عقبات إستراتيجية في مواجهة طموحات إيران - محمد عباس ناجي

المتواجدون الأن

235 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

عقبات إستراتيجية في مواجهة طموحات إيران - محمد عباس ناجي

 

 
  •  .

 طريق البراغماتية لا يقود إلا إلى العزلة وإلى الخسارة الفادحة

القاهرة عندما بدأت إيران في تغيير سياستها إزاء أزمة برنامجها النووي باتجاه القبول بإجراء مفاوضات سرية مع الولايات المتحدة في مارس 2009، كانت تطمح إلى أن يساعدها ذلك على تحقيق مكاسب إستراتيجية عديدة، لا سيما في ما يتعلق بتجنب تعريض هذا البرنامج للتدمير أو التفكيك ودعم دورها الإقليمي باعتراف غربي هذه المرة، والحفاظ على بقاء نظامها الحاكم ومعالجة مشكلاتها الاقتصادية التي فاقمتها العقوبات الدولية.

ولم تجد طهران غضاضة في تحويل تلك المفاوضات السرية إلى أخرى علنية بداية مع إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ثم مع مجموعة “5+1”، وهى الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن إلى جانب ألمانيا، رغم أنها كانت حريصة دائما على تصدير خطاب أيديولوجي مناهض لما يسمى بـ”الشيطان الأكبر” ورافض للانفتاح عليه أو الحوار معه، وهو تحول لا يخلو من دلالة تتمثل في أن إيران تسعى بصفة مستمرة إلى تطويع أيديولوجيتها بما يتوافق مع مصالحها، بل إنها تنتصر للأخيرة في حالة ما إذا تناقضت مع الأولى.

وحرص النظام الإيراني على تدشين حملة ترويجية للاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه في 14 يوليو 2015 تقوم على أنه لا يخل بأسسه العقائدية ومبادئه الثابتة، باعتبار أنه يدخل ضمن إطار “درء الشر” الذي يتمثل، وفقا لرؤيته، في تجنب الدخول في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية كان من الممكن أن تهدد تماسك الدولة وبقاء النظام الحالي في الحكم.

وعبر المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي عن تلك الرؤية، عندما قال في 9 يناير 2014، أي خلال الفترة التي توصلت فيها إيران ومجموعة “5+1” إلى اتفاق جنيف المرحلي الذي مهد المجال للوصول للاتفاق النووي، إنه “إذا ارتأينا في بعض الظروف أن نتفاوض مع الشيطان للخلاص من شره، فإننا نتفاوض”.

وبالفعل، جرت مياه كثيرة في مجرى العلاقات بين طهران وواشنطن في مرحلة ما بعد الوصول للصفقة النووية بالتوازي مع تصاعد حدة التوتر في علاقات الأولى مع الكثير من القوى الإقليمية بالمنطقة التي سعت إلى تأكيد أن المشكلة مع طهران لا تنحصر في برنامجها النووي المثير للشكوك فقط، وإنما تمتد أيضا إلى ملفات لا تقل أهمية وتتمثل في دعمها للإرهاب وتدخلها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، وسعيها إلى استثمار تلك الصفقة من أجل تعزيز حضورها في الأزمات المختلفة.

تواضع العوائد الاقتصادية

لم يحقق الاتفاق النووي الذي بدأ عامه الثالث طموحات طهران الإستراتيجية، لدرجة اتسع معها نطاق الجدل داخل إيران حول ما إذا كان هذا الاتفاق يمثل فرصة أم تحديا بالنسبة إليها.

وكانت النتيجة الأهم لهذا الاتفاق تعزيز نفوذ ما يسمى بتيار المعتدلين الذي يمثله الرئيس حسن روحاني داخل السلطة، وهو ما بدا جليا في الفوز الذي حققه الأخير على رجل الدين المتشدد إبراهيم رئيسي مرشح تيار المحافظين الأصوليين والمقرب من المرشد في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 19 مايو 2017، وهو ما مكنه من تجديد ولايته الرئاسية لأربعة أعوام قادمة، رغم أن ذلك لا يؤثر بشكل كبير على عملية صنع القرار التي يتحكم فيها المرشد والمؤسسات التي تحظى بدعمه مثل الحرس الثوري.

وباستثناء ذلك لم تنجح الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في استثمار الاتفاق لتحقيق عوائد اقتصادية كبيرة توقعتها قبل الوصول للاتفاق، لاعتبارات عديدة يتمثل أبرزها في تعقيدات البيروقراطية الإيرانية وسيطرة الشركات التابعة للحرس الثوري على قسم كبير من الاقتصاد، فضلا عن انتشار الفساد.

سيطرة الشركات التابعة للحرس الثوري على قسم كبير من الاقتصاد وانتشار الفساد دفع الكثير من الشركات الأجنبية إلى العزوف عن الدخول في تعاملات مالية مع الشركات الإيرانية

ودفعت هذه العوامل الكثير من الشركات الأجنبية إلى العزوف عن الدخول في تعاملات مالية ومصرفية مع الشركات الإيرانية، ربما باستثناء بعض الحالات على غرار صفقتي شراء طائرات مدنية مع شركتي “إيرباص” و”بوينج”.

ورغم أن الاتفاق الذي تم توقيعه مع شركة “توتال” الفرنسية في 3 يوليو 2017، ويقضي بقيام الشركة بتطوير المرحلة الحادية عشرة من حقل “بارس الجنوبي” الذي تشترك فيه إيران مع قطر، بالتعاون مع شركتى “بتروباس” الإيرانية و”سي أن بي سي” الصينية، يعتبر دلالة على أن بعض الشركات الأجنبية الكبرى قد تبدأ في المجازفة بتحدي الضغوط الأميركية المفروضة على الاستثمار في إيران، لكن ذلك لا ينفي في الوقت ذاته أن ثمة عقبات عديدة تواجه محاولات إيران استغلال ذلك لاستقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وتشجيع العديد من الشركات الأجنبية الأخرى على تبني السياسة نفسها.

واللافت هنا، أن تلك العقبات ربما تبدأ من الداخل، وتحديدا من جانب تيار المحافظين الأصوليين، الذي يتهم الحكومة بالانصياع لضغوط الشركات الأجنبية من أجل دفعها إلى الاستثمار في إيران، خاصة أن حصة شركة “توتال” سوف تبلغ نحو 50.1 بالمئة في المشروع، فيما تصل حصة الشركة الصينية إلى 30 بالمئة، والشركة الإيرانية إلى 19.9 بالمئة. وانعكس تراجع الثقة في هذا الاتفاق في قرار مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان)، في 12 يوليو الجاري، بتشكيل لجنة للإشراف على الاتفاق، في مؤشر على أن مهمة الحكومة في تحصيل أكبر قدر من العوائد الاقتصادية للاتفاق النووي لن تكون سهلة خلال الفترة القادمة.

ويستند المحافظون الأصوليون في تبرير تراجع ثقتهم وتوجيه انتقادات قوية للاتفاق النووي إلى العوائد المتواضعة التي حصلت عليها إيران من خلاله في مقابل تقديمها تنازلات كبيرة على غرار تخفيض عمليات تخصيب اليورانيوم إلى نحو 3.5 بالمئة، وحصر عمليات التخصيب في منشأة واحدة هى “ناتانز” والاقتصار على أجهزة الطرد المركزي من الطراز الأول مع تقليص أعدادها إلى 5060 جهازا وإخضاع المنشآت النووية لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية وغيرها.

مع أن الحكومة لم تقبل بالاتفاق النووي إلا بعد حصولها على ضوء أخضر من جانب المرشد خامنئي، إلا أن الأخير عاد وأكد مرارا على أن الأولى تتحمل مسؤوليتها كاملة، في إشارة منه إلى تراجع تأييده للاتفاق الذي وصل إلى مرحلة حرجة في الفترة الحالية.

تغير السياسة الأميركية

يفسر وصول الاتفاق النووي إلى هذه المرحلة الحرجة بعاملين؛ يتمثل أولها في سعى إيران بصفة مستمرة للالتفاف عليه، من خلال بحثها عن ثغرات أو بنود تحمل أكثر من معنى، على غرار البند الخاص بمنع الأنشطة المرتبطة بتطوير الصواريخ الباليستية، والذي انتهكته إيران مرارا بحجة أن صواريخها غير مخصصة لحمل أسلحة نووية وهي النوعية التي يركز عليها الاتفاق.

وضع تغير السياسة الأميركية تجاه إيران فضلا عن تواضع العوائد الاقتصادية الاتفاق النووي أمام مفترق طرق رئيسي

بل إن إيران لم تكتف بذلك، إذ أنها لم تلتزم أيضا ببعض العقوبات المفروضة على سفر بعض قادتها العسكريين إلى الخارج، على غرار قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” المسؤول عن العمليات الخارجية في الحرس الثوري، والذي تعمدت وسائل الإعلام الإيرانية تغطية زيارته لبعض المواقع التي تسيطر عليها الميليشيات الطائفية المؤيدة لإيران، في العراق وسوريا.

وينصرف ثانيها إلى التغير الملحوظ في السياسة الأميركية تجاه طهران مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 20 يناير 2017، وتبني الإدارة الجديدة مقاربة مختلفة اعتبرت الاتفاق النووي أسوأ اتفاق في التاريخ وشنت حملة انتقادات قوية ضد الإدارة الأميركية السابقة بسببه، ووجهت إشارات عديدة إلى أنها لن تتخذ من الإجراءات ما يشجع على استمرار العمل به.

وتزامنت السياسة الأميركية الجديدة مع الجهود التي بذلتها قوى إقليمية عديدة لإضفاء وجاهة خاصة على رؤيتها القائمة على خطورة التعويل فقط على التزام إيران ببنود الاتفاق النووي دون النظر إلى محاولاتها الحثيثة استثماره لتعزيز حضورها في المنطقة وتوسيع نطاق تدخلها في الشؤون الداخلية لدولها، بشكل بات يفرض ضغوطا قوية على الأخيرة، خاصة بعد أن قررت بعض دول المنطقة قطع علاقاتها أو تخفيض مستوى تمثيلها الدبلوماسي معها بسبب مواقفها من بعض القضايا الداخلية وإصرارها على تأسيس علاقات مع جماعات محلية مسلحة وإرهابية تسعى إلى تأجيج حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني داخل بعض تلك الدول.

وظهرت دعوات عديدة رافضة لنفوذها داخل بعض الدول على غرار العراق، وتصاعدت حدة الضغوط التي يتعرض لها حلفاؤها مثل حزب الله نتيجة مشاركته في الصراع السوري إلى جانب قوات الأسد، وتزايدت حالات ضبط شحنات الأسلحة التي تقوم بتهريبها إلى المتمردين الحوثيين في اليمن من خلال التحالف العربي وبعض القوات البحرية الأجنبية بشكل قدم دليلا قويا على انتهاكاتها المستمرة لقرارات مجلس الأمن رغم نفيها المتواصل لذلك.

لذلك وضع تغير السياسة الأميركية تجاه إيران فضلا عن تواضع العوائد الاقتصادية التي حصلت عليها بمقتضى الاتفاق النووي واتساع نطاق الجدل داخلها حول تداعياته، هذا الاتفاق أمام مفترق طرق رئيسي سوف تتحدد معالمه خلال المرحلة القادمة

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث