ماكرون وأفريقيا: التفضّل «الحضاري» على ثلث أرحام العالم - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

168 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

ماكرون وأفريقيا: التفضّل «الحضاري» على ثلث أرحام العالم - صبحي حديدي

في نيسان (أبريل)، هذا العام، كان إيمانويل ماكرون مجرد مرشح للرئاسة في فرنسا. وحين سُئل عن القارة الأفريقية، خلال ندوة مع صحافيي «لوموند»، قال التالي: «حين أنظر إلى أفريقيا، أرى بالفعل قارّة المستقبل. أفريقيا توشك على إنجاز تحوّل لا سابق له، بنموّ متواصل منذ سنة 2000، وعمران وطفرة في الطبقات الوسطى، وتنمية للقطاع الخاص، وشبيبة خلاقة ودينامية. هنالك بالطبع تحديات يتوجب أن تواجهها أفريقيا: الديموغرافيا، الأوبئة، الاختلالات المناخية التي تعاني منها، حالات انعدام التكافؤ، وضعف الحكم. ولكنني مقتنع أنّ أفريقيا سوف تفاجئ العالم بديناميتها. إنّ من مصلحتنا أن نكتب صفحة جديدة في علاقتنا مع أفريقيا».
فماذا عن ماكرون، الرئيس الفرنسي المنتخب؟ بادئ ذي بدء، كانت خطوته «الأفريقية» الأولى هي زيارة القوات الفرنسية المتمركزة في مالي؛ ليس للإعراب عن تضامن الرئاسة مع أبناء فرنسا من العسكريين الذين يتولون مهامّ قتالية حافلة بالمخاطر خارج فرنسا، فحسب؛ بل كذلك لإتمام أولى الرموز ذات الطابع العسكري المحض في رئاسة ماكرون، أي صعود جادة الشانزيليزيه على متن عربة عسكرية، وليس في سيارة مدنية كعادة رؤساء فرنسا. وقد يرى البعض أنّ ماكرون، في اللمسة العسكرية تجاه أفريقيا، يتذكر ـ ولعله كان يذكّر، أيضاً ببعض ـ ماضي فرنسا العسكري التليد مع القارّة؛ منذ الجنرال شارل دوغول، وحتى فرنسوا هولاند (في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتيران، بلغ عدد الجنود الفرنسيين المنتشرين في أفريقيا الفرنكوفونية 60 ألف عسكري).
لكنّ ماكرون الرئيس ذهب أبعد في التبشير بسياسته الأفريقية، خلال مؤتمر صحافي على هامش قمة العشرين في هامبورغ، رداً على سؤال من صحافي أفريقي حول إمكانية توفير «خطة مارشال» خاصة بالقارة؛ وكانت نُذُر البشرى، تلك، حافلة بالمفاجآت! لقد ابتدأ بالقول إنّ خطة مارشال تدور أولاً حول «إعادة البناء، المادي»، في بلدان تمتلك «توازنها، وحدودها، واستقرارها»؛ وهذا، غنيّ عن القول، تشخيص خاطئ تماماً، في ما يخصّ خطة مارشال بمعناها الكلاسيكي، وفي سياقاتها التاريخية المحددة. ذلك لأنّ تلك الخطة انطوت على عون أمريكي هائل لأوروبا أربعينيات القرن الماضي، حين كانت القارّة العجوز خربة ومنهارة وممزقة (أي نقيض صفات التوازن والحدود والاستقرار التي ساقها ماكرون)؛ تتضور جوعاً إلى ما ستحمله الشاحنات الأمريكية من موادّ إغاثة، كانت تبدأ من الدقيق والحليب، ولا تنتهي عند قلم الرصاص وكيس الإسمنت.
وللتذكير، في يوم الخامس من حزيران (يونيو) 1947، ألقى وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، جورج مارشال، خطبة قصيرة في حفل تخريج دفعة جديدة من طلاب جامعة هارفارد؛ ضمّنها إطلاق المبادرة الدبلوماسية الأضخم، والأكثر كلفة في تاريخ الولايات المتحدة في حينه: ما سيعرف فيما بعد باسم «خطة مارشال» لانتشال أوروبا من أوزار الحرب العالمية الثانية. 
يومها لم تكترث الصحافة الأمريكية بخطبة من سبع دقائق، ألقاها رجل جافّ الروح وصارم الملامح، لا تنفرج شفتاه عن ابتسامة مجاملة حتى عندما يطلق فرانكلين روزفلت واحدة من النكات الرئاسية المأثورة. ولأنّ أحداً لم ينتبه، كما يتوجب، فإن أحداً لم يناقش خطورة مشروع فريد عكفت على هندسته أكبر أدمغة الإدارة آنذاك (مارشال نفسه، بمعونة دين أشيسن، جورج كينان، وليام كلايتون، وشارلز بوهلن)؛ وسوف يقلب العالم رأساً على عقب، وسيتكلف 13 مليار دولار (أكثر من 90 مليار في حسابات هذه الأيام).
المفاجأة الثانية لم تتأخر، بعد ذلك التوصيف الخاطئ لمفهوم «خطة مارشال» وسياقاتها التاريخية؛ إذْ انتقل ماكرون إلى خلاصة أخرى صاعقة: «تحدّي أفريقيا مختلف تماماً، إنه أعمق بكثير، إنه حضاري اليوم»! فهل ذهبت أدراج الرياح، بين نيسان الماضي وتموز (يوليو) الراهن، تلك الصفات التي خلعها ماكرون على أفريقيا؛ لجهة نموّها، وعمرانها، وطبقاتها الوسطى، وشبيبتها، وأنها «أفريقيا المستقبل»؟ وحين تحدّث ماكرون، المرشح الرئاسي، عن تحديات أفريقيا (الديموغرافيا، الأوبئة، الاختلالات المناخية التي تعاني منها، حالات انعدام التكافؤ، وضعف الحكم)؛ لماذا لم يعتبرها «حضارية» في حينه، كما اعتبرها اليوم ماكرون الرئيس؟ وإذا جاز للمرء أن ينزّه الرئيس الفرنسي عن التفكير العنصري، لأنه في الواقع ليس عنصرياً، فهل يجوز تنزيه مفردة «حضاري» عن المعاني المرذولة التي انطوت عليها تاريخياً، خاصة في إطار «المهمة التمدينية» Mission civilisatrice، أو «رسالة الحضارة» الفرنسية الأشهر على امتداد التاريخ الاستعماري؟
وكيف تناسى ماكرون أنّ تلك «المهمة التمدينية» اقترنت، حرفياً، بتاريخ استعماري بغيض ودام، صنّفه هو بنفسه في خانة «جريمة حرب ضدّ الإنسانية»؛ حين كان مرشحاً للرئاسة، بالطبع؟ ألم يكن مجرمو الحرب، أولئك، من الإسبان في الأمريكتَيْن، والفرنسيين في الجزائر وأفريقيا الوسطى والغربية، والبريطانيين في الهند، والبلجيكيين في الكونغو، والبرتغاليين في أنغولا، والهولنديين في جنوب أفريقيا؟ الإسبان أبادوا قرابة 70 مليون «هندي أحمر»، كما ستصبح تسمية أبناء الأقوام الأصلية؛ وفي ذمّة الملك البلجيكي ليوبولد الثاني، وحده، أكثر من عشرة ملايين أفريقي كونغولي، قضوا في سخرة صيد العاج؛ ولائحة أهوال الاستعمار الغربي تنطوي على صفحات من البربرية العارية المفتوحة، تتجاوز بكثير حدود ما يمكن أن تشمله معنى الإجرام بحقّ الإنسانية.
المفاجأة الثالثة أنّ ماكرون، الذي اعتبر أفريقيا قارّة المستقبل، بات ـ في إهاب الرئيس، مجدداً! ـ يرى أنّ المشكلة في أرحام نسائها، التي تلد سبعة أطفال أو ثمانية؛ وأياً كانت المليارات التي تصرفها (باسم المهامّ التمدينية، كافة)، «فإنك لن تحقق أيّ استقرار»! شاقّ، حقاً، على امرئ ينزّه ماكرون عن العنصرية، أن يفلح في تنزيهه عن الاستكبار والتفضّل والتكرّم على «الآخر»، الذي يحدث أنه، أو أنهنّ بالأحرى، ثلث نساء العالم! هنا، أيضاً، تناسى ماكرون أنّ المشكلة الديمغرافية ليست أحادية الجانب، تتصل فقط بإنجاب أطفال أكثر؛ وأنها متعددة الأبعاد، اقتصادياً وتنموياً ودينياً واجتماعياً وثقافياً. وهي، لعلم سليل دولة مارست جرائم الحرب الاستعمارية، مشكلة سياسية أيضاً، تضرب بجذورها في التاريخ الاستعماري ذاته. ولعله تناسى، إذْ يصعب على مثله نسيان، أنّ بعض أهمّ عناصر «المهمة التمدينية» كان فرض الهداية إلى المسيحية الكاثوليكية، التي تحظر منع الحمل والإجهاض، ويلتزم ملايين الأفارقة المسيحيين بهذا الحظر كواجب ديني لا محيد عنه.
وعلى ذكر المليارات، كان جديراً بالرئيس الفرنسي ـ التكنوقراط، سليل قطاعات الصيرفة والاستثمار ـ أن يتوقف عند بُعد آخر في علاقة فرنسا بالقارة الأفريقية، أو شطرها الفرنكوفوني على الأقلّ: أنّ الشركات الفرنسية تستأثر، على نحو أقرب إلى الاحتكار، بالميادين الأكثر ستراتيجية في الاقتصادات الأفريقية، من قطاعات الكهرباء والاتصالات، إلى الموانئ والمطارات والبنى التحتية، مروراً بالتعدين والنفط والماس والذهب… فهل، سريعاً بعد انتخابه، انقلب ماكرون المرشح، ليبراليّ الوسط المؤمن بالأسواق ومكامن الاستثمار و»أفريقيا المستقبل»؛ إلى ماكرون النيو ـ ليبرالي، المتفضّل اقتصادياً على الأسواق التي يستثمر فيها، العازف عن تطويرها لأنّ عوائقها «حضارية»، المتكبّر على أرحام نسائها، الذي يأنف من مشكلاتها المستعصية في الديمغرافيا وفشل الدولة والإرهاب الإسلامي؟
في كلّ حال، لا يلوح أنّ الأوّل، المرشح، احتاج إلى زمن طويل كي تتكشف في داخله، ثمّ على لسانه وسلوكياته وسياساته، بعض الخصائص النوعية التكوينية، التي كانت خبيئة على نحو أو آخر؛ وكان بلوغ ذروة هرم السلطة كفيلاً بدفعها إلى العلن، حتى حدود الافتضاح، وتكشير الأنياب «الحضارية»!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث