اين سيتوقف الانحدار البريطاني - خيرالله خيرالله

المتواجدون الأن

160 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

اين سيتوقف الانحدار البريطاني - خيرالله خيرالله

 المضحك المبكي في أحيان كثيرة الكلام الذي يصدر عن سياسيين لبنانيين وعرب عن دور بريطانيا في الشرق الاوسط والخطط البعيدة المدى التي ترسمها للمنطقة. يكشف هذا الكلام وجود نوعين من السياسيين اللبنانيين والعرب. نوع يعيش في الماضي ونوع على تماس مع الحاضر ومع التطورات التي شهدها وما زال يشهدها العالم. كلّ ما في الامر، ان بريطانيا في حال انحدار ولا وجود لدهاء ولا لمن يريد ادعاء الدهاء بين سياسييها

لعلّ المرّة الأخيرة التي كان فيها لبريطانيا دور اساسي في مجال اتّخاذ قرار كبير على الصعيد العالمي، هو في العام 1990. كان ذلك في مرحلة ما بعد الاحتلال العراقي للكويت والقرار المجنون الذي اتخذّه صدّام حسين باجتياح بلد جار مستقلّ يمتلك ثروة نفطية كبيرة واحتلاله. لعبت وقتذاك مارغريت تاتشر، رئيسة الوزراء، دورا حاسما في اقناع الرئيس جورج بوش الاب بان ما ارتكبه صدّام حسين يجب الّا يمرّ. يجب إخراجه من الكويت مهما كلّف الامر ومعاقبته على الجريمة منذ اللقاء المشهور بين تاتشر وبوش، صيف 1990، لم يعد من مجال لايّ تردّد أميركي من ايّ نوع. لم تمض ايّام على اللقاء، الّا وبدأت التحضيرات لتشكيل تحالف عسكري دولي بعدما أعلنت السعودية وضع أراضيها في تصرّف الدول التي تريد ارسال قوات لتحرير الكويت واعادتها الى اهلها. ترافق ذلك مع موقف لا لبس فيه للرئيس الاميركي دفعته اليه تاتشر. تلخّص ذلك الموقف بانّ اميركا "رسمت خطا في الرمال". هذا الخط هو الحدود الدولية المعترف بها دوليا لدولة الكويت

. منذ العام 1956، تاريخ ما يسمّى "حرب السويس" المغامرة العسكرية الأخيرة لبريطانيا، من دون ضوء اخضر أميركي، ارتضى الأسد العجوز بدور اللاعب المساند للاعب الكبير هو الولايات المتحدة الاميركية. اجبر الرئيس دوايت ايزنهاور بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على وقف الحرب وذلك بعد انزال جوي فرنسي ـ بريطاني في السويس وبعد احتلال إسرائيلي لسيناء. أبلغت واشنطن البريطاني والفرنسي والإسرائيلي انّه لا يحق لايّ من الثلاثة الدخول في حروب من خلف ظهرها. هناك عرب كثيرون لم يفهموا في تلك المرحلة معنى ذلك. اعتقدوا ان انتصارا كبيرا حققه جمال عبدالناصر "على الاستعمار واعوان الاستعمار". صار زعيم مصر يستطيع، بفضل انتصار وهمي، قلب أنظمة عربية تتمتع بحدّ ادنى من الحسّ الحضاري، فكانت مأساة الوحدة المصرية ـ السورية في شباط - فبراير 1958 ثمّ الانقلاب الدموي على النظام الملكي في العراق في الرابع عشر من تمّوز ـ يوليو من تلك السنّة. كانت الوحدة بداية للمأساة السورية وكان يوم حصول الانقلاب العسكري في العراق اليوم الأخير الذي يعيشه العراقيون في ظروف طبيعية منذ 1956، قبلت بريطانيا العظمى بدور التابع للولايات المتحدة، فيما لم تجد فرنسا سوى الاندفاع في اتجاه أوروبا كي تحافظ على وضع يسمح لها بممارسة دور، وان كان محدودا، على الصعيد الدولي. كان على فرنسا الاستسلام في الجزائر والخروج منها نهائيا في العام 1962 وكان على بريطانيا بدء الانسحاب من منطقة الخليج، خصوصا بعد اضطرارها الى القبول باستقلال اليمن الجنوبي والخروج من عدن التي كانت محط اهتمام الاتحاد السوفياتي.

حتّى عندما انضمت في العام 1973 الى المجموعة الاوروبية، التي صارت لاحقا الاتحاد الاوروبي، بقيت بريطانيا تغرّد خارج السرب الاوروبي. بقيت مرتبطة بتلك العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة. كان افضل تعبير عن ذلك سير توني بلير الى النهاية في ركب السياسة الاميركية تجاه العراق في عهد جورج بوش الابن في العام 1990، كانت مارغريت تاتشر تؤثّر في الرئيس الاميركي جورج بوش الاب. لم تترك أي مجال لايّ نوع من التردّد عندما كان الموضوع مرتبطا بإخراج صدّام حسين من الكويت. في العامين 2002 و2003، لم يكن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير سوى موظّف في الادارة الاميركية مهمّته الترويج لقرار الحرب على العراق. انّه قرار ادّى الى تدمير الشرق الاوسط، خصوصا بسبب غياب الرؤية الواضحة لما بعد الانتهاء من اسقاط نظام صدّام حسين. اكثر من ذلك، لم تمتلك بريطانيا أيّ تصوّر استراتيجي لما يمكن ان يصبح عليه العراق في ظلّ التشجيع الايراني على الانتهاء من النظام القائم ومشاركة ايران للاميركيين والبريطانيين في الاعداد للحرب على العراق وفي الحرب نفسها لاحقا.

من الدور الذي لعبته مارغريت تاتشر في جعل جورج بوش الاب يسير في خطّ رسمته له... الى خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي اثر استفتاء "بركسيت" الذي مضى عليه عام كامل، مرورا بالدور الذي لعبه بلير في الترويج للحرب على العراق إرضاء لبوش الابن فقط، تتابع بريطانيا سقوطها. هذا لا يعني بالطبع ان البلد سيفقد كلّ اهمّيته على الصعيدين الاوروبي والدولي، لكن الواضح ان مرحلة الانحدار مستمرّة من استفتاء "بركسيت" الذي صوّت فيه جهلة لمصلحة الخروج من الاتحاد الاوروبي، من دون معرفة عواقب ذلك، الى الانتخابات المبكرة التي دعت اليها تيريزا ماي في الثامن من حزيران ـ يونيو والتي أتت نتائجها بمثابة كارثة على حزب المحافظين، يصعب تصوّر كيف يمكن لدولة تمتلك كلّ هذه المؤسسات العريقة ان تصل الى ما وصلت اليه في العام 2017.

هناك رئيسة للوزراء في السلطة وهناك في الوقت ذاته من يبحث عن بديل منها داخل الحزب الذي تنتمي اليه. يصعب لحزب حاكم المحافظة على تماسكه فيما الصراعات قائمة بين اكثر من وزير في الحكومة. هناك ايضا رئيسة للوزراء لم تحسن حتّى التعاطف مع ضحايا حريق البناية الكبيرة في لندن والكارثة التي نجمت عنها. هناك رئيسة للوزراء راهنت على خروج هادئ وبطريقة ناعمة من الاتحاد الاوروبي، فاذا بكل رهاناتها تسقط في ضوء فشلها في الحصول على اكثرية مريحة في مجلس العموم الجديد.

مأساة المآسي ان تكون تيريزا ماي التي تظهر للناس العاديين وكأنها امرأة لا تمتلك أي مشاعر إنسانية نجحت في تعويم زعيم حزب العمّال جريمي كوربن الذي لا يحظى بشعبية واسعة داخل حزبه نفسه. ليس كوربن سوى سياسي بريطاني من النوع الذي تجاوزه الزمن. يريد إعادة بريطانيا الى ما قبل ايّام مارغريت تاتشر التي استطاعت خلق ثورة حقيقية جعلت للامبراطورية التي لم تكن الشمس تغيب عنها بعض المكانة على الخريطة الدوليةاين يتوقف الانحدار البريطاني؟ من الصعب الإجابة عن السؤال. الأكيد في الوقت الراهن ان تيريزا ماي لا تستطيع سوى الخروج من أوروبا من دون ان تكون مقبولة كحليف يمتلك كلمة في واشنطن

 

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث