معركة الحبانية والفلوجة ضد سلاح الجو البريطاني - محمد شاكر

المتواجدون الأن

72 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

معركة الحبانية والفلوجة ضد سلاح الجو البريطاني - محمد شاكر

 

عندما قتل الملك غازي في 4 نيسان 1939بحادث السيارة المزعوم وصل الي الفلوجة الامير عبد الله في طريقه الي بغداد للاطلاع والوقوف على تفاصيل هذا الحادث المأساوي.. وقد ذكر المعاصرون ان اهالي الفلوجة هرعوا لاستقباله وتعزيته بهذه الفاجعة الاليمة التي حلت بالعراق حيث كان الملك غازي (1933 -1939) يتبوأ مكانة كبيرة في نفوس العراقيين ولاسيما الشرائح الشعبية منها لما كان يحمل في نفسه من تطلعات وطنية وقومية كثيرا ما كانت تصطدم بمصالح الانكليز الذين كانوا يهيمنون على سياسة العراق انذاك وقد اثار مقتله الذي اكتنفه الغموض الجماهير بعد ان اذهلتها الفاجعة فراحت تنتحب وتلطم الصدور من فرط حزنها بينما طفق اخرون يلقون الخطب الحماسية في جموع المحتشدين وهي تتهم الانكليز واعوانهم بقتل الملك كما انطلقت من حناجر هذه الجماهير الغاضبة الهوسات الشعبية وهي تجسد بلاشك ما كان في داخل صدرها من مرارة واسي وما تعبره من تصورات ومكنونات نفوسهم تجاه هذا الحدث وكانت جماهير الفلوجة تهتف أمام الأمير عبد الله:
يا طبيب العاصمة لا تلجمه
وروح غازي صعدت لسابع سمة
واستمر اقامة المآتم في الفلوجة سبعة أيام ومن الجدير بالذكر ان إدارة مدرسة الفلوجة الابتدائية كانت تنظم سفرة مدرسية لطلابها يوم 4 نيسان 1939 واثناء وصول تلك السفرة الي جسر الخر علموا بمقتل الملك غازي فعادو ادراجهم الى الفلوجة وكان من اولئك الطلبة الحاج احمد علي النوري، طه جاسم الجميلي، مهدي ويس المحمدي، مجيد حمود النوري، رشيد احمد النوري، رزوق البلش علي حسين الدباس، فرحان عبد شريف، عمر الصعب.

الفلوجة وثورة 2 ايار (مايو)
عندما تأزم الموقف بين العراق والانكليز في نيسان 1941 ظهرت نوايا الانكليز واضحة للاشتباك مع الجيش العراقي، لانهم ارادوا ان يوجهوا العراق وفق مصالحهم الاستعمارية متجاوزين نصوص المعاهدة العراقية ــ الانكليزية سنة 1930 عند ذلك تقدم الجيش العراقي البطل بقيادة العقيد فهمي سعيد قائد القوة الالية واشغل التلول المشرفة على معسكر الحبانية المسماة (تلول سن الذبان) يوم 30 نيسان 1941، فطلب السفير الانكليزي ببغداد من قائده الجوي يوم 1 مايو 1941 ان يضع طائرته في الجو ويطلب الانسحاب الفوري لكل القوة العراقية الموجودة في شرقي الفلوجة، وفي صبيحة يوم الجمعة 2 مايو 1941 هاجمت القوات الانكليزية مواضع الجيش العراقي واحتلوها لتفوق قطعاتهم وتكاثر نجداتهم واسلحتهم وهي ترد عليهم بالطائرات فانسحب الجيش العراقي الي منطقة الفلوجة للدفاع عنها لانه لابد للانكليز من احتلالها قبل تقدمهم نحو بغداد اذ هي أهم هدف في طريقه نحو العاصمة وفيها الجسر الحديدي الذي يربط العراق بشرقه كذلك حتى لا يتجدد حصار العراقيين على قاعدة الحبانية لقد بدأ الانكليز بقصف الفلوجة تمهيدا لاحتلالها حيث تعرضت المدينة لقصف الطائرات الانكليزية يوم الاحد 4/5/1491 وبشدة كبيرة واصيب من جراء ذلك القصف جامع المدينة الكبير ومركز الشرطة المقابل له وبعد ان شاهد الانكليز حجم الخسائر التي انزلت بالقوات العراقية بسبب القصف الجوي وانهيار معنويات الجنود الذين بدأوا بالانسحاب بدون اوامر من قيادتهم قرروا الهجوم الارضي على القطعات العراقية المتواجدة في قرية سن الذبان القريبة من القاعدة الجوية والتي كانت مسيطرة على الطريق الرمادي ـ بغداد وفي يوم 5 مايو قامت القوات الانكليزية تسندها بعض السيارات المصفحة وباسناد كثيف من قصف الطائرات والمدفعية تمكنت القوة الانكليزية من السيطرة على القرية وازاحة القطعات العراقية منها وبذلك تم رفع الحصار العراقي بشكل كامل عن القاعدة الجوية الانكليزية ثم انسحبت القوات العراقية تماما الة الفلوجة، ويبدوا ان القوات العراقية كانت تتوقع ان تقوم القطعات الانكليزية بهجوم على قرية الصقلاوية بقصد الاقتراب من الفلوجة ومهاجمتها من الشمال الغربي لذلك تحركت بعض القطعات العراقية ورابطت في صدر جدول الصقلاوية مع بعض من افراد الشرطة حيث وصلت مفرزتان من قوة الشرطة السيارة الى منطقة الصقلاوية للتعاون مع القطعات التي في الضفة اليسري واستطلاع النهر نحو الشمال الغربي في الضفة اليسري ايضا، كما كان مع الجيش والشرطة مجموعة من اهالي المنطقة يقودهم الشيخ سمير الشلال شيخ عشائر المحامدة الذي تطوع في صفوف القوة العراقية المرابطة في الصقلاوية ثم قام بضيافة افراد هذه القوة وقدم كافة المساعدات الممكنة لهم، وفي فجر الاثنين 9 مايو 1941 شنت القوات الانكليزية هجومها علي الفلوجة واعدت لذلك فوجين من لواء غوركا الرابع (فوج ليفي الاثوريين) ثم تحرك هؤلاء من الحبانية وعبروا عن طريق جسر عائم اقامه الانكليز لأن الجيش العراقي كسر بعض السدود علي الفرات بامر قائد القيادة الغربية العقيد الركن صلاح الدين الصباغ فغمرت المنطقة الواقعة في صدر السرية (مقابل الحبانية) بمياه الفرات لعرقلة عبور القطعات الانكليزية وتقدمها نحو قرية الصقلاوية بقصد الاقتراب من الفلوجة ومهاجمتها من الشمال الغربي، وقد استطاع فوج ليفي الاثوريين مهاجمة الصقلاوية وحدثت علي اثر ذلك معركة شديدة بين هؤلاء والقوات العراقية استشهد علي اطرها عدد من الضباط والجنود والثوار وكان من بين الشهداء الشيخ سمير الشلال والنقيب جودت امر القوة العراقية ومن الجدير بالذكر ان الشيخ سمير الشلال عندما سقط شهيدا قام الانكليز برمي جثته بالنهر امعانا في الانتقام من الثوار العراقيين كما تقدم الاثوريين من جنوب الفلوجة عبر المناطق المغمورة بمياه الفيضان ثم عبروا نهر الفرات ووصلوا الي 61 كم من الفلوجة وكنوا هناك بالاضافة الي ذلك قام الانكليز بانزال مئتي جندي اثوري بواسطة الطائرات في منطقة الحصوة شرقي الفلوجة ثم شرعت الطائرات الانكليزية بقصف مواقع الدفاع العراقية في الفلوجة وكان عددها سبعا وخمسين طائرة واستمر القصف بشكل متقطع في الصباح بينما القيت مناشير خلال توقف القصف تدعو القوة العراقية الي الانسحاب كما تدعو الاهالي الي الطريقة التي تمنهم بواسطتها ان يتركوا البلدة وكان في الفلوجة حينئذ لواء المشاة الثالث بقيادة العقيد سعيد سقاريا، لقد استهدف القصف الجوي تحطيم معنويات الجيش العراقي المدافع عن الفلوجة وشل مقاومته وتساقط نتيجة ذلك القصف عدد من اهالي المدينة قتلي بقنابل المستعمرين الانكليز ودمرت عدة بيوت وقتل ساكنوها وكان من بينهم عائلة عزيز ناصر الجميلي وعائلة سين الذهبية الذي قتل ابنه خضير وحفيده ياسين خضير كما اصيب عدد كبير من الاشخاص ضطر بعد ذلك أهالي المدينة الي الخروج نحو الارياف المحيطة بها كما اضطر الجيش العراقي الي الانسحاب الي بغداد، ويروي غروبا في مذكراته ان انه عنف رئيس اركان الجيش الفريق امين سليمان لعدم نسف جسر الفلوجة الذي كان مقرر نسفه وذكر محمود الدرة ان آمر اللواء الثالث العقيد سعيد سقاريا انسحب من قيادة لواءه في الصباح بسبب جرح اصابه فتسلم قيادة اللواء احد امري الافواج وهو العقيد منير سعيد الذي عزف منذ البداية عن الدفاع وتردفد صدي هذا العزوف علي قيادة الافواج والسرايا وحتي بعض الفصائل وترددت شائعات ان مفاوضات تمت بين الفريقين وادت الي التوقف عن المقاومة وفي داخل البلدة كان هناك اكثر من سبعين جنديا كانوا مختبئين في احد البيوت وحينما جائتهم الاخبار بحصول انزال انكليزي خلف المدينة قاوموا الانكليز بالسلاح الابيض واستشهد الكثير منهم في هذه المعركة وهكذا استطاع الانكليز بقيادة المقدم السير غراهام وسريته المؤلفة من الاثوريين ان تندفع فيما بعد وتحتل الجسر الوحي حيث تمركزت هي وكيبة اخري وراحت تشن منها هجمات مضادة وفي يوم 21 مايو 1941 حاول الجيش العراقي استرداد الفلوجة من ايدي الانكليز واعد لذلك فوجان من اللواء السادس العراقي تعززهما ثمان دبابات فاستطاع الفوج الاول من ان يدخل المدينة ثم دارت معركة طاحنة تحملت القوات الاثورية عبئها الاكبر وادت الي تردي موقف الانكليز، اما الفوج الثاني فقد ارتبك أمره في تلك الساعة وفقد السيطرة حتي ادي ذلك الي عدم تعاون هذا الفوج مع الاول وقد عاد ادراجه بعد ان قطع منتصف الطريق الي نقطة شروعه في خان ضاري مدعيا انه ضل الطريق في صحراء الحصوة، كما كان هناك فوج ثالث في الاحتياط ويقيم في مزرعة (ابو غريب)، بالقرب من بغداد فلما تلقي اشارة الاستيلاء علي الهدف من قبل القطعات العراقية خرج الي الارض المكشوفة فعاجله سرب من القاصفات الانكليزية وحال دون تقدمه ولم تنجح محاولة الجيش العراقي في نسف الجسر بسبب تعرضهم لنيران الطائرات الانكليزية وبذلك لم يستطع الجيش العراقي من استعادة الفلوجة وعزي الشهيد صلاح الدين الصباغ اسباب ذلك الي :
1 ــ عدم وجود احتياط
2 ــ تضعضع المعنويات من طائرات الاعداء ولعدم وجود طائرات تساند قطعاتنا.
ان القوات الانكليزية حين احتلالها الفلوجة كان معها قوات الليفي الاثورية وقد تذكرت الخسائر التي أوقعها الجيش العراقي بها في عصيان 1933 فقامت باعمال انتقامية كاطلاق النار علي المواطنين واعتقالهم ونهب البيوت واشاعة الخوف وتشجيع الفوضي والي ذلك اشار الشاعر معروف الرصافي في قصيدته الخالدة (يوم الفلوجة):
أيها الانكليز لن نتناسي
بغيكم في مساكن الفلوجة
هو خطب ابكي العراقيين والشام
وركن البنية المحجوجة
حلها جيشكم يريد انتقاماّ 
وهو مغر بالساكنين علوجة
يوم عاثت ذئاب آثور فيها
عيثة تحمل الشنار سميجة
وادرتم علي العزل كاساّ
من دماء بالغدر كانت مزيجة
فثناءاّ للرافدين وشكراّ
وسلاماّ عليك فلوجة

الرصافي والفلوجة
كان الشاعر معروف الرصافي يتغني بامجاد الأمة العربية ويشيع في نفوس الاجيال كل ما يدفعها للعمل من اجل التحرر والاستقلال والتقدم في مختلف مجالات الحياة الامر الذي كلفه احتمال الكثير من الجور والاضطهاد والحرمان خاصة في السنوات الاخيرة من عمره. وعندما انتخب هذا الشاعر عضواّ في المجلس النيابي العراقي عام 1930 ذلك المجلس الذي صادق علي المعاهدة العراقية ــ الانكليزية لسنة 1930 كان من المعارضين لها بشدة والقي خطابا ندد فيه ببنودها قائلا.. نحن في عقد هذه المعاهدات لسنا علي اختيار بل علي اضطرار كلنا يعلم ان العراق في قبضة بريطانيا الحديدية او النازية وان الانكليز لهم سلطة نافذة قاهرة جبارة غدارة ففي هذا الوضع نعقد معاهدة مع الانكليز لهم سلطة نافذة قاهرة جبارة غدارة ففي هذا الوضع تعقد معاهدة مع الانكليز معاهدة بمعني انهم يملون ونحن نكتب، قد كان الرصافي يعبر عن مشاعر وحقوق ابناء وطنه وعن امالهم فابعدته الحكومة العراقية وبضغط من الانكليز عام 1931 الي (عنه) ولكن الرصافي لم يستطع المكوث فيها فطلب من الحكومة العراقية ان تكون اقامته الاجبارية في الفلوجة ويعزز بعض الباحثين والمتتبعين لحياة الرصافي ان سبب اختياره الفلوجة للاقامة فيها يعود الي علاقته الطيبة والحميمة مع بعض أهالي الفلوجة وفي مقدمتهم عبد العزيز عريم احد وجهاء الفلوجة ونائبها في مجلس النواب اثناء فترة العهد الملكي والذي كان يتفقد الرصافي ببغداد ويقضي حوائجه كما كان الرصافي يزوره في ديوانه بالفلوجة، وفي تموز عام 1928 زار ديوان عبد العزيز عريم معروف الرصافي ومعه اصدقاءه عبدالعزيز الثعالبي وعطا الخطيب ولما هم الضيوف بمغادرة الديوان وتوديع المضيفين لهم قال الرصافي لعبد العزيز عريم "اذا قدر الله لي ان اهجر بغداد فلن اسكن بغير الفلوجة، ويبدو ان الرصافي ضاق ذرعا ببغداد ومن عدة جوانب حيث راتبه التقاعدي لا ينهض بعيشه ولا يسد متطلبات حياته فاصبح مكبلا بالديون التي اثقلت كاهله وحددت حركاته والي جانب مضايقات الانكليز ودسائسهم قرر الهجرة الي الفلوجة في بداية عام 1933 ولما وصل الرصافي الفلوجة بصحبة حميد كنه للاقامة فيها بصورة دائمة استأجر دارا مقابل سراي الفلوجة القديم تعود الي حمد علي الذهبية وكان عبدالعزيز عريم في لبنان وعندما علم بمجيء الرصافي الي الفلوجة ارسل عدة رسائل الي اصدقائه وأخوانه يوصيهم الاعتناء بالرصافي ورعايته الي ان يعود الي الفلوجة وعندما رجع الي بلدته هيأ للرصافي الدار التي يملكها علي ضفة الفرات اليسري فانتقل اليها الرصافي واستقر بها. وفي هذه الدار الواقعة قرب جسر الفلوجة الحديدي كان للرصافي مجلسا يستقبل فيه زواره من الادباء والوجوه الاجتماعية فيذكر الاستاذ حافظ خالد انه عين قاضيا في مدينة الفلوجة وكان يحضر مجلس الرصافي وقد استهوته احاديث الرصافي فكان عند عودته الي داره بدون مسموعاته في أوراق خاصة ثم يعرضها علي الرصافي لتأييدها وتوثيقها، بالاضافة الي ذلك كان للرصافي علاقات طيبة مع أهالي الفلوجة الوجهاء والعامة وفي مقدمتهم عبد العزيز عريم الذي كان من اكثر الناس وفاءا له وحسن بك وداود العبو واحمد الملا العبيد وسيد كاظم الذي كان يحلق شعر الرصافي ويضع صورته في محله. وفي تلك الفترة كتب الرصافي مخطوطه (الشخصية المحمدية) وهو في سيرة الرسول (صلي الله عليه وسلم) ويحتفظ المجمع العلمي العراقي بنسخة منه ولم ينسي الرصافي وهو في معتكفه بالفلوجة الآم وتطلعات وطنه العراق فعندما قامت ثورة 2 ايار (مايو) 1941 التحررية وقف الي جانبها يؤيدها وبشدة ثم بعث برقيته الشهيرة عند اندلاع الثورة الي رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني والتي يقوم فيها كل من أبناء هذه الأمة يتمثل اليوم بما قلتموه بلسان حالكم لمثل هذا ولدتني أمي ثم أرسل قصيدته المشهورة (يوم الجيش وزعيمه ومطلعها:
اليوم قري يا مواطنا أعينا
وتطربي بالحمد منك الألسنا

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث