طرائف عشّ الوقواق - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

64 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

طرائف عشّ الوقواق - صبحي حديدي

بلغ الممثل الأمريكي جاك نيكولسن سنّ الثمانين هذا العام، وفي تكريم هذه المناسبة أعاد «معهد الفيلم البريطاني» عرض الشريط الشهير «طيران فوق عش الوقواق»، الذي لعب فيه نيكولسن دور ر. ب. مكمرفي، وقيل إنه خُلق لأداء هذا الدور تحديداً، لأنه شهد واحدة من ذرى أدواره، وأبكرها إعراباً عن طاقاته الفذة. وكما هو معروف، عُهد بإخراج الشريط إلى التشيكي ميلوش فورمان، وتمّ إنتاجه سنة 1975، وحصد خمسة أوسكارات دفعة واحدة: الفيلم، الإخراج، الممثل الأول (نيكولسن)، الممثلة الأولى (لويز فلتشر، في دور الممرضة راتشت)، والاقتباس (لورنس هوبن وبو غولدمان).
ثمة، بادئ ذي بدء، طرفة أولى خلف اختيار فورمان لإخراج الشريط، دون كبار مخرجي هوليوود. كانت «طيران فوق عشّ الوقواق»، رواية الأمريكي كين كيسي (1935 ـ 2001) قد لاقت شهرة واسعة في أمريكا عند صدورها، سنة 1963، مما دفع الممثل الأمريكي كيرك دوغلاس لإعدادها كمسرحية عُرضت في السنة ذاتها، وقام هو شخصياً بلعب دور مكمرفي. ذلك قاده إلى التفكير في إخراجها للسينما أيضاً، وكان دوغلاس قد شاهد شريط فورمان «حفل رجال الإطفاء»، الذي يدور في أجواء شبه مغلقة أقرب إلى المسرح، على غرار رواية كيسي التي تدور في مصحّ عقلي، فكتب إلى فورمان يعرض المشروع، فوافق الأخير، وانتظر أن تصله نسخة من الرواية بالبريد. لكنّ المشروع بأسره كاد أن يندثر بسبب تدخل السلطات التشيكية، التي صادرت نسخة الرواية دون أن تبلغ فورمان، فظنّ هذا أنّ دوغلاس نكث بوعده، وظنّ الأخير أنّ الأول قليل التهذيب لأنه لم يردّ! الأقدار تدخلت مجدداً، على نحو معاكس هذه المرّة، حين التقى الرجلان صدفة في أمريكا، وتمّ إحياء المشروع، وتنفيذه.
طريف، ثانياً، أنّ فلتشر أفلحت في إقناع فورمان بتغيير وجهة نظره حول شخصية الممرضة، من حيث إسباغ مسحة إنسانية على سلوك يُراد منه، في الإجمال، تجسيد الشرّ الأقصى: «بدأتُ تدريجياً في التنبه إلى أنه من الأشدّ تأثيراً ألا تبدو على هذه الشاكلة من الشرّ البيّن. إنها مجرد أداة للشرّ. هي لا تعرف أنها الشرّ. وهي، في واقع الأمر، تؤمن بأنها إنما تسعف الناس»، كتب فورمان. لم يكن أقلّ طرافة أنّ المخرج، أثناء زيارة إلى مصحّ عقلي (حيث سيُصوّر الشريط بالفعل)، عرض على مدير المصحّ، دين بروكس، أن يقوم بهذا الدور أيضاً، فوافق، وكان أداؤه الممتاز مفاجأة مبهجة!
طرفة ثالثة، هي أنّ دوغلاس كان قد فكّر في الفيلم، وقبله المسرحية، من منطلق إعجابه بالرواية الأصلية أوّلاً، ولكن، أيضاً، لأنه أحبّ أن يقوم شخصياً بدور مكمرفي في السينما، مثلما فعل على مسارح برودواي. لكنّ سنّ دوغلاس، وحالته الصحية، ومظهره الفيزيائي عموماً، فضلاً عن رأي فورمان المخالف أيضاً، انتهت إلى خيارات أخرى، مارلون براندو وجين هاكمان وبرت رينولدز، قبل الاستقرار على نيكولسن. وبصدد التمثيل، شاء فورمان إشراك عدد من موظفي المصحّ العقلي، وكذلك بعض المرضى، في أداء الأدوار التي تلائمهم في الرواية والسيناريو، فكان أداؤهم لا يقلّ براعة عن الممثلين المحترفين! 
وتبقى طرفة أخيرة، تخصّ كيسي نفسه، مؤلف الرواية، الذي رفض نصّ الاقتباس، ودخل في معركة قضائية مع جهة الإنتاج، معتبراً أنّ روايته قد اختُزلت، خاصة من حيث تحوير السرد، الذي كان يُنقل عبر عينَيْ ولسان «الزعيم برومدن»، الهندي الأحمر في الرواية، الذي يتعمد الخرس والصمم أمام الجميع ما خلا صديقه مكمرفي، في ختام الرواية. ولقد رفض كيسي مشاهدة الشريط، ويُقال إنه ذات يوم كان يقلّب أقنية التلفزيون في بيته، فمرّ عشوائياً على قناة كانت تعرض شريط فورمان، لكنه سارع إلى تغيير القناة حين أدرك الأمر!
وفي مناسبة الحدث عن الروائي والرواية، أشير إلى أنني ــ بين عشرات ما أنجزت من ترجمات، في الشعر والرواية والنقد والفكر… ــ أعتزّ بنقل «طيران فوق عشّ الوقواق» إلى العربية، في طبعة أولى صدرت سنة 1981 عن «مؤسسة الأبحاث العربية» في بيروت، ضمن سلسلة «من ذاكرة الشعوب»، التي أشرف على تحريرها آنذاك الصديق الروائي والناقد اللبناني الياس خوري (مؤسف أنّ المؤسسة أغلقت أبوابها، بعد الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982، وكانت قد أصدرت عناوين متميزة تماماً، بينها عمل إدوارد سعيد «الاستشراق»). وقبل سنتين، خلال زيارة إلى العاصمة الأردنية عمّان، حرّضني أصدقاء أعزاء، بينهم الصديق الناشر أحمد أبو طوق، صاحب «الأهلية»، على إعادة طبع الرواية. ولم أكن في حاجة إلى تحريض، في الواقع، بل إلى وقت وطاقة، ثمّ إلى «إعادة توليف» ما آلت إليه لغتي ومفرداتي وعلاقتي باللغة الإنكليزية، بعد 34 سنة على تجربة أولى في ترجمة الرواية ذاتها!
أهذه طرفة خامسة؟ ليس تماماً، لأنها لا تتصل بالشريط موضوع هذا العمود، وإنْ تبدّت بعض الطرافة في أنني اعتبرت نصّ 1981 هو الأصل/ الأمّ، وبالتالي لم أتدخل، إلا لماماً، في الطبعة الثانية. الأرجح، افتراضاً بالطبع، أنّ طائر الوقواق حلّق طويلاً فوق نصّ الترجمة القديم، فلم يفلح في ترجيح إغواء المراجعة والتنقيح والتصحيح!

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث