هل يحتاج ترامب إلى الشعر؟- صبحي حديدي

المتواجدون الأن

166 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

هل يحتاج ترامب إلى الشعر؟- صبحي حديدي

الشاعرة الأفرو ـ أمريكية ريتا دوف تختار جانباً خاصاً، غير مألوف في الواقع، لكي تتوجس خيفة من رئاسة دونالد ترامب: إنه، بمعزل عن النبرة العنصرية والرهاب ضدّ الآخر والنزعة الانعزالية، ينحدر باللغة السياسية، وبالخطاب الحكومي عموماً، إلى مصافّ دنيا، بل هي، أغلب الظنّ، أدنى من أي مستوى هبط إليه أيّ من ساسة الولايات المتحدة. «ليس هكذا تصل إلى الناس، وتجعلهم يدركون أنّ الزعيم يتحدث بلغتهم، فتُظهر فهماً لما هو حميمي وأليف في اللغة العمومية، ولكن الراقية»، أعلنت دوف، في حوار مع موقع Salon.
وإذا كان هذا الموقف لا يلفت، بصفة خاصة، إذْ يصدر عن شاعرة أفرو ـ أمريكية، دافعت طويلاً عن حقوق السود والأقليات الإثنية في الولايات المتحدة، فإنّ دلالته الأخرى اللافتة تتمثل في أنه يشير إلى بعض حال الشعر مع رئاسة ترامب، خاصة وأنه استعلى على الشعراء (رغم أنّ أحداً منهم لم يخطب ودّه، أصلاً!)، واستغنى عنهم (في مقارنة ضمنية مع روبرت فروست/ جون كنيدي، 1961، ومايا أنجيلو/ بيل كلنتون، 1993، وإليزابيث ألكسندر/ باراك أوباما، 2009، على سبيل الأمثلة).
أهمية أخرى خاصة يكتسبها موقف دوف، تأتي من كونها نالت، سنة 1987، جائزة «بولتزر» للشعر، وهي الأرفع على مستوى الولايات المتحدة، فكانت بذلك ثاني مَنْ يحصل عليها بين الأدباء والأديبات الأفرو ـ أمريكيين، منذ عام 1950، حين نالتها شاعرة سوداء بدورها، هي غويندولين بروكس. وفي عام 1993 سُمّيت دوف «أميرة شعراء» أمريكا، فكانت هذه المرّة أوّل من يحظى باللقب من الأديبات والأدباء السود، على امتداد تاريخ الولايات المتحدة. «أليس الأمر أوضح دليل علي طبيعة السياسة الثقافية في هذا البلد؟»، تساءلت دوف آنذاك، وكأنها تشدّد على خطّ جديد/ قديم في نسيج موضوعاتها الشعرية: علاقات الأسود والأبيض.
غير أنّ دوف كانت ستصل إلى إمارة الشعر في كلّ حال، إنْ لم يكن في العام 1993 ففي العام الذي يليه، أو الذي بعده. وكان روبرت بن وارن قد تقلّد الإمارة في سنّ الثمانين، ولم يكن في وسع أمريكا أنّ تدفع المنصب بعيداً عن دوف بعد أن شغله أمثال جوزيف برودسكي ومارك ستراند. وإذا كان واجب أمير الشعراء في بريطانيا يدور أساساً حول «قرض» الشعر في المناسبات الملكية السعيدة (حفلات الزفاف، مختلف أنواع اليوبيلات، الولادات والترقيات الكبرى…)، مقابل «جعالة» سنوية تبلغ 5750 جنيهاً، وبرميلاً من شراب الـ»شيري»، ليس أكثر (هذه، الآن، جعالة كارول آن دفي)، فإنّ واجب أمير الشعراء الأمريكيين أكثر ديمقراطية، وأشدّ تعقيداً، و… أجزى أجراً (35 ألف دولار). وبهذا المعنى يمكن الوقوف على أهمية تقليد شاعرة متميّزة (وامرأة شابة، سوداء، متزوجة من ألماني أبيض!) أرفع منصب شعري في الولايات المتحدة. كلّ هذه الحيثيات في سياق مطلع التسعينيات، أي في طور بدا فيه المشهد الشعري الأمريكي مزدحماً بقدر ما هو متماثل، ومضطرماً بقدر ما هو ساكن.
في كلّ حال، استحقت دوف الإمارة، بامتياز وجدارة، ويكفي التشديد على أنها اليوم رائدة في جيلها، دون أن تضطر إلى الانفكاك عن أفضل تقاليد الشعر الأمريكي الحديث والمعاصر. كذلك فإنّ شعرها متورّط تماماً في وعي وطأة التاريخ على الوجدان الأمريكي حين ينفصل إلى أبيض وأسود (وكثيراً ما يفعل!)، وأنّ مقاربتها، في استعادة جذور الذاكرة الجَمْعية السوداء، بدأت من إدراك المحلّي، وانتقلت إلى الإنساني، واتسعت لتشمل الكوني.
ذلك لأن موقفها من التاريخ لا ينطوي على تعقيد بالغ، بل ينهض على إدراك ذاتي لحقيقتَيْن: أنها لم تُمثّل في التاريخ كامرأة وكامرأة سوداء تحديداً، وأنّ من عادة التاريخ ألا يمثّل البشر العاديين. وهي تقول في هذا الصدد: «من الواضح أنني، كامرأة سوداء، معنية تماماً بمسائل العرق. ولكن من المؤكّد أنّ قصائدي لا تدور كلها حول حقيقة أنني سوداء! إنها قصائد عن الإنسانية، هذه التي يحدث أحياناً أن تكون سوداء»!
وشخصياً لا أجد كبير حرج في اعتبار دوف أوّل شاعرة سوداء تبني مكانتها اعتماداً على مكانة الشعر أوّلاً، وليس اعتماداً على انقلاب الشعر إلى بيان سياسي ضدّ العنصرية البيضاء. والحال أننا يندر أن نعثر على شاعرة أو شاعر أسود طوّر برنامجه الجمالي على غرار ما فعلته في الرواية أسماء مثل توني موريسون، أليس ووكر، غلوريا نيلور، ودافيد برادلي. وإذ يصعب على المرء استحضار اسم واحد من هؤلاء، لم تنهض شهرته على استثمار مناخات النضال ضد العنصرية البيضاء، أواخر الستينيات ومطالع السبعينيات، فإنّ من الصعب أيضاً العثور على اسم كبير واصل تلك الشهرة بعدئذ، اعتماداً على معطيات البرنامج الشعري وحده.
لماذا يحتاج ترامب إلى الشعر أصلاً، تساءلت دوف، التي انخرطت ضمن مجموعة «كتّاب يقاومون»، ليس للاحتجاج على انحدار الخطاب في الرئاسة الراهنة، فحسب، بل، كذلك، لتذكير أمريكا بقيمة القول والكلمة والمعنى، ولإبقاء جذوة الشعر حيّة وحيوية وعارمة، رفيعة وبليغة أيضاً، وأوّلاً.

 

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث