الإشارات العلمية من دلائل مصدر القرآن الرباني - د. سامي الجيتاوي

المتواجدون الأن

270 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

الإشارات العلمية من دلائل مصدر القرآن الرباني - د. سامي الجيتاوي

 

من دلائل مصدر القرآن الرباني- الإشارات العلمية في القرآن الكريم 
نال الإعجاز العلمي ، والتفسير العلمي للقرآن الكريم القبول والتقدير، كما أنه تعرض للرفض والإنكار، وذلك لا يقلل من أهميته ، ولا يُهون من حقيقته أو ينال منها، إذ أن الاختلاف في الرأي، والتباين في الفهم ، من ظواهر الفكر وسنن التفكير بين البشر، خاصة في الموضوعات التي يكون للعقل والمنطق فيها دور أكبر من دور الحس والمشاهدة. ونحن في هذا الموقف الخلافي بين المؤيدين والمعارضين نتذكر قول الله سبحانه وتعالى: ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) [هود : 118- 119].وقوله سبحانه وتعالى: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ) [سورة الكهف : 54 ] وفي ظَنِّي أن مَرَدَّ ذلك هو الخَلْط الخابط بين (الإعجاز العلمي) ، التي سمت منارته على دعامات اليقين و (التفسير العلمي) الذي يُجلي من حِكَم الله للمؤمنين، وبين هاتيك التأويلات التي تضرب من مجاهل الوهم، أو تتعلق بظنيات مفترضات من العلم.. وحُكْمُنا في هذه القضية هوأننا نقسم النظرة العلمية إلى آي القرآن الكريم إلى ثلاثة أنواع : أ - الإعجاز العلمي : من نافلة القول أن نقول : إن إعجاز القرآن الكريم ليس قاصراً على وجه واحد من وجوه الإعجاز ، بل الصحيح أن للإعجاز وجوهاً شتى ، منها الإعجاز العلمي . وهذا الوجه من الإعجاز يتضح في بعض آيات القرآن الكريم ، خاصة تلك التي يتعلق موضوعها بالأكوان وبالخلق العامر لهذه الأكوان، ويجد القارئ المتدبر لتلك الآيات الكريمة ، ممن أوتي حظاً من العلوم العصرية، أنها تقرر حقائق علمية مستقرة لا يعتريها الزيف ولا التغيير . وأن هذه الحقائق لم تكن معروفة في عصر التنزيل ، وهي لا تتعلق بأمرٍ اعتقادي يجب أن يكون قاطعاً، ولا بحكمٍ شرعي يحب أن مفصلا ، ولا ينقص من قَدر أصحاب رسول الله – رضي الله عنهم أنهم لم يعرفوا تفاصيل هذا السر من أسرار الكون، الذي جاءت آيات قرآنية تشير إليه في إيجاز، فهو كما أسلفنا أمر لا تتعلق به عقيدة ، ولا شريعة ، وقد ظهر لهم في عصرهم من وجوه إعجاز القرآن ، وأولها: الإعجاز البياني ، ما يمكن أن يكون حجة ناهضة ، ودليلا رائعاً ، ومَقمعاَ رادعاً لمن لم يؤمن ، أو في نفسه شيء من ريب . ثم شاءت حكمة العليم الخبير أن يكون هذا الوجه من الإعجاز مخبوءاً في هذا الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه ، لهذا الجيل من الناس ، الذي فُتن فُتوناً بمبتكرات العلم التجريبي ومخترعاته .. والقرآن معجزة الإسلام الكبرى ، وقد نص دون سائر الكتب السماوية من خلال آياته على كونه معجزة ، ويتحدى كل المعاندين والشاكين في كونه وحيا أوحي به إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وسيظل كذلك معجزة على مدى الأزمان والعصور ، بحيث سيكتشف كل عصر من وجوه الإعجاز ومظاهر المعجزة ، ما يصدق الرسالة الإسلامية ، ويجعلها ملزمة لكل زمان ومكان، وبذلك تكون معجزة القرآن دليلا حاضراً ومشهوداً أمام كل الأجيال
نماذج للإعجاز العلمي في القرآن 
صُوَر الإعجاز العلمي في القرآن كثيرة ، وقد أُلفت في ذلك الكتب (انظر : مع الطب في القرآن الكريم : عبد المجيد ذياب وزميله. والقرآن وإعجازه العلمي :محمد إسماعيل إبراهيم . والقرآن والعلم : أحمد محمد سليمان . والاسلام يتحدى ، تعريب صديقنا ظفر الاسلام خان . وبين الطب والاسلام : دحامد الغوابي . والإعجاز الطبي في القرآن : للسيد الجميلي . والإعجاز العلمي في القرآن : محمد السيد أرناؤوط . وغيرها ,) ، وللعلماء أبحاث ومقالات في كثير من المجلات العلمية ، وسنقتصر على ذكر صُوَرٍ منها.
أ - قال تعالى : { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه} (القيامة : 3-4) ففي الآية الأخيرة صورة من صور الإعجاز العلمي في القرآن ، ذلك أنه قد أضحى من المُسلمات القطعية ، أن بصمات أصابع أي إنسان لا تتشابه مع بصمات أي إنسان آخر من هذه الملايين التي عاشت أو تعيش أو ستحيا على هذه الأرض ، حيت أصبحت هذه البصمات دليلاً لا يرقى إليه الشك في كثير من المعاملات الرسمية، فتوقيع إنسان ما على صَكٍّ مالي ، أو وثيقة بيعٍ مثلا ، قد يُداخله التزييف والتزوير ، وأما أمر البصمة فهو يستعصي على التزييف والتزوير . ولهذه الأسرار في البصمة الإنسانية ، جاء قوله تعالى : {بلى قادرين على أن نسوي بنانه} ( القيامة : 4) . 
ومعنى نسوى هنا ، هي كمعناها في قوله تعالى : {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك} (الانفطار: 7 ) فمعناها في الموضعين : أنه جعل خلقته على النحو الأتمِّ الأكمل ، وتمام تسوية البنان ، وهو طرف الإصبع ، أن يكون على النحو المبدع المعجز ، الذي ذكرناه من قبل . 
ب - قال تعالى : { ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه } (الحج : 15، وقال تعالى : { الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها } (الرعد: 2) . 
فهاتان الآيتان وغيرهما تقرران أن الله جلت قدرته جعل لهذا الكون نظاما عجيبا وتشيران إلى بعض القوانين التي أجرى الله عليها نظام هذا الكون ، وما الجاذبية التي اكتشف الباحثون أمرها ، إلا نظام من هذه الأنظمة التي شاءتها إرادة العلي الأعلى.( انظر : مع الله في السماء : د. أحمد زكي : 75. ) 
ج - قال تعالى : { فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } ( البقرة : 24
يقول الدكتور : سيد علي الفقي - أستاذ كيمياء الوقود النووي المساعد بهيئة الطاقة الذرية بالقاهرة : ( الطاقة النووية هي ما يقصد بها : إما الطاقة المنطلقة نتيجة انشطار ذرات بعض العناصر الثقيلة : (اليورانيوم، والبلوتونيوم) أو نتيجة اندماج نويات ذرات بعض العناصر الخفيفة(الهيدروجين) ، لتكوين نواة عنصر أثقل (الهيليوم) . 
وللتعرف على حقيقة الطاقة النووية ، علينا مقارنتها بأنواع الطاقة الأخرى فالكيلو غرام الواحد من البترول ، وهو أفضل أنواع الوقود التقليدية ، يعطي عند احتراقه تماما (11.6 كيلوا واط ) في الساعة من الطاقة الحرارية ، بينما يعطي انشطار ذرات (اليورانيوم 235، ما يساوي (22.6 مليون كيلو واط ساعة) أي : ما يعادل حوالي اثنين مليون ضعف الطاقة الناتجة عن حرق البترول ، وهذه الكمية الهائلة من الطاقة ، أما أن تنطلق كلها مرة واحدة في أقل من (واحد على مليون من الثانية ) ، كما هي حالة انفجار القنبلة النووية ، أو تدريجيا كما هو متبع في محطات القوى النووية ، لاستخدامها في الأغراض السلمية ..... وإن كانت هذه الطاقة الهائلة ناتجة عن انشطار النواة إلى اثنتين ، فللإنسان أن يقف هنا وقفة ليتدبر كم من الطاقة التي ستنتج - ولا يعلم عظمتها إلا الله - لو تفتت المادة كلها فصارت الحجارة وقودا . 
ألم يحن لهذا الإنسان أن يرهب هذا اليوم ، فلا يجعل الله أندادا ، ويفقه قوله تعالى : {فاتقوا النار التي وقودوها الناس والحجارة أعدت للكافرين } ( البقرة: 24 ) .
ثم يقول : وإذا كان انشطار ذرات العناصر الثقيلة ، يعطي مثل هذه الكمية الهائلة من الطاقة ، فإن الطاقة الناتجة عن اندماج نُوَيّات ذرات الهيدروجين لتكوين الهيليوم، يساوي (117.5) مليون كيلو واط في الساعة ، لكل كيلو غرام من الهيدروجين ، وللأسف فإن طاقة الاندماج هذه ، لم يمكن الاستفادة منها بعد في الأغراض السلمية لضخامتها ، وعدم المقدرة على السيطرة عليها ، وإنما تستخدم فقط في الأغراض العسكرية ، كما في حالة انفجار القنبلة الهيدروجينية. ولعل الوقت الذي يتمكن فيه العلماء من التحكم في طاقة الاندماج ، لهو وقت سعادة البشرية جمعاء ، ولا سيما أن هناك مئات الملايين من الكيلو مترات المكعبة من المياه في المحيطات ، والأنهار ، والبحيرات ، والمياه الجوفية والرطوبة الجوية ، وعشرات الملايين أيضا من الكيلو مترات المكعبة من الثلوج في المناطق القطبية ، وكلها مصادر للهيدروجين . 
وفي الحقيقة لا يستطيع المرء مجرد تصور عظمه وخطورة ما ورد في قوله تعالى في سورة التكوير {وإذا البحار سجرت}(التكوير : 6) . أي : أوقدت ، فصارت ناراً . ولا يمكن تصور هول ما يمكن أن يحدث نتيجة حرق هيدروجين البحار ، أو دمج ذراته لتكوين الهيليوم )( انظر : مقال – أضواء على الطاقة النووية - : د. سيد علي الفقي ، أستاذ الوقود النووي بهيئة الطاقة الذرية بمصر . مجلة الوعي العربي ، عدد/ 5. سنة/2 / 1981. ص : 77) . 
وهنا نقول مع الشيخ محمد الغزالي : (وليس ثَمَّةَ تفاوت بين العلم والدين، فإن الله الحق هو مصدر الاثنين ، وإذا لوحظ أن هناك اختلافا ، فليس بين علم ودين ، بل بين دين وجَهلٍ أخذَ سِمَةَ العلم ، أو بين علمٍ ولغوٍ لبِسَ سَمْتَ الدين فالقرآن الكريم مستقيم كل الاستقامة مع كل الكشوف التي يميط العلم عنها الستار ، وذلك لا ريب من دلائل صدقه ، وآيات إعجازه ، فإن راكب الناقة ابن الصحراء ، الذي لم يعلُ الُّلجَجَ يوماَ ، أو يكابد الأنواء ، حين يجئ على لسانه وصفٌ دقيق للبحر والجو ، نجزم بأن هذا الوصف ليس من عنده ،بل من عند عالم الغيب والشهادة ) (انظر : نظرات في القرآن : للشيخ الغزالي ، ص: 137) . 
ب - التفسير العلمي :
ونعني بالتفسير العلمي أن يقوم المفسر بشرح بعض التفصيلات العلمية لشيءٍ ذكره القرآن ، وذكر آية الله فيه ، وفهم الذين استمعوا القرآن من رسول الله – صلى الله عليه وسلم - نعمة الله فيما ذكر على سبيل الإجمال .. ونُفَصِّل هذا الإجمال بمثال شارح … 
قال تعالى : {وإن لكم في الأنعام العبرة نسقيكم ما من بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} ( سورة النحل : 66) . فالله سبحانه يمتن على عباده بهذا اللبن السائغ ، وكلُّ من سمع بهذه الآية وقت نزولها ، من مؤمن وكافر، لا يشك في فائدة هذا اللبن . ثم جاء عصرنا بأجهزته ، ومعامله ومختبراته ، فتمكن من أن يعرف مقدار الدهن الذي في اللبن، وماذا فيه من سكريات، وفيتامينات ، وما ماثل ذلك، بالكميات المحددة ، والمقادير المفصلة ، فهل يكون ذكر هذه المعارف حول هذه الآية الكريمة ، إلا إظهارا لأسرار آيات الله في الخلق ، وبيانا لمزيد فضله على عباده ، وردا على بعض المولعين بتقدم العلوم في عصرهم، فهذا ما نعنيه بالتفسير العلمي . والفرق بين بيان الإعجاز العلمي في الآية ، وبين تفسيرها تفسيرا علميا ، أن الأولى : هو كشف المغطى - والثاني : هو تفسير المجمل . وإن كان هناك من ينكرون تفسير بعض آيات القرآن الكريم وفق ما جاء به العلم الحديث ، محتجين بأن آيات القرآن لها مدلولات ثابتة مستقرة ، بينما معطيات العلم قد تتغير وتتبدل من حين لآخر ، نتيجة البحث الدائم المستمر . 
لكن هذا الرأي لا يسلم من النقد ، ذلك لأن تفسير آية قرآنية بما كشف العلم الحديث من سنن كونية ، ما هو إلا فهم للآية بوجه من وجوه الدلالة على ضوء العلم وليس معنى هذا أن الآية لا تفهم إلا بهذا الوجه ، فإذا ظهر خطأ ما اكتشفه العلم ظهر خطأ فهم الآية على هذا الوجه ، لا خطأ الآية نفسها ، وهذا ينطبق تماما على غير ما اكتشفه العلم ، ألا ترى أن عالما قد يفهم حكما شرعيا من آية قرآنية ، ثم يعدل عن هذا الفهم إذا تبين له خطأ فهمه ، بظهور دليل جديد أبطل فهمه الأول . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإنه يجب على من يتصدى لتفسير آيات القرآن وفقا لما جاء به العلم الحديث ، أن يتحرى حقائق العلم التي اثبت العلماء أنها حقائق لا مجال للرجوع عنها ، تاركا الفروض والنظريات التي لم تصبح حقائق بعد ، كما عليه أن يتجنب تحميل النصوص القرآنية ما لا تحتمل ، ومما تجدر الإشارة إليه ، استحالة أن يأتي يوم يصل فيه العلم إلى حقيقة تتعارض مع آية قرآنية قطعية الدلالة ، لأن القرآن كلام الله المسطور ، والكون صنع الله المنظور ، وهما لا يتناقضان أبدا ، بل يصدق أحدهما الآخر ، لأن مصدرها واحد ، لذا فقد جاءت الحقائق العلمية مؤيدة لما في كتاب الله تعالى ومصدقة له .. 
لقد تكلم القرآن في لغة العلم قبل كشفه ، كما أنه استعمل كلمات وتعبيرات لم تستوحشها أذواق الأقدمين ولا معارفهم ، على حين أحاطت بكشوف العصر الحديث (انظر :مباحث في علوم القرآن ، للقطان : 270-275. ) . 
ج - التأويل العلمي : 
أما التأويل العلمي فهو التعسف في فهم آيات القرآن وبترها من سياقها ، لتخدم معاني بعيدة عن أغراضها، فتؤول آيات القرآن بالمزعزع من النظريات ، والمضطرب من التخمينات ، وهذا التأويل سفه في الرأي ، وقول على الله بغير علم ، ومسخٌ لدلالات الألفاظ اللغوية ، وهذا التأويل مردود ، ومرفوض ، فهو تفسير بالهوى ، وقول بالظن والهوى لا ضابط له ، والظن لا يقمعه إلا اليقين
من أمثلة التأويل العلمي 
أولاً : تأويل الدكتور مصطفى محمود لقوله تعالى :
يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطلب والمطلوب] (الحج: 73)
يدعي أصحاب االتأويل العلمي في القرآن الكريم – وعلى رأسهم الدكتور البيطري مصطفى محمود - : أن الذبابة إذا خطفت من الإنسان شيئاً – ولو حقيراً – فإنه لا يستطيع أن يستردَّ هذا المخطوف منها مهما أوتي من علم وقدرة ، لأن ما خطفته هذه الذبابه يتحول سريعاً إلى سكريات ذائبه ، فالطالب- ويريدون منه الإنسان – ضعيف لذلك ، والمطلوب – الذبابة – ضعيف أيضا ، فالتقى ضعفه وضعفها !! يقول مصطفى محمود موضحاً إعجازه العلمي المزعوم ، المصادر للقواعد والضوابط في أصول التفسير: ( وهو مَثَلٌ مازال معجزا للعلم والعلماء بعد ألف سنة من تطور العلم والتكنولوجيا.. فمن يستطيع أن يخلق ذبابة على هوانها وتفاهتها؟.. بل إنها لو سلبتك الذبابة ذرةً من النشاء من طعامك ، فإن علماء الكيمياء لو اجتمعوا لا يستطيعون استرداد هذه الذرة من أمعائها، لأنها تتحول فورا إلى سُكَّر بفعل الخمائر الهاضمةفما أضعف الطالب والمطلوب ! ) ( انظر : القرآن محاول لفهم عصرى، ص : 240 - 241 . وممن قال بهذا التفسير عبد المجيدد الزنداني في كتابه التوحيد: ص172.) وهذا التفسير العلمي الذي صدع به الطبيب البيطري مصطفى محمود تعاديه اللغة والنحو ، وتصادمة أصول التفسير وقواعده, وذلك بأمرين :
الأول يتعلق بالسياق – ولا غنى للناظر في كتاب الله تعالى عن مراعاة ذلك- لأن الآيات في سياق الحديث عن المشركين الذين يعبدون الأصنام والأوثان من دون الله عز وجل ، فالآيات السابقة : (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصيروإذاتتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر... )(الحج: 71-72) فهي تخبر على سبيل التعجيب والاستنكار عن عبادة المشركين الأصنام وإعراضهم عن عبادة الله تعالى ، غير مستندين في عبادتهم هذه إلى حجة أو علم....فليس في أيديهم دليل عقلي يؤيدهم ، ولا دليل ماديٌّ يعضدهم.
وفي الآية التي نحن بصددها يضرب الله تعالى الأمثال للناس، ويخاطبهم – وخاصة المشركين – منبها محذرا بأن هذه الأصنام التي يدعون ويعبدون في غاية الحقارة والضعف، وقد ذكر دليلين ظاهرين على ذلك :
أولاهما : عجزها اللائح عن إيجاد أي مخلوق ، ولو كان في منتهى الحقارة والضعف كالذبابة ونحوها
ثانيهما : ضعفها – أى الأصنام – عن استرجاع شيء خطفته الذبابة منها . 
وبهذين الدليلين يتجلى ضعف الطالب – أى الأصنام – ، والمطلوب- أى الذبابة – فالأصنام بمنزلة الذبابة ، فكيف تعبد دون رب الأرباب ؟!
الثاني : يتعلق بالضمائر وعَودها، لأن الضمير في قوله (لن يخلقوا)، وهو الواو ، فاعل عائد إلى الأصنام لا إلى الناس كما فهم الدكتور مصطفى محمود ومن سار على دربه !! انظر الآية (إن الذين تدعون من دون الله)... وقوله: (وإن يسلبهم الذباب) الضمير المفعول به في(يسلبهم) عائد إلى الأصنام أيضا خلافا لتوهم مصطفى محمود من عودته للناس !! فالمعنى : لو أن الذبابة سلبت الصنم شيئا، لما استطاع أن يسترده منها، لأنه أعجز منها وأهون، وأنى له ذلك وهو لا حراك به... وعلى هذا : فالطالب هو الأصنام ، والمطلوب الذباب، لا كما قرر من طلب حقيقةً في آيةٍ هي غير مطلوبة.. (انظر نقد التفسير العلمي والعددي المعاصر ، د. أحمد محمد الفاضل ، ص : 39 . مركز الناقد الثقافي ، دمشق . ) 
ثانيا : تأويل الدكتور .محمد راتب النابلسي لقوله تعالى : 
فَإذَا انشَقت االسَماءُ فكانت وردة كالدِهان ) ] الرحمن: 37 [
يرى الدكتور محمد راتب النابلسي – وهو ممن يُرَوِّج للتأويل العلمي للقرآن الكريم – أن هذه الآية تدل دلالة ظاهرة على الكوكب الذي اكتشف من مدة ليست ببعيدة, والذي يشبه الوردة الحمراء ويحاكيها , وأن هذه التأويل للآية لا محيد عنه ؛ لانها لا تدل إلا عليه ، ولا يراد منها سواه!! . 
يقول الدكتور النابلسي في هذا : (عرضت إحدى أقوى وكالات الفضاء في العالم من خلال مرصد عملاق عِبْرَ موقعها المعلوماتي ، صورة لا يشك الناظر اليها لحظة أنها وردة جُورية ذات أوراق حمراء قانية ، مُحاطة بوريقات خضراء زاهية ،أما حقيقة الصورة فهي لانفجار نجم عملاق اسمه (عين القط). بل إن صورة هذا النجم عند انفجاره هو تفسير لهذه الآية ...)(انظر موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، للدكتور النابلسي : 71-73 . ) وفي أثناء كلامه عن هذا التأويل العلمي قرر أن أكثرُ التفاسير التي فسرت هذه الآية ليس فيها ما يشفي الغليل.. (المَصدر السابِقْ : ص 72) . ولا ريب أنَ ما صار إليهِ الدكتور النابلسي في تأويل هذه الآية وبيان إعجازها , ليس من التفسيرِ في شيء ؛ لِأنَّ هذه الآية بَمُعْزل ٍ عن هذا الإكتِشاف العلمي ، وعن هذا المعنى ، سواء أصحَّ هذا الاكتشاف ام لم يُصِحْ (لم يُوَثَّقْ الدكتور النابلسي كلامهُ الذي قالهُ ونَقَلَهُ بذكر وكالة الفضاء وموقِعِها الإلكتروني
وهناك أدلة على ذلك ، منها :
الأول : أن الضمير في قولهِ (كانت) لا يعود على جزء وهو الكوكب المزعوم ، بل يرجع إلى كلٍ وهو السماء ، وذلك لَأنَّ الآية تتحدثُ عن إِنشِقاقُ السماء ، وتخبر بأنها – أي السماء – ، كانت وردة ، فإسم كان المستتر جوازاً مُقدراً بِـ (هي) العائد على السماءُ المُنشَقّة .
ويقال ايضاً : كيف يعود الضمير على شيء غير مذكور من قبل ؟ لأن شرط الضمير العائِد إَلى متقدم أن يكون ما عاد إليهِ مذكوراً إلا إذا كان معروفاً ومشهوراً كما في قوله تعالى : } وَلَو يُؤَاخِذُ النَّاسَ بَما كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مَن دَابَّةٍ{ ] فاطر : 45 [ فقوله } على ظهرهاأي : على ظهر الارض , فأضمُر لأنه لا يُلتَبس ولا يُخفى , وأما في الآية التي بين ايدينا فلم يجر لهذا الكوكب ذكر من قبل ، فكيف صح عود الضمير إلى شيء غير موجود ؟ ! 
الثانيإن الوردة المذكورة في الآية لا يراد منها الوردة الحقيقية التي تُشَم وينتشر عبقها في الأرجاء كما تَوَهَمَ الأُستاذ النابلسي ، بل المراد منها هنا الوصف ؛ لأن( الوردة ) تُطلق ويقصد بها الذات كقولك فاح شذى الوردة وتطلق ايضاَ ويعُنى بها الوصف ؛ أي اللون , كما قالوا : أسد ورد ؛ أي أحمر ، وفرس وردة ؛ أي حمراء . (انظر : مفردات ألفاظ القرآن ، للراغب الأصفهاني ، وأساس البلاغة للزمخشري ، مادة : ( ورد ) ) فالآية أرادت الوصف ، أي اللون ، ولم تُرد الذات قط ؛ لأن تقدير الذات هنا يُفسِد المعنى الذي سُيِّقَت من أجلهِ الآيةُ . 
والمعنى الصحيح للآية : فكانت السماءُ حمراءُ اللون ِ، وذلك من علامات يوم القيامةفهي كالدهن الذائب , أو كاللون الأحمر المعروف , أو كالأديم الأحمر . (انظر تفسير ابن كثير : ج4 : 345.) وهذا الانشقاق إنما هو يكون يوم القيامة عندما ينفرط عقد الكواكب والنجوم ، ويختل نظامهما ، ويصْدُم بعضهما بعضاً ، مما يلبس السماء ثوباً أحمر قانياً كلون الوردة الحمراء ... والآيات في هذا المعنى كثيرة ، من ذلك قوله تعالى : } إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكبُ اَنَتَثَرَتْ { ]الانفطار : 1-2 ]. وقوله تعالى : } واذا السماء انشقت واذنت لربها وحقت { [الانشقاق : 1-2 ] 
الثالث: هذا التفسير الذي قال به الدكتور النابلسي ، يُصادم سياق الآيات وسباقُها ولحاقُها ، ولا بد لمن عكف على تفسير كتاب الله عزوجل -من مراعاة هذا الجانب الخطير من أصول التفسير , فكم من معنى يتجلى من خلال السياق , فمثلاً: كلمة (أمَّة) تُطلق غالباً على (الجماعة) و (الطائفة) ... لكنها في قوله تعالى : } وقال الذي نجا منها وادَّكر بعد أمةٍ أنا أُنبِئُكم بِتأويلهِ فأرسِلون { [ يوسف : 45 ] بمعنى ( المدة ) او (الزمن ) ولا يصح معنى الجماعة فيها ألبته ؛ لأن السياقَ بينَ المعنى المُراد ، وهو المُدة . 
والآية التي نحن بصددها } فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدِهان { [ الرحمن : 37 ] سياقُها يتحدث عن يوم القيامة وأحداثه المفزِعة ، وأن السماءُ تنشق أو تنفطر فتكون حمراء ... وفي ذلك الوقت } فيومئذٍ لا يُسأل عن ذبهِ إنسٌ ولا جان { [ الرحمن : 39 فما تتحدث عنه هذه الآيات من الإنشقاق ، والإحمرار وعدم السؤال عن الذنوب ؛ لأنها مسطوره ومعلومه ، وليس هناكَ من ذِكرٍ لهذا الكوكب الوهمي من قريب ولا بعيد .... 
والخلاصة : إن هذا التفسير منقوض من قواعده ، وذلك من ثلاث جهات:
1- عَوْد الضمائر... 2- اللغة .. 3- السياق .. (انظر : نقد التفسير العلمي والعددي المعاصر للقرآن الكريم : د.أحمد محمد الفاضل ، ص35 )
لقد قرأ المسلمون القرآن قراءات متعددة، وأصدق دليل على ذلك هذه المكتبة التفسيرية الضخمة للقرآن ، برغم ما يطبعها من تكرار المضامين والمعارف ، فلكل عصر وجيل أن يقرأه بقدر وُسعه من الفهم ، للاستدلال على حقيقة إعجازه ومكمن هذا الإعجاز ، وبقدر سَعة منظوره إلى الكون والحياة الإنسانية ، وعلى ضوء ما يتم كشفه عن طريق العلوم والمناهج ، من حقائق ومعارف . لأن كتابا تقع به الحجة على الخلق ، وتقوم به البينة على العقول ، لابد أن يقدم إلى كلِّ عصر ما يحقق ظهور الحجة فيه ظهوراً مناسباً لمدارك الأجيال ، والعصور المتطورة ، ولا خطر في ذلك ،اللهم إلا خطر التحريف ، أو التأويل بغير علم .

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث