لهذا السبب العظيم! يا بيروتيين

المتواجدون الأن

132 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

لهذا السبب العظيم! يا بيروتيين

نأمل أن يعتبر أطباء ومتخصصون في علمي النفس والإجتماع من بلاد مثل السويد وفنلندا وفرنسا والولايات المتحدة هذه الصرخة بمثابة دعوة عامة ومفتوحة للحضور إلى لبنان، مجهزّين بأدوات القياس والبحث والتمحيص كافة، وذلك من أجل دراسة ظاهرة داخلية متفاقمة وخطيرة وشرح أسبابها وإيجاد الحلول لها. هذه "الظاهرة" أو بالأحرى السلوك الذي يمارسه اللبنانيون جميعاً من دون استثناء، يتعلّق بسكوتهم المدويّ حيال أزمة السير اليومية التي تقصف أعمارهم وتُفرغ جيوبهم كلّما صعدوا في سيارة!

مفارقة هي أن يتحوّل السؤال من "لماذا يعاني لبنان من ازدحام مروريّ متواصل"، إلى "لماذا يسكت الشعب اللبناني ويرضخ ولا يحاول، مجرد محاولة، أن يتحرّك أو يثور"!

ثمة لغزٌ ما. سرّ. حالة مرضية ربما. ولعلّنا نبالغ بهذه التوصيفات، فبماذا تفرق أزمة السير عن بقية الأزمات اليومية التي تهدّ حيل اللبنانيين، بدءاً من ملف الكهرباء إلى المياه إلى النفايات وصولاً إلى الفساد المنتشر في القطاعات كافة، والتي يتأقلم الشعب معها سلبياً ويتماهى بشكل مرضيّ؟!

قد يكون الفارق الوحيد متمثلاً بصعوبة إيجاد "حلول بديلة"، عادة ما يجترحها المواطن للتعامل مع الأزمات المفروضة عليها، ولمحاولة التخفيف من تداعياتها الكارثية. فاللبناني وجد السبيل إلى إضاءة منزله ومكيّفاته وبراداته ولياليه المظلمة والساخنة بالاشتراك بـ "الموتور". وحينما تنقطع مياه بلد الأنهار، يأتي بـ "سيتيرن". وللتخفيف من فاتورة الاتصالات المرتفعة، كان يلجأ إلى الـ Missed call قبل أن تحلّ عليه نعمة الـ "واتساب".

وأمام كارثة النفايات، وجد نفسه أشبه بـ "سنفور القرفان"، فوضع كمامة ومضى في سبيله، ولا سيّما إذا كانت الزبالة مكدّسة على بعد أمتار من عتبة المنزل، وذلك تيّمناً بسالفة "عيناً لا ترى قلباً لا يوجع"! لكنه أمام كارثة الازدحامات المرورية، "رفع العشرة"! عبثاً حاول اجتراح المعجزات، فهو مضطر إلى الذهاب إلى عمله وإلى التبضّع من دكان الحيّ حيث الشارع أو بالأحرى "الزاروب" أيضاً مكتظّ...هذا إن لم نقل إلى زيارة الأهل والأصدقاء في "الويك أند"! وعبثاً، بات اللبناني ينجح بـ "التذاكي" ومحاولة الهروب من زحمات السير، إذ لم تعد هذه الأخيرة مقتصرة على أوقات أو أيام محددة، ولا حتى على مناطق معيّنة، حتى استحال لبنان فعلياً ومن دون مبالغة، موقفاً ضخماً للسيارات وسجناً كبيراً حيث يقوم نزلاؤه بالأشغال الشاقة يومياً!

وقد لا يكون ايضاً من المبالغة القول بأن هذا "السجن" القسري قد حوّل اللبنانيين أفراداً غاضبين، قلقين، بؤساء...وربما مجرمين! وقد يكون من المفيد، في حال أتى الأطباء النفسيون وعلماء الاجتماع من الخارج، أن يدرسوا الجرائم التي تقع بسبب أفضلية المرور، أو كوب "نسكافيه"، أو زمور، أو حتى تلك التي تحصل في المنازل وتوصف بأنها "ذات خلفية عائلية أو مادية"!

وإذا كنا نشعر فعلاً بالحاجة إلى الاستعانة بآراء العلماء والأطباء وتحليلاتهم حيال ظاهرة خنوع المواطن أمام أزمة السير المستفحلة، فقد بتنا في المقابل غبر مكترثين لما يقوله أصحاب الشأن والقرار في موضوع السير والمشاريع المرتقبة. إنها أزمة ثقة، بل يأس بلغ الذروات. فبين الحين والآخر، يخرج من يخبرنا بأن أزمة السير في طريقها الى الحلّ، أو من يزفّ إلينا خبر الانتهاء من وضع مشروع ضخم سيكون خشبة الخلاص.

وبشكل دوريّ، يعقد السياسيون والمعنيون في هذا القطاع اجتماعات للبحث في هذه "الأزمة"، ويغمروننا بالوعود والأحلام. والنتيجة؟! هراء وعدم.. ووقاحة تخطّت الحدود! فأحدٌ من هؤلاء لا يتذكّر بأن مشروع توسيع أوتوستراد جونيه-طبرجا (غير المجدي أساساً) صار حبراً على ورق رغم تمويله من البنك الاوروبي للتثمير عبر قرض ميسّر بقيمة 70 مليون يورو! وأحدٌ من هؤلاء لا يشرح للبنانيين أسباب عدم المباشرة ببناء جسر في منطقة جلّ الديب. أكثر من ذلك، أحدٌ لا يُفسّر أسباب وقوف عناصر قوى الأمن الداخلي أمام أكشاك المشروبات و"الشيبس"، في مشهد يوحي بأنها في مهمة حماية لهذه "المحلات" غير الشرعية بمعظمها، والمخالفة بأغلبيتها نظراً لالتصاقها بالأوتوستراد، بل لوضعها بضائعها تماماً على الطريق!

الأنكى أن الوعود التي تُطلق يميناً ويساراً حول توافر مشاريع "أينشتانية" من شأنها محو أزمات السير، هي مثل أحاديث الصالونات، "ليس عليها جمرك"، لا سيّما وأن مواعيد إنجازها بعيدة زمنياً (عشر سنوات وأكثر)، في وقت لا يُبذل أي مجهود للتخفيف من الزحمة عبر إجراءات آنيّة و"بسيطة" تكون بمثابة "البحصة يلي بتسند خابية".

وأمام هذا الواقع، بات لزاماً ولادة بطل. بل بطولات من توقيع جميع اللبنانيين من دون استثناء. لبنانيون لا يملكون ترف الركوب بطائرات مروحية للتنقل في الداخل، أو المرور على السيارات والناس وكأن "الطرقات ملك أبيهم". لبنانيون يتقيأون "مشاوريهم" داخل السيارات على مدى ثلاث ساعات باتت تستغرقها رحلة يُفترض أن تنتهي بثلاثين دقيقة. لبنانيون يشعرون بالقرف والإهمال والحزن، ويتألمون من شدّة العنف الممنهج الممارس عليهم. لبنانيون يُستخفّ بعقولهم حدّ أن كادوا يقتنعون بأن أزمة السير في لبنان تستوجب حلولاً لا تستطيع وضعها إلا المخلوقات الفضائية!

بلت لزاماً اجتراح حلّ من توقيع أبطال، لأن انتظار حلول الدولة أشبه بانتظار شرب المياه في الصحراء. حلّ يقتضي تضامناً شاملاً ومثابرة وتحدي. لا خلاص إلا بعصيان مدنيّ وثورة حقيقية

هل قلنا "تضامناً وثورة وعصيانا مدنيّا"؟!

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث