في 'فرن بغداد'.. هل ستحترق الأوراق الجديدة - د. ماجد السامرائي

المتواجدون الأن

81 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

في 'فرن بغداد'.. هل ستحترق الأوراق الجديدة - د. ماجد السامرائي

أسئلة عدة تتبادر إلى الذهن حول انعقاد مؤتمر للسنة في بغداد، أولها لماذا هذا المؤتمر؟ وثانيها لمـاذا في بغداد؟ وثالثها حول هوية المشاركين وما هي أهدافه السياسية؟

وللإجابة عن تلك التساؤلات لا بد من الإشارة إلى أن الترتيبات الأميركية للنظام السياسي في العراق بعد احتلاله عام 2003 نفذت حكما جائرا بحق العرب السنة عندما وضعتهم في دائرة صراع طائفي مفتعل مع إخوتهم الشيعة خدم أغراض هيمنة الأحزاب الشيعية على الحكم، ولكي تسهل مهمة تمهيد ذلك الطريق كان لا بد من إزاحة جميع منظومات الدولة العراقية من قوات مسلحة (جيش ومؤسسات أمنية) ومؤسسات مدنية أخرى والشروع في عملية سياسية ارتكزت على التحالف الكردي الشيعي، وتم إلحاق ممثلي الحزب الإسلامي العراقي (الإخوان المسلمين) كممثلين للسنة ومنفذين لبرنامج الحكم الطائفي.

أدت هذه اللعبة إلى فتح أخاديد للانقسامات داخل المعسكر السياسي السني الذي نما بسرعة بسبب شهوة السلطة وامتيازاتها الوجاهية والمالية أمام رفض ومقاومة قطاع واسع من السنة لقوات الاحتلال الأميركي، ما كرس كراهية الأميركان لهم وتم تسويق الكثير من الاتهامات ضدهم، فالعربي السني هو بعثي ملاحق حتى تثبت براءته في حين أن الحقائق تقول بأن معظم قادة حزب البعث والدولة والجيش كانوا من الشيعة، وتم تحويل قانون الاجتثاث ثم المساءلة والعدالة إلى وسيلة ” قانونية” للاقتصاص والحرمان من الحقوق المدنية من دون تهم قضائية، وبمرور الأيام تحولت قصة المرجعية السنية إلى أهم إشكاليات العلاقة مع الأحزاب الشيعية التي تفتخر بأنها تمتلك مرجعية مذهبية كظهير قوي لها.

مع أن السنة تاريخيا لم يهتموا بموضوع المرجعية مذهبيا لاعتقادهم بأن الإسلام دين واحد تظلله سنة النبي محمد، ولم يتوقع أحد بأنه سيأتي يوم في العراق تقام موازين المشاركة السياسية في إدارة البلاد على أسس طائفية ومذهبية تخرج من خلالها أشباه السياسيين.

إشكالية سياسية أخرى واجهت مشاركة السنة في الحكم تتعلق بالمؤسسة العشائرية العراقية التي ظلت تاريخيا على علاقة إيجابية مع الحكومات العراقية قبل 2003، بل إن صدام حسين استخدم الوجوه العشائرية سنية وشيعية لتنفيذ أغراضه التعبوية الداخلية ولم تنعدم هذه الوظيفة السياسية للزعامات العشائرية في العهد الجديد، بل أصبحت من أهم واجبات الناشط السياسي لكي يحقق جماهيرية مضمونة هي ثقة القيادة العشائرية به.

ورغم أن عشائر العراق العربية هي الخزان الاجتماعي الواحد للسنة والشيعة، إلا أن مصيبة الانقسام الطائفي السياسي قد وقعت عليهم ظروف وأحكام العملية السياسية هذه خلقت واجهات سنية مرتبكة وغامضة، بعضها يعبر عن مشروع الإخوان المسلمين في العراق والذي استفاد من المهادنة الأميركية والإيرانية معهم واستخدامهم في اللعبة، والبعض الآخر صاحب وجهين فأمام فصائل المقاومة المسلحة والبعثيين في فترة الاحتلال الأميركي كان يقول لهم أنا أعمل من أجلكم ومن أجل مبادئكم سعيا لتغيير العملية السياسية وأنا بحاجة لدعمكم في الانتخابات”، وحين يكون أمام الزعامات الشيعية يقدم فروض الطاعة والاستعداد المطلق لتمرير جميع القرارات والمشاريع عبر البرلمان أو خارجه. كما أن العلاقات بدول الإقليم العربية والجارين التركي والإيراني هي الأخرى لا تقل غموضا وارتباكا، فجماعة الإخوان المسلمين وجدت في تركيا ملاذها العقائدي والسياسي مقابل ولاء السياسيين الشيعة لإيران، أما الفريق السني الآخر فقد تحركت نحوه قطر ضمن مشروعها الطائفي في المنطقة، وكانت في البداية لا تفرق ما بين إخواني وعروبي ليبرالي فقد دعمتهم ماديا.

أما موقف الأحزاب الشيعية الحاكمة فهناك ضبابية في الرؤية المستقبلية، وما يشغلها هو كيفية الحفاظ على قيادتها لحكم العراق ومن جملة ما تواجهه من صعوبات تضاف لخسارتها الشارع الشيعي هو كيفية إدارة البلاد من دون الحليف الكردي الذي أعطى الحياة للمعادلة الثلاثية الطائفية للسنوات السابقة، أما موقفها من القيادات السنية الحالية فالأفضل لديها التعاطي مع من جربتهم لأكثر من أربعة عشر عاما من الأسماء الحالية حتى بعد تغيير عناوينها، رغم عدم ثقتها ببعض القادة ذوي الولاء الحميمي لتركيا أو قطر أو السعودية، ولهذا فهي قد شجعت، ومن خلفها طهران، شخصيات سنية أثبتت كفاءتها بالولاء لزعامة الحكم الشيعي وحرصها على إدامة هذه المسيرة حتى وإن فقدت الجمهور العربي السني لقناعتها بأن الجمهور العراقي السني والشيعي يمكن شراؤه موسميا خاصة وأن العراقيين بسطاء تلعب بهم دغدغة العواطف، لكنها تناست ما أحدثه مسلسل الفشل وسطوة إمبراطورية الفساد من آثار عنيفة على حياة الناس والنتائج المنتظرة لمواقف أهل الموصل تجاه زعاماتها التقليدية.

لكن بعض الزعامات الشيعية تعتقد أنها بحاجة إلى الحليف السني، وهي تريد فريقا موحدا متجانسا قادرة على التعامل معه دون ازدواجية في الولاء ولهذا طرح عمار الحكيم مبادرته للتسوية السياسية لخلق هذا الفريق السني الموحد، لكنها لم تلق تجاوبا وحماسة لا داخل البيت الشيعي ولا عند القيادات السنية التي خشي بعضها من مصير الخروج النهائي من اللعبة، وارتباط ذلك بوضع الخليج الجديد تجاه قطر والمخاوف من كشف ملفات دعمها للزعامات والتنظيمات المتطرفة في العراق. لهذا سارعت إلى التجاوب مع فكرة نقل موقع الاجتماعات الدورية لتلك الزعامات لبحث مصير العراق ومستقبله  من تركيا إلى بغداد ضمن إطار بحث الحزمة الواحدة للعبة ليس غريبا القول إن سياسيي السنة التقليديين والجدد يمكن أن يوضعوا تحت مسطرة التعامل الإقليمي وفق مستويات التأثير وحجمه، فقد أضيفت إلى عناوين “سنة المالكي وسنة الحكومة والبرلمان” قائمة جديدة هم سنة إيران، وقد أصبحت المسطرة الإقليمية أحادية الجانب وهي مسطرة طهران، فلعوامل كثيرة لم تعد أنقرة لها وزنها في المعادلة العراقية، كانت تتمنى تحقيق معطيات لوجستية في دعمها لعائلة النجيفي في معركة الموصل، ودربت مجاميع ليست قليلة من مقاتلين موصليين، لكنهم تعطلوا في منتصف الطريق لسبب يتعلق بشعبية آل النجيفي بالموصل وهيمنة الحشد الشعبي على مفاصل لوجستية مهمة في تلك المعركة.

قد تشترك مجموعات سنية كثيرة في "فرن بغداد" ومن بينها وجوه ليبرالية كانت صعبة المراس ومزاجها سلبي في التعامل مع مجريات العملية السياسية يضاف إلى ذلك ما حصل لقطر من انكشاف خطير لملفات التعامل مع التنظيمات المتطرفة والإرهابية إلى درجة أصبح عنوان العلاقة مع الدوحة يثير درجة عالية من الشبهات داخل الأوساط السياسية العراقية هذا المستجد السياسي هو الذي دفع بالكثير من الرموز السنية الجديدة إلى أن تبحث لها عن مرجعية داخلية، وتقدمت الأحزاب الشيعية لتمد لها حبل النجاة بشرط الإيفاء بالتزام سياسي مهم وهو تجاوز العقد القديمة في النظرة إلى طهران، والتدرج في قبول الحالة الجديدة التي تقول بأن طهران بعد خمسة عشر عاما من الفعل داخل العراق لم تعد راعية للأحزاب الشيعية التي وفرت لها فرصة حكم العراق، وإنما أصبح الكنترول بيدها لكل العراق سنته وشيعته، بعد خروج الأكراد من خارطة العراق. ومن الطبيعي أن تدير شؤون جميع سياسييه ومن بينهم السنة.

وقد تشترك مجموعات سنية كثيرة في “فرن بغداد” ومن بينها وجوه ليبرالية كانت صعبة المراس ومزاجها سلبي في التعامل مع مجريات العملية السياسية، وقد وصلت اليوم إلى درجة الإحباط رغم أنها امتلكت المال بطرق ليست خافية والذي يمكن أن يعزز مواقفها السياسية الاستقلالية، لكنها تعتقد بأنها لا تستطيع منافسة أصحاب المال الوفير من داخل الحكم

. كان لأصحابها طموح كبير لعودة مجد قديم لكنها وجدت نفسها اليوم راضخة للعبة الصعبة في بغداد لما بعد داعش، ولتنتقل مثل تلك الأسماء من المعارضة السياسية إلى الملعب الجديد رغم تعب غالبية لاعبيه وعجزهم عن المنافسة، لا يوجد مهاجمون ولا مدافعون ولا حماة للهدف، الموجود ضعفاء تائهون. لا الملعب مناسب، ولا لاعبوه من السنة مناسبون، فكيف غامر أصحاب الطموحات الكبيرة من بين بعض ليبراليي السنة بدخوله، ولماذا استعجلوا الدخول في “الفرن” الذي سيحرق آخر أوراق السنة فيما لا تزال وجوه عربية سنية لديها رصيد وطني نظيف لا تقبل اللعبة الحالية، وتراهن على مشروع عراقي عربي سني شيعي، وهي صاحبة المستقبل بين الجمهور العراقي.

من يريد المشاركة في مؤتمر بغداد عليه القبول بشروط اللعبة: الأحزاب الشيعية هي الحاكمة وهي من يحدد مصير العراق، وللسنة نفس المكانة وذات الكراسي منذ عام 2005. مع عدم قبول ازدواجية المواقف، فلم تعد هناك قطر ولا تركيا ولا غيرهما. والأحزاب الشيعية هي التي كسبت هذه الجولة من اللعبة إذا ما ابتدأ شوطها في فرن بغداد، أما أولئك المريدون الجدد فستختفي قاماتهم التي كانوا يزاودون بها ويوهمون جمهورا عريضا من الأغلبية الصامتة بأنهم سيواصلون درب التغيير السياسي في بغداد، ولقد أخطأ هؤلاء الحساب وانقطعت أنفاسهم قبل الوصول إلى الأهداف الرافضة للطائفية والكراهية. ولن تقدم لهم شعارات المزاودة على أشلاء أهلهم في الموصل وصلاح الدين والأنبار وكركوك وديالى سلاحا سياسيا. وستحترق الأوراق الجديدة قبل بدء اللعبة

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث