عندما تكون العقوبات الجماعية محل تواطؤ جماعي - يحيى الكبيسي

المتواجدون الأن

146 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

عندما تكون العقوبات الجماعية محل تواطؤ جماعي - يحيى الكبيسي

 

نشرت هيومان رايتس ووتش في 17 تموز/يوليو الحالي تقريرا عن «عقوبات جماعية على الأسر والقرى والمجتمعات» تتم ممارستها في الموصل في انتهاك صريح لقوانين الحرب وبما يشكل بحد ذاته جريمة حرب. وأشار التقرير إلى ان قرارا رسميا صدر عن «مجلس قضاء الموصل» يقضي بنقل ما يسميهم «عوائل الدواعش» إلى مخيمات لإعادة «تأهيلهم نفسيا وفكريا ودمجهم بالمجتمع بعد التأكد من استجابتهم للتأهيل»! أي أن جهات مدنية أعطت لنفسها سلطة حجز مواطنين قسريا في معسكرات بحجة «إعادة التأهيل» بل وعدم خروجهم من هذه «المعتقلات» إلا بعد «استجابتهم» للتأهيل التي لا تعني سوى استمرار الاحتجاز لأجل غير مسمى! وقد أشار التقرير إلى أن عمليات «الاحتجاز القسري» هذه لا تقتصر على الموصل، بل هي قائمة في محافظات الأنبار وبابل وديالى وصلاح الدين أيضا!
وكانت استجابة رئيس مجلس الوزراء العراقي على هذا التقرير القول أن «بعض تقارير المنظمات الدولية تشجع الإرهابيين على قتل الأبرياء»! داعيا تلك المنظمات إلى «التحقق من مصادر معلوماتها في العراق»! بل طالبها بإجراء «تحقيق داخلي» مع كاتبي هذه التقارير!
وبعيدا عن المنظمات «المتآمرة» كما يراها السيد العبادي، كانت بعثة الأمم المتحدة في العراق «يونامي» قد أشارت أكثر من مرة في تقاريرها المتعلقة بحقوق الإنسان في العراق إلى تبني جهات رسمية متعددة للعقوبات الجماعية كسياسة منهجية. فقد دعا تقرير وضع حقوق الإنسان في العراق للمدة بين كانون الثاني ـ حزيران 2016 الحكومة العراقية إلى «اتخاذ خطوات لمنع السلطات المحلية من فرض عقوبات جماعية، وعلى الأخص تلك التي تشمل الأسر التي ساند أفرادها أو یشتبه بمساندتهم لداعش وغیرها من الجماعات المسلحة  ، بما في ذلك الأوامر التي ترمي إلى طرد أو ابعاد هؤلاء الأشخاص، أو الأوامر التي ترمي إلى مصادرة أو حجز او تدمير ممتلكاتهم المنقولة أو غير المنقولة بما يخالف الدستور العراقي والتزامات العراق الدولية». وقد نقل التقرير الكثير من وقائع هذه العقوبات الجماعية التي تقوم بها سلطات الحكومات المحلية، والتشكيلات العسكرية الرسمية! كما أشار الممثل الخاص للأمين العام في العراق يان كوبيتش في إحاطته في مجلس الأمن يوم 17 تموز 2017 إلى ما أسماه «تزايد المشاعر الشعبية لصالح العقوبات الجماعية للعوائل التي يعتقد انها مرتبطة بداعش»! وإلى تعرض العديد من المواطنين إلى عمليات الإخلاء ومصادرة المنازل وغيرها من التدابير الانتقامية! وان بعثة الأمم المتحدة قد طالبت رئيس مجلس الوزراء العراقي باتخاذ الخطوات العاجلة لإيقاف هذه العقوبات الجماعية الانتقامية! 
ولكن المفارقة ان تقرير الامين العام للأمم المتحدة، الذي زاد عن 18 صفحة، خلا تماما من الإشارة إلى هذه العقوبات الجماعية! كما خلا منها تماما قرار مجلس الامن المرقم 2367 الصادر في 14 تموز 2017، الذي أشار بشكل عام إلى التأكيد على «جميع الأطراف، بما في ذلك الجماعات المسلحة والميليشيات أن تحترم حقوق الانسان وتفي بجميع الالتزامات المنطبقة بموجب القانون الدولي، بما في ذلك الالتزامات المتعلقة بحماية السكان المدنيين… وهي الالتزامات التي يجب ان تفي بها أيضا كل القوات العراقية النظامية»! ولكن مجلس الامن رحب في الوقت نفسه «بقيام رئيس وزراء العراق حيدر العبادي بإنشاء لجنة للتحقيق في الانتهاكات والتجاوزات المبلغ عنها»! من دون أية إشارة إلى ما ورد في تقارير بعثة الامم المتحدة نفسها من عدم نشر أية نتائج متعلقة بالتحقيقات!
هذه المرة جاءت استجابة السيد العبادي أقل عدائية من استجابته لتقرير هيومان رايتس ووتش، فلم يدع لتحقيق داخلي ضمن بعثة يونامي، أو الأمم المتحدة، او مجلس الامن! بل اكتفى بعبارة مرسلة بأن «العقوبة الجماعية لا مكان لها بيننا»! 
بعيدا عن البروباغاندا التي يعتمدها السيد حيدر العبادي، والتي تحظى بتواطؤ دولي صريح! فان الوقائع على الأرض تكشف أن العقوبات الجماعية أخذت تتكرس عمليا، وبشكل منهجي، وبمشاركة أطراف مختلفة، وتحظى بغطاء سياسي وحكومي!
ففي تموز 2016 أصدرت محافظة الانبار وثيقة أطلق عليها «وثيقة عهد اهل الانبار» بحضور رسمي يتقدمه رئيس مجلس النواب د. سليم الجبوري، رئيس اعلى سلطة في الدولة! وقد اشترطت هذه الوثيقة عدم عودة «الاشخاص والجهات الذين روجوا لمشروع داعش  عبر القنوات الاعلامية وكانوا سببا في تضليل الرأي العام وارباك القوات الأمنية لحين النظر في قضاياهم من قبل لجان ستشكل لهذا الغرض»؛ وعدم عودة «العوائل التي انتمى أحد ابنائها إلى  داعش  ، والتي وفرت له ملاذا أو غطاء أو مناصرة. فكل العائلة التي يظلها سقف واحد مهما كانت درجة القرابة لا يمكن لها العودة»؛ كما اشترطت الوثيقة شروطا مجحفة وغير منطقية تجاه «العوائل» التي انخرط أحد ابنائها في داعش دون ارادتها، فهذه العوائل فرض عليها «اعلان براءتهم « من ابنائهم، وأن يقسموا على ذلك كشرط مسبق للعودة، أما العوائل التي يدور حولها أو حول أحد أبنائها شبهات المناصرة أو التعاون، مع عدم وجود «دليل لإدانتها» فلا يمكنها العودة إلا بكفالة شخصية من شخصية معروفة «بالولاء الوطني»! 
في الشهر نفسه أصدر مجلس محافظة بابل قرارا يدعو السلطات لهدم منزل كل من يثبت تورطه بأعمال إرهابية، وطرد أسرته من المحافظة، والسماح باتخاذ إجراءات قانونية ضد الأسر التي يثبت «تسترها» على أقارب لها منتمين لداعش. وكان هذا القرار لاحقا لقرار سابق صدر في اكتوبر 2014 بمنع نازحي جرف الصخر (وعددهم يصل إلى 100 ألف نسمة) من العودة إلى بيوتهم وما زال هذا القرار ساريا حتى اللحظة!
وفي شهر آب 2016 أصدر مجلس محافظة صلاح الدين قرارا يمنع عودة الأسر التي يشتبه بانتماء احد ابنائها لداعش، وبمصادرة ممتلكاتهم! ونقلت هيومان رايتس ووتش أن الفريق الركن جمعة عناد سعدون، قائد عمليات صلاح الدين، أمر بتهجير الأقارب المباشرين لعناصر داعش بعد صدور القرار عن المحافظة. قال إن «عوائل داعش» تم تحديدها عن طريق سكان آخرين أو عن طريق معلومات استخبارية جمعتها قوات الأمن. قال إنه أصدر الأمر لأنه يخشى وجود اتصالات بين أشخاص من هذه العائلات وأقاربهم في داعش في الموصل والجبهات الأخرى، ولوجود شكاوى من أقارب لضحايا انتهاكات داعش. أضاف أنه لن يكفّ عن تهجير هذه العائلات. وكشف التقرير أن أغلب العائلات أنكرت أن يكون لها أقارب في داعش، أو قالت إنهم أقارب من العائلة الموسعة، مثل أبناء العم أو الأصهار.
بموازاة هذه القرارات الرسمية كان ثمة «اتفاقات» شكلت تكريسا لسياسة العقوبات الجماعية! من بينها الوثيقتان المتعلقتان بالشروط المذلة والمجحفة الخاصة بعودة النازحين إلى منطقتي يثرب (تم توقيعها في تموز 2016) وعزيز بلد (تم توقيعها في مايو 2017) في محافظة صلاح الدين. وقد حظيت هاتان الاتفاقيتان بغطاء سياسي صريح من الحكومة العراقية!
تاريخيا كانت العقوبات الجماعية في العراق سياسة منهجية اعتمدتها الانظمة المتعاقبة! ومن الواضح أن نظام ما بعد 2003 عمد إلى ترسيخ هذه السياسة والوصول بها إلى منتهاها، ولكن المتغير الرئيسي أن هذه العقوبات الجماعية تحظى بتواطؤ دولي صريح هذه المرة!

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث