الأخطاء اللغوية المزعومة في القرآن الكريم - د. منقذ السقار

المتواجدون الأن

140 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

الأخطاء اللغوية المزعومة في القرآن الكريم - د. منقذ السقار

 

   أولاً: الأخطاء النحوية المزعومة في القرآن
   قــال بعض من يزعم أنه من أبناء العربية: إن في القرآن أخطاء نحوية خالف فيها قواعد اللغة العربية، وهذا يدل على أنه ليس من كلام الله، لأن الله لا يخطئ، قالوا هذا حين استشكلوا بعضَ آيات القرآن؛ ورأوها على خلاف ما تعلموه في دراستهم لقواعد النحو في المرحلة الابتدائية ، فظنوا أن في هذه الآيات خطأ فات الأولين، وأنهم تنبهوا له – بعبقريتهم – بعد مر القرون.
   وقبل أن نعرض لأهم الآيات التي استشكلوها، نجيب بأجوبة إجمالية بين يدي البحث:
   أولاً: أن العرب الذين نزل فيهم القرآن كانوا أفصح الناس، وكان فيهم أصحاب المعلقات كلبيد بن ربيعة ( الذي ترك نظم الشعر بعد سماعه للقرآن، ولم يستشكل ما استشكله أعاجم العرب اليوم، كما لم يستشكله مشـركو قريش وغيرهم، رغم عداوتهم القرآن وحربهم النبيَّ ? وحرصهم على معاداة دينه ?وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً ? (مريم: 97)، لكنهم كانوا عرباً أقحاحاً، فعرفوا ما جهله أهل العُجمة من العرب اليوم.


   ثانياً: أن اللغة في أصلها سماعية، لا قاعدية، فالعربي حين كان ينطق بالفاعل مرفوعاً، لا لأن آباءه علَّموه أن الفاعل مرفوع، بل لسليقته العربية التي نشأ عليها منذ طفولته.
   لكن في القرن الثاني من بعثة النبي ? دخلت الفرس والروم والترك وغيرهم في الإسلام، وتكلموا بالعربية ، فظهر اللحن ، وضاعت السليقة، مما دعا العلماء المسلمين لوضع قواعد اللغة المعروفة عندنا اليوم، وقد وضعوها اعتماداً على مصدرين أساسين: الأول : القرآن الكريم، والثاني: ما ورد عن العرب في أشعارهم وكلامهم، فالقرآن هو المصدر الأول والأساس لقواعد العربية.
   لكن العرب الفصحاء قبل وضع هذه القواعد لم يكونوا على نسق واحد في الإعراب والأساليب اللغوية، فلكل قبيلة خصوصيتها اللغوية وفصاحتها وشعراؤها وأدباؤها وإثراؤها للغة الضاد، فعمد مقعدو اللغة إلى الشائع عند عموم العرب، وأهملوا غيره مما هو فصيح تنطق به بعض قبائل العرب.
   ولو شئنا أن نضرب مثلاً لقلنا: الشائع في قواعد اللغة حذف ضمير الفاعل من الجملة إذا جاء الفاعل اسماً ظاهراً، فيقول عموم العرب : (جاء المسلمون)، ولا يقولون: (جاؤوا المسلمون)، لكن قبيلة طيء تجيز إثبات ضمير الفاعل ، مع وجود الاسم الظاهر، وهي اللغة المشهورة عند النحاة بـ (أكلوني البراغيث) ، ومنه قول أبي فراس الحمداني:
نُتِــج الربيــعُ محــاسنــاً         ألقحنَــها غرُّ السحــائب
   وكذا قول محمد بن أمية
رأين الغواني الشيبَ لاح بعارضي        فأعرضنَ عني بالخدودِ النواضرِ(381)
   فالشاعران ذكرا ضمير الفاعل (نون النسوة) في قولهما: (ألقحنها)، و(رأينمع ذكر الفاعل الظاهر بعده، وهو قولهما: (غرُّ)، (الغواني).
   فلا يصح أن يقال عن قوله: (رأين الغواني) بأنه لحن، وأن صحيحه حذف الضمير: رأت الغواني، فقد نطق به الفصحاء من العرب؛ وإن جاء على خلاف قواعد المتأخرين منهم، أو بالأحرى على خلاف الشائع عند الكثير من قبائل العرب.
   ومثله شاع اليوم عندنا استخدام كلمة (الذين) في معنى الوصل، وهي لغة فصيحة عند العرب، ومثلها في الفصاحة ما يقوله بنو عقيل وغيرهم من العرب الذين يستعيضون عنها بكلمة (الَّذُونَ)، وكذلك (الَّذُو)، كما في قول الشاعر
     قومي الذو بعكاظ طيروا شرراً        من روس قومك ضرباً بالمصاقيل(382)
   وقول الآخر:
       نَحْنُ الَّذُونَ صَبَّحْـوا الصَّبَاحَا        يَومُ النُّخَيلِ غَارَةً مِلحَاحَا(383)
   ومثله قول الشاعر الهذلي:
        هم اللاؤون فكوا الغل عني         بمرو الشاهجان إلى الجناح(384)
   فهل سيقال عن قبيلة هذيل أنها تلحن لقولهم (اللاؤون)، في حين أن غيرهم من العرب يقول (اللائي)؟.
   ومثله حذف بعض العرب نون النسوة من الفعل المرفوع، في حين أن القواعد التي وضعها المقعِّدون بعد ذلك تعتبر إثبات النون علامة على رفع الفعل، بينما حذفها يعني جزمه أو نصبه، فهل سيقول أعاجم العرب اليوم أن هؤلاء العرب الأقحاح يلحنون؟
   وهل سيتهمون الشاعر المبدع بشار بن برد باللحن والجهل لأنه حذف نون النسوة في قوله:
فلقد كان ما أكابد منها        ومن القلب يتركاني وحيداً(385)
   ثالثاً: القرآن نزل بلسان عربي مبين ? قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ? (الزمر: 28)، والعرب لم تعرف قواعد اللغة إلا بعد الإسلام، وقد وضعها المسلمون كالخليل بن أحمد وسيبويه وابن نفطويه وأمثالهم، واستنبطوها من القرآن أولاً ثم من أشعار العرب ومأثوراتها ثانياً، فكيف يحاكم القرآن إلى قواعد وجدت بعده، بل أخذت منه.
   إن تقريرنا لهذه القواعد العامة كاف في الرد على كل الأباطيل المتعلقة بالنحو، لكن كفايتها لن تمنعنا من الرد التفصيلي على ما اشتبه على أصحاب الشبهات والأباطيل:
   المسألة الأولى: رفع اسم (إنَّ).
    قالــوا: أخطأ القرآن في قوله تعالى – حسب قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم -: ? إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ? فقالوا: رفع القرآن اسم إن بالألف، وكان المفروض أن ينصبه بالياء، فيقول: (إن هذين لساحران). 
   والجواب من وجهين : 
   الأول: أن قوله تبارك وتعالى: ? إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ? جاء على لغة بلحارث بن كعب وزبيد وخثعم وهمدان ومن وليهم من قبائل اليمن، حيث يلزمون المثنى الألف مهما كان موقعه من الإعراب، قال ابن جني: “من العرب من لا يخاف اللبس، ويجري الباب على أصل قياسه، فيدع الألف ثابتة في الأحوال، فيقول: قام الزيدان، وضربتُ الزيدان، ومررتُ بالزيدان، وهم بنو الحارث وبطن من ربيعة”(386) .
   ومن صور ذلك قول شاعرهم هوبر الحارثي
         تزود منا بين أذناه ضربةً         دعته إلى هابي الترابِ عقيمُ (387
   فألزم المثنى الألف في قوله: (بين أذناه)، ولم يقل (بين أذنيه) كما هو معهود في قواعد اللغة التي كتبها النحاة بعده حسب الشائع عند غير قبيلته من قبائل العرب.
   ومثله قول جرير بن عبد العزى الحارثي:
فأطْرَقَ إطْرَاقَ الشُّجاعِ وَلَوْ رَأى         مَساغاً لِناباهُ الشُّجاعُ لصَمّما (388)
   فألزم المثنى الألف في قوله: (لناباه)، مع أنه مجرور باللام، فهذه لغة قومه، وهم من هم في الفصاحة والبلاغة
   ومثله قول الآخر:
           أعرف منها الجيدَ والعينانا          ومَنخران أشبها ظبيانا(389)
   وفيه من شواهد مسألتنا ثلاث كلمات (العينانا) و (منخران) و (ظبيانا)، فهي جميعا مثنى منصوب بالألف؛ خلافاً لما قعَّده العلماء بعد ذلك وفقاً للمشهور في لغة العرب من نصب المثنى بالياء.
   الوجه الثاني: أن من العرب الأقحاح الفصحاء من يقلب كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها إلى (ألف).
    وبمثل هذا قال أبو النجم العِجْلي:
           واهاً لسلمى ثم واهاً واها           هي المنى لو أننـا نلنـاها 
           ياليت عينَاها لنــا وفـاها            بـثمـن نُرضـي به أبـاها
           إن أباهــا وأبــا أبـاها قد            بلغـا في المجـد غـايتَاها 
   فقد أبدل الشاعر الياء الساكنة المفتوح ما قبلها بالألف في قوله: (عيناها بدلاً من عينَيْها) وكذلك (غايتاها بدلاً من غايتَيْها). 
   ومثله قول الشاعر
              أي قلوص راكب تراها         اشْدُدْ بمَثْنَيْ حَقَبٍ حَقْواها
               ناجيَــةً وناجيــاً أَبـاها        طـاروا عـلاهن فَطِر علاها
   قال ابن الحاجب: “القياس: عليهن وعليها، لكن لغة أهل اليمن قلب الياء الساكنة المفتوح ما قبلها، هذا الشعر من كلامهم” (390).
   المسألة الثانية: نصب الفاعل
   قالــوا: القرآن نصب الفاعل (الظالمين) في قوله: ? وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ? (البقرة: 24). قالوا : والصحيح أن يقول (الظالمون)، فالظالمون لا ينالون العهد. فجعل القرآن الفاعل منصوباً!.
   الجـوابأن القرآن الكريم رفع الفاعل في مواضع لا تحصى لكثرتها، ورفع الفاعل أمر يدركه صغار طلاب الكتاتيب، ولا يحتاج في معرفته إلى خبير في اللغة العربية، فإذا علم ذلك فإن الحصيف إذا ما وجد أمراً استغربه – في كتاب ما- لوروده على خلاف المعهود فإنه لن يسارع إلى تجهيل المؤلف أو تغليطه، إذ مثل هذا لا يغلط به أحد.
   والحق أن الخطأ وقع فيه المتحذلقون الذين ظنوا أن الفاعل في الآية هو (الظالمون)، والصحيح أن (العهد) هو الفاعل، وقوله: (الظالمين) مفعول به، والمعنى: لا يشمل عهدي واستخلافي الظالمين.
   وهذا التعبير شائع عند العرب، فيقولون: هذا ناله خيرٌ، وذاك ناله ظلمٌ.
   وهو مثل قوله تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ ? (الأعراف: 152)، والمعنى: سينال غضب الله الظالمين ، ومثله في قوله تعالى: ?أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ? (الأعراف: 37)، فالفاعل في الجملة (نصيب)، كما الفاعل في الآية السابقة (غضب) ، وفي الآية التي استشكلوها (عهدي)، ولم تظهر عليها علامة الرفع لتعذره بسبب إضافتها إلى ضمير المتكلم (الياء)، إذ يتعذر النطق بـ (عهدُي)، فتبين جهل القائلين بهذه الأبطولة، أو بالأحرى عجزهم عن الإتيان بغلط في القرآن يوافقهم عليه البلغاء والعقلاء.
   المسألة الثالثة: عطف المنصوب على المرفوع
    قالـوا: العرب تعطف مرفوعاً على مرفوع، ومنصوباً على منصوب ، في حين أن القرآن عطف على المرفوع منصوباً في قوله: ?لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ وَالمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً? (النساء: 162)، فقالوا: يجب أن يرفع المعطوف على المرفوع، فيقول: (والمقيمون الصلاة) بدلاً من نصبه في قوله: ? وَالمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ?، لأنها معطوفة على مرفوع ?وَالمُؤْمِنُونَ بِاللهِ? وقوله: ? الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ?. 
   والجـواب: أن الواو في قوله ? وَالمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ? ليست واو العطف، بل واو معترضة، وما بعدها منصوب على الاختصاص بالمدح، أي: وأمدح المقيمين الصلاة، وفي هذا مزيد عناية بهم عن المذكورين في الآية، فـ? المُقِيمِينَ ? منصوبة على المدح، كما قال إمام اللغة سيبويه(391). 
   ومثله قوله تعالى في آية أخرى: ? وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّـراء? (البقرة: 177)، فلم يقل: (والصابرون) وقد سبقها: ?الْمُوفُونَ ?، والتقدير: وأخص بالمدح الصابرين في البأساء.
   ونصب ?المُقِيمِينَ? خلافاً لنسق ما قبله وما بعده ؛ وهي طريقة في الإنشاء تفعله العرب لفتاً لنظر القارئ أو السامع إلى أهمية ما بعده وخصوصيته، وتفعله بقصد المدح كما في هذه الآية ، أو بقصد الذم كما في قوله تعالى: ? وامرأتُه حمالةَ الحطب ? (المسد: 4)، أي أعني حمالة الحطب، فنصب ? حمالةَ ? على الاختصاص بالذم.
    والنصب على الاختصاص سائغ ومعروف في كلام العرب، ولم يستنكره إلا أعاجم العربية اليوم ، وقد كثر في أشعار العرب وآدابها ، ومنه قول الخِرنقُ بنتُ بدر بن هَفَان وهي ترثي زوجها بشر بن عمرو الضبعي:
         لا يبعدن قومي الذين هم         سمُّ العـداة وآفةُ الجُزْر
             النـازلــين بـكل مـعترَك                  والطيبون معاقد الأُزْرِ(392)
   فقولها: (النازلين) منصوب على الاختصاص، وليس صفة أو معطوفاً على: (سمُّ العداة) و(آفةُ الجزر).
   ومثله قول أميةَ بن أبي عائذ:
        وَيَــأوي إلَى نِسْــوَةٍ عُطَّلٍ         وَشُعْثاً مَرَاضِيعَ مِثْلَ السَّعَالِي
   فنصب « شُعْثاً » على الاختصاص ، مع أنه معطوف على مجرور.
   وهكذا فالقرآن الكريم نصب قوله تعالى: ?والمُقِيمِينَ? على الاختصاص، والواو هي واو الاعتراض ؛ لا العطف.
   المسألة الرابعة: عطف المرفوع على منصوب في قوله ?وَالصَّابِئُونَ?
   قالــوا: المعطوف على المنصوب حقه في لغة العرب النصب، والقرآن رفعه مخالفاً قواعد العربية في قوله: ?إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ? (المائدة: 69)، والصحيح – حسب حذلقتهم – أن ينصب المعطوف على اسم إنَّ، فيقول: (والصابئين) كما في سورة البقرة ? إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِالله ? (البقرة: 62)، وسورة الحج: ? إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى ? (الحج: 17). 
   والجـواب: أن الواو في الآيتين الأخيرتين للعطف، والمعطوف على المنصوب منصوب، بينما الأمر مختلف في قوله: ?إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ?، فالواو فيه استئنافية، وليست للعطف على الجملة الأولى
   وقوله: ?وَالصَّابِئُونَ? مرفوع على الابتداء، وخبره محذوف، قال سيبويه والخليل: “الرفع محمول على التقديم والتأخير، والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا… والصابئون كذلك”، ومثّل له سيبويه بقول الشاعر
            وإلا فاعلموا أنا وأنتم          بغاة ما بقينا في شقاق(393)
   ومثله قول ضابئ البرجمي:
         فمن يك أمسى بالمدينة رحلُه        فإني وقيَّارٌ بها لغريب(394)
   فرفع الشاعر اسم فرسه (قيار)، وهو فيما يظهر معطوف على منصوب (ياء المتكلم في قوله: فإني)، فرفع الشاعر (قيار) على الابتداء ، والمعنى: إني غريب، وقيار كذلك غريب، ومثله سواء بسواء رفع ?الصَّابِئُونَ? في الآية المستشكلة.
   لكن يشكل على هذا التخريج ما أورده أبو عبيد في “فضائل القرآن” من خبر يرويه أبو معاوية الضرير من طريق هشام بن عروة بسنده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعروة بن الزبير: (يا ابن أختي، هذا عمل الكتاب أخطؤوا في الكتاب) (395)، فهذا الخبر لا يصح سنداً، وهو منكر متناً.
   فأما ضعف إسناده فسببه أبو معاوية الضرير، قال عنه المزي: “روى أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر أحاديث مناكير .. قال ابن خراش: صدوق، وهو في الأعمش ثقة، وفي غيره فيه اضطراب”(396).
   وأما الذهبي في ميزان الاعتدال فنقل عن الإمام أحمد قوله عنه: “هو في غير الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظاً جيداً، علي بن مسهر أحب إلي منه في الحديث”.
   ثم قال الذهبي: “وقد اشتهر عنه الغلو، أي غلو التشيع”(397).
   وقال أبو داود: “أبو معاوية إذا جاز حديث الأعمش كثر خطؤه، يخطئ على هشام بن عروة، وعلي بن إسماعيل، وعلى عبد الله بن عمر”(398)، وهذا الأثر يرويه أبو معاوية عن هشام، فروايته مما يظن فيه الاضطراب”.
   وأعلَّ يعقوبُ بن شيبة أبا معاوية بعلة أخرى هي التدليس، فقال عنه: “ثقة ربما دلس، وكان يرى الإرجاء”(399)، ومن المعلوم في قواعد الرواية أن المدلس يقبل حديثه إذا صرح بالتحديث [أي قال: حدثني فلان]، ويتوقف فيه إذا عنعنه [أي قال: عن فلان]، وقد عنعن أبو معاوية في هذه الرواية، وهو ينقلها عن هشام بن عروة.
   فهذه العلل ظلمات بعضها فوق بعض، وكلها تضعف الرواية من جهة إسنادها، ولا تشفع لها ولا تقويها رواية ابن شبة(400) التي يرويها عن أحمد بن إبراهيم الموصلي عن علي بن مسهر ، لضعف الموصلي أحمد بن إبراهيم ، فقد وصفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بأنه “لا بأس به”، وهي عند علماء الجرح لا تفيد توثيقاً لروايته، كما لا تفيد جرحاً.
   وأما شيخه في هذه الرواية، ابن مسهر فقال عنه ابن حجر: “قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعد أن أضر”(401)، فمن كان هذا حاله ترد عليه غرائبه ، وتطوى ولا تُروى.
   ولو فرض المحقق صحة الإسناد فإن في المتن ما يقتضـي رده، إذ ينسب إلى عائشة رضي الله عنها جهلها بما ذكرناه من أوجه الإعراب التي لا تخفى على العرب زمن النبي (، وقد بيَّن ذلك الإمام أبو عمرو الداني حين أعل الرواية لأنها جعلت “أم المؤمنين رضي الله عنها مع عظيم محلها وجليل قدرها واتساع علمها ومعرفتها بلغة قومها؛ لحَّنت الصحابة وخطّأت الكتبة، وموضعهم من الفصاحة والعلم باللغة، وموضعهم الذي لا يُجهل ولا يُنكر، هذا لا يسوغ ولا يجوز.
    وقد تأوّل بعض علمائنا قول أم المؤمنين: (أخطؤوا في الكتاب) أي”أخطؤوا في اختيار الأَولى من الأحرف السبعة بجمع الناس عليه، لا أن الذين كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز، لأن ما لا يجوز مردود بإجماع، وإن طالت مدة وقوعه وعظم قدر موقعه، وتأوّل اللحن أنه القراءة واللغة” (402).
   وأكد على هذا المعنى الزمخشري: “ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً في خط المصحف ، وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتتان، وغُبِّي عليه أن السابقين الأولين – الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل – كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذَبِّ المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم، وخرقاً يرفوه من يلحق بهم” (403).
   المسألة الخامسة: الجمع بين فاعِلَين في الجملة
    قالــوا: العرب لا تأتي بضمير فاعل مع وجود الفاعل (اسم ظاهر)، حتى لا يكون في الجملة فاعِلَيْن، بينما القرآن جعل للفعل فاعِلَيْن في قوله: ?وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الذِينَ ظَلَمُوا?، ورأى المتحذلقون من أعاجم العرب أن الأولى أن يقول: (وأسر النجوى الذين ظلموا)، أي حذف ضمير الفاعل (الواو) في ?أسرّوا? لوجود الفاعل ظاهراً وهو قوله: ?الذين?.
   الجـواب: سبقت الإشارة إليه في مقدمة هذا المبحث، فهذا الأسلوب جائز على لغة طيء وأزد شنوءة، وهم من العرب الفصحاء، ويضرب اليوم لهذه اللغة مثلاً، وهو قولهم لغة (أكلوني البراغيث). 
   والعرب تعرف هذا في آدابها وأشعارها(404)، كما قال الشاعر:
    نصروك قومي فاعتززتَ بنصرهم         ولو أنهم خـذلوك كنتَ ذليـلا
   فقد ألحق الشاعر الواو بالفعل في قوله: (نصروك)، مع أن الفعل مسند إلى فاعل ظاهر بعده، وهو قوله: (قومي).
       ومنه قول عبد الله بن قيس في رثاء مصعب بن الزبير:
   تولى قتال المارقين بنفسه          وقد أسلماه مبعدٌ وحميم
   فقد وصل الشاعر ألف التثنية بالفعل؛ مع أن الفاعل اسم ظاهر (مبعد)، وكان القياس على القاعدة أن يقول: (وقد أسلمه مبعد وحميم).
   ومنه قول الشاعر:
   فأدركنه خالاتُه فخذلنه ألا          إن عرق السوء لا بد مدرِك
   فألحق نون النسوة بالفعل في قوله: (فأدركنه)، مع وجود اسم الفاعل ظاهراً (خالاتُه).
   وقد تكرر مثل هذا النسق الإعرابي في آيات قرآنية وأحاديث نبوية، منها قوله تعالى: ? ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ? (المائدة: 71)، فقد ألحق علامة جمع الذكور (الواو) بالفعل في قوله: ? عَمُواْ وَصَمُّواْ ? مع أن هذا الفعل مسند إلى فاعل ظاهر بعده، وهو قوله: ? كَثِيرٌ ? ، ومنه قوله ?: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» (405).
   فهل تراه بقي لطاعن ما يتكلم به وقد عرف أصالته في لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم .
   المسألة السادسة: رفع الفعل المضارع بعد (حتى)
   قالــوا: أخطأ القرآن حين رفع الفعل المضارع بعد (حتى) في قراءة ورش ?حَتَّى يَقُولُ والرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ ? (البقرة: 214)، ورأوا أنه لا يصح فيها إلا الفتح، وهو الوجه المشهور عند بقية القراء .
   والجـواب: إن (حتى) من أعجب كلام العرب لكثرة صور إعرابها، وما تدل عليه في استعمالاتها، فمنها ما هو للعطف، ومنها ما هو للابتداء، ومنها ما هو لغير ذلك، ولكثرة معانيها واستخداماتها في لغة العرب قال أبو زكريا الفراء: “أموت وفي نفسي شيء من حتى”(406).
   وللفعل المضارع بعد (حتى) ثلاث حالات:
1-  الفعل المضارع الدال على الاستقبال، ويتعين نصبه، كقوله تعالى: ? حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ? (الحجرات: 9).
2-  المضارع الدال على الحال، ويتعين رفعه، ومثَّل العرب له بقولهم: “شربتِ الإبل حتى يجيءُ البعير يجر بطنه”.
3-  المضارع الدال على الماضي في معناه، ويجوز فيه الوجهان: الرفع والنصب، فأما الرفع فلكونه ماض في معناه، وأما النصب لكونه صيغة مستقبل، وقد جمعها الراجز (407) بقوله
   تلخيص مسـألة حتى يا فـتى                    رفعـك حالاً بعدهــا إذا أتى
           ونصب ما استقبــل والوجـهان                   في ما مضـى معنى فخذ بياني
          كشــربـت حــتى تجــيئُ الإبــــل          ومـا تلا (فقاتـلــوا) (وزلزلــوا
   وعليه فيجوز الوجهان (الرفع والنصب) في قوله تعالى: ? حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ ? (البقرة: 214)، لأنه ماض في معناه(408).
   وهكذا تبين جهل القائلين بوجود اللحن في القرآن، وتســرعهم في الطعن عليه من غير حجة ولا بينة(409).
***
    
ثانياً : الأخطاء البيانية المزعومة
   وإذا كان القرآن قد تحدى العرب ببلاغته زمن جزالة اللغة وحجية الناطقين بها؛ فإن بعض أعاجم العرب اليوم يزعمون أن في أساليب القرآن ما لا تجيزه العرب في كلامها، وكأني بهم لم يطلعوا على خبر لبيد بن ربيعة العامري صاحب إحدى المعلقات السبعة، وهو من فحول شعراء العرب، فقد سأله عمر بن الخطاب يوماً: أنشدني من شعرك. فقرأ له لبيد سورة البقرة ، فقال‏:‏ إنما سألتك عن شعرك، فقال‏:‏ ما كنت لأقول بيتاً من الشعر بعد إذ علمني الله البقرة وآل عمران.
   وقد ترك قول الشعر إعجاباً بالقرآن، حتى قيل أنه لم يقل بعد الإسلام إلا بيتاً واحداً، وهو قوله:
         ما عاتب المرء الكريم كنفسه        والمرء يصلحــه القرين الصــالح 
   وقيل بل قال:
          الحمد لله إذ لم يأتني أجـلي         حتى اكتسيت من الإسلام سربالاً(410)
   إن عظمة البيان القرآني دعت المستشـرق بلاشير إلى الإشادة والإعجاب ببلاغة القرآن، وهو الذي لم يألُ جهداً في الطعن في القرآن ومعاداته في كتابه القرآن الكريم”، لكنه قال: “إن القرآن ليس معجزة بمحتواه وتعليمه فقط، إنه أيضاً يمكنه أن يكون قبل أي شيء آخر تحفة أدبية رائعة؛ تسمو على جميع ما أقرته الإنسانية وبجلته من التحف”(411).
   وإذا كان الأمر كذلك فلسوف نتوقف مع أهم ما استشكله عباقرة البيان في هذا العصر، ممن لا يفرق بين المرفوع والمنصوب، والمشبه والمشبه به:
   
   المسألة الأولى: عود الضمائر في قوله: ? وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ? إلى رسول الله ?.
   قالــوا: أتى القرآن بتركيب يؤدي إلى اضطراب المعنى، وذلك في قوله : ?إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ( لتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً? (الفتح: 8-9)، فقالوا: الأصل في الضمير عوده على آخر مذكور، بينما نجد أن الضمير في قوله: ?تعزّروه وتوقروه? عائد على الرسول المذكور آخراً.
   وأما قوله: ?تُسَبِّحُوهُ? عائد على اسم الجلالة المذكور أولاً.
   وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال بطريقين صحيحين:
   الأول : اعتبر ابن الجوزي جمع شيئين مختلفين في سياق واحد من صور بلاغة العرب ، فيرد كل واحد منهما إلى ما يليق به، وضرب له أمثلة، منها هذه الآية، وأمثلة أخرى، منها قوله تعالى: ? حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْـرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْـرَ اللهِ قَرِيبٌ ? (البقرة: 214). فالمعنى يقول المؤمنون: ?مَتَى نَصْرُ اللهِ?، فيقول الرسول: ? أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ ? .
   ومن أمثلته أيضاً قوله تعالى: ? وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ? (القصص: 73)، فالسكن بالليل، وابتغاء الفضل بالنهار، لكنه جاء بالسكن بعد ذكر النهار، لأن السامع يعلم اختصاص الليل بالسكن، والنهار بالبحث عن الرزق وابتغاء فضل الله فيه.
   وبمثله يمكن فهم آية سورة البقرة، فالمعنىلتؤمنوا بالله ورسوله، وتعزروا رسوله وتوقروه، فهذان من حق الرسول، ثم شرعت الآية في الحديث عن حق الله فيقول: وتسبحوه، وأهمل التفصيل لأنه مستغنى عن ذكره لكونه معلوماً عند أهل العلم والبيان، ومن المعيب في البيان ذكر ما يستغنى عنه.
   ولهذا المعنى حبذ القرطبي الوقوف على قوله: ? َتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ? ثم الابتداء بقوله: ? وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ?(412).
   الثانـي: أنه ليس ما يمنع أن تعود الضمائر كلها على الله، أي لتؤمنوا بالله وتعزروه أي تنصروه، وتوقروه وتسبحوه، فتعزير الله هو نصره تبارك وتعالى بنصر دينه، وهو كقوله: ? إِن تَنصُـرُوا اللهَ يَنصُـرْكُمْ ? (محمد: 7)، وكقوله (: «الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله، فقال: لله ولرسوله ولكتابه»(413).
   المسألة الثانية: ورود ضمير المفرد في سياق التثنية
    قالــوا: أتى القرآن بضمير المفرد في حديثه عن المثنى، وذلك في قوله: ?والله ورسوله أحق ان يرضوه? (التوبة: 62)، وقالوا مستنكرين: لماذا لم يثنّ الضمير العائد على اثنين (اسم الجلالة ورسوله)؟ فالأولى تثنيتهما، وأن يكون السياق: (أحق أن يرضوهما).
   وقد أجاب العلماء عن هذا بأجوبة:
    أ- إفراد الضمير ليختص بالحديث عن الله، وليدل بذلك على أن إرضاء الله هو عين إرضاء الرسول، فمن أرضى الله فلا ريب أنه أرضى الرسول (، ومثله قول الله: ? مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ? (النساء: 80)، فأفرد الضمير لتلازم الرضائين.
    كما أهمل عود الضمير على الرسول لمعنى آخر: وهو التفريق بين الرضائين (رضا الله ورضا رسوله)، فإرضاء الله مقصود لذاته، بينما إرضاء الرسول تبع لرضا الله، لا يستقل، ولو استقل رضاه عن رضا الله – وحاشاه – لما صح أن يطلب رضاه.
   ب- الأَولى أن لا يذكر مع اسم الله أحد، فلا يُثنَّى مع اسم الله ملَك ولا رسول، ولا يُذكر الله تعالى مع غيره في صيغة تشرك معه غيره ، بل يفرد بالذكر تعظيماً له، ففي صحيح مسلم أن خطيباً قام عند النبي ( فقال في خطبته : “من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى”. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «بِئْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ»(414). فكره النبي أن يجمع مع الله غيرُه في ضمير واحد.
   ج- وذهب سيبويه في فهم الآية على وجود خبر محذوف للعلم به ضرورة، فالمعنى: (الله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك)، فيكون الكلام جملتين حُذف خبر إحداهما لدلالة الثاني عليه، والتقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك(415)، قال أبو عبيدة : “والعرب إذا أشركوا بين اثنين قصَروا، فخبَّروا عن أحدهما استغناء بذلك، وتحقيقاً لمعرفة السامع أن الآخر قد شاركه، ودخل معه في ذلك الخبر، وأنشد :
           فمن يك أمسى بالمدينة رحْلُهُ         فإنـي وقيَّـارٌ بهــا لغريب” (416)
   ولم يقل: (لغريبان)، فالمعنى: (إني لغريب، وقيار كذلك) .
   ومثله كثير في أشعار العرب(417) كقول الفَرَزدق:
              إنّي ضَمِنْتُ لِمَنْ أتانِي ما جَنى           وأَبي فَكانَ وكُنْتُ غَيرَ غَدُورِ 
   ولم يقل: (غَدُورَيْن)، والمعنى: (فكنت غير غدور ، وأبي كذلك).
   ومثله قول عمرو بن أحمر الباهلي:
    رماني بأمر كنتُ منه ووالدي            بريئاً ومن أجل الطوى رماني 
   ولم يقل: (بريئين). والمعنى: (من أجل شجارنا عند بئر الطوى رماني بما أنا بريء منه ، وكذلك والدي).
   وهذا الذي عرفته العرب(418) من الاكتفاء بأحد المذكورَين، والاستغناء بذكره عن الآخر لشرف الأول أو لغيره من الأسباب البيانية تكرر كثيراً في القرآن: كقول الله تعالى: ? وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا ? (الجمعة: 11)، لم يقل: (إليهما)، بل أعاد الضمير إلى التجارة؛ لأنها الأهمّ.
   ومثله قوله تعالى: ?وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً? (النساء: 112)، أي يرمي بالإثم، ولم يقل: (بهما)، بل أعاد الضمير على الإثم دون الخطيئة، لأنه أعظم منها.
   المسألة الثالثة: خطاب المثنى بصيغة الجمع
   قالــوا: أتى القرآن بالمعيب عند أهل البيان حين ذكر المثنى بصيغة الجمع، في قوله تعالى: ?إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا? (التحريم: 4 )، فالخطاب موجّه لحفصة وعائشة. فلماذا لم يقل: (صغا قلباكما)، إذ أنه ليس للاثنتين أكثر من قلبين؟
   وفي الجواب ذكر علماء اللغة أجوبة، أهمها:
   أ- أن الله قد أتى بالجمع في قوله: ? قُلُوبُكُمَا ? ، لأنه يسوغ في لغة العرب؛ لإضافته إلى مثنى، وهو ضميرهما. والجمع في مثل هذا أكثر استعمالاً من المثنى. فإن العرب تكره اجتماع تثنيتين، فيعدلون إلى صيغة الجمع؛ لأن التثنية جمع في المعنى والأفراد
   ب- أن الكثير من العرب يجعل أقل الجمع اثنين، والقرآن وافق العرب في أساليبها في هذا الموضع وفي غيره ، فعبر عن المثنى بالجمع، ومنه قول الله لآدم وحواء: ? وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ? (البقرة: 36)، ووافق أسلوب غيرهم ممن يجعل أقل الجمع ثلاثة في سورة طه، فقال: ? قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ? (طه: 123).
   ومثله قول الله لموسى وهارون: ?قَالَ كَلاَّ فاذهبا بآياتنا إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ? (طه: 15 )، ووافق أسلوب الآخرين في سورة طه: ? إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى? (طه: 46).
   وأمثلته في كلام العرب أكثر من أن تحصى، ومنه قول الأخفش:
            لما أتتنا المرأتان بالخـبر        فقلنَ إن الأمر فينا قد شهر 
   وقال أبو سعيد الزيدي:
           يحيِّي بالسلام غنيَّ قوم        ويَبخلُ بالسـلام على الفقير
         أليس الموت بينهما سواءً         إذا ماتوا وصاروا في القبور (419)
   فقال: (ماتوا)، ولم يقل : (ماتا)، مع أن واو الجماعة تتعلق باثنين، وهما الغني والفقير.
   المسألة الرابعة: تذكير المؤنث
   قالــوا: أخطأ القرآن حين ذكَّر المؤنث في قوله تعالى: ?اللهُ الذِي أَنْزَلَ الكِتَابَ بِالحَقِّ وَالمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ? (الشورى: 17)، فقال في سياق حديثه عن (الساعة)، وهي مؤنثة: ? قَرِيبٌ ? ولم يقل: (قريبة).
   ومثله في قوله: ?وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين? (الأعراف: 56)، ولم يقل: (قريبة)، مع أنه يتحدث عن رحمة الله، وهي مؤنثة.
   والجـواب: أن المعترض يجهل أن العرب تجيز التسوية بين المذكر والمؤنث في مواضع، أهمها خمسة أوزان، وهي: (فعول) كرجل شكور وامرأة شكور، (مِفْعال) كرجل مِقدام وامرأة مِقدام، (مفِعيل) كرجل مسكين وامرأة مسكين، (مِفعَل) كرجل مغشم وامرأة مغشم، (فعيل) كرجل جريح وامرأة جريح (420).
   وقوله تعالى: ?قريب? على وزن (فعيل)، فيسوى فيها بين الذكر والأنثى.
   ومنه قول امرئِ القيس 
        له الوَيْلُ إِنْ أَمْسَى ولا أُمُّ هاشمٍ        قَريبٌ ولا البَسْباسةُ ابنةُ يَشْكُرا 
   ومنه قول قيس بن الخطيم:
           فليت أهلي وأهل أثـلة في الـ          دار قريب من حـيث نختـلف 
   ومثله قول وضاح:
          حين تـــنبي أن هنــداً قريب         يبلغ الحاجــات منها الرسـول
   ومثله قول عبد الله بن الحجاج:
         وأنى ترجي الوصل منها وقد نأت         وتبخل بالموجود وهي قريب
   وقد جمع بين الوجهين (بعيدة ، قريب) الشاعر بقوله:
         عشيــة لا عـذراءُ منــك بعيــدة         فتدنو ولا عذراءُ منك قريب (421)
   المسألة الخامسة: ضمير الجمع والإفراد
   قالــوا: القرآن يخلط بين المفرد والجمع، وذلك في قوله: ? كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ ? (البقرة: 17)، فصدر الآية يتحدث عن مفرد ? الَّذِي اسْتَوْقَدَ ? ، لكنه في آخر الآية استخدم ضمير الجمع ? بِنُورِهِمْ ?، والأَولى – حسب زعمهم – أن يقول: (بنوره)، كما استشكلوا أمراً آخر، وهو تشبيه الجماعة بالواحد.
   والجـواب: أن الله لم يشبه الجماعة بالواحد، وإنما شبه قصتهم بقصة المستوقد، فالمعنى: مَثلُ استضاءة المنافقين بما أظهروه بلسانهم وهُم به مكذبون اعتقاداً؛ كمثَل استضاءة المُوقِد ناراً
   ولن يعترض معترض على قولنا: (كمثل استضاءة)، فالحذف في الكلام معروف عند العرب، إذا فهم المعنى من السياق، كما قال نابغةُ بني جَعْدَة:
         وَكَيْفَ تُوَاصِل من أَصْبَحَتْ          خِــلالَتُهُ كَأَبــِي مَرْحَـبِ (422)
   أي: كخِلالة أبي مَرْحب. فأسقط (خِلالة)، لأنها مفهومة من السياق.
   وأما تمثيلَ الجماعةَ بالواحد فجائز، ومثاله كثير في القرآن ولغة العرب ، كقوله: ? مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ ? (الجمعة: 5).
   ثم يصح أن يقال: إن الآية تتحدث عن مستوقد واحد أضاء للمجموع، فصار هذا الضوء لهم جميعاً، لأنهم جميعاً منتفعون به.
   ووجه آخر لم يعرفه أعاجم العرب الطاعنون في القرآن، وهو أن العرب تأتي بـ (الذي) بمعنى (الذين)، كما قال الأشهب بن رميلة:
       وإن الذي حانت بفَلْج دماؤهم        هم القوم كل القوم يا أم خالد 
   ومثله قول الشاعر:
             ربَّ عَبْس لا تُبارِكْ في أَحَدْ        في قائـمٍ منهــم ولا فيمن قَعَدْ
                                     إلاّ الذي قامُوا بأَطرْاف المَسَدْ(423)
   وهكذا تبين جهل الطاعنين في بلاغة القرآن وأسلوبه، لقد جهلوا لغة العرب وبلاغة القرآن التي عرفها أعداؤه زمن بلاغة العرب وجزالة اللغة، فقال قائلهم (الوليد بن المغيرة): والله إنَّ لقولِه الذي يقولُ لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنه لمثمرٌ أعلاه، مغدِقٌ أسفلُه، وإنه ليعلو وما يُعلا، وإنه ليَحطِم ما تحته”(424).

   

 

 

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث