما فقط.
إن ممارسة السياسة إلى منتهاها، كما مارستها مجموعة 3+1 ضد قطر، طريقة تقليدية قديمة عفا عليها الزمن. فالسياسة الحديثة بين الدول المختلفة أو المتخاصمة تقوم على أساس التشجيع أولا ثم الضغط. وإذا كانت الامور على درجة عالية من الخطورة يتم الذهاب إلى الحصار والمقاطعة، وليس العكس كما حصل ضد قطر.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث