سلطة فلسطين المقدسية - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

99 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

سلطة فلسطين المقدسية - صبحي حديدي

حال الغليان الشعبي بصدد الأقصى، والتي تشهدها فلسطين التاريخية بأسرها، من البحر إلى النهر كما يتوجب القول، ليست سوى المآل الطبيعي الأوّل الناجم عن جوهر الاحتلال العسكري والاستيطاني الإسرائيلي؛ والذي أسفر، على الدوام، ومنذ احتلال القدس الشرقية سنة 1967، عن مآلات رديفة أكثر احتقاناً وتصعيداً. وهذه الحصيلة تكتسب عمقاً إضافياً، ونطاقاً أوسع بكثير، حين يتصل الأمر بالمقدسات عموماً، ومجمّع الأقصى بصفة خاصة. وليس مقتل شرطيين إسرائيليين، واستشهاد ثلاثة فلسطينيين، مؤخراً، داخل باحات الأقصى (للمرة الأولى منذ وقوع المجمّع تحت الاحتلال) إلا ذروة جديدة في تلك الحصيلة.
وكان مناحيم بيغن، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، قد دشّن هذا التكوين الانفجاري في المدينة، حين تولى الترجمة السياسية، ثمّ الاستيطانية واللاهوتية، لقرار الكنيست الشهير الذي اعتبر القدس «عاصمة أبدية موحدة لشعب إسرائيل». ثمّ تعاقبت الإجراءات التهويدية والعنصرية والتمييزية والزجرية والتقييدية التي اتخذتها الحكومات الإسرائيلية المختلفة، في صفّ «اليمين» كما «اليسار»، وعند المتدينين أسوة بالعلمانيين؛ حتى بلغ الفلسطيني المقدسي هذا الطور السوريالي الراهن: أنه ابن أصيل لمدينة وُلد فيها، ولكن لا حقوق له لدى الدولة ذاتها، التي تعتبر المدينة عاصمة لها!
في «هآرتز» يكتب الصحافي الإسرائيلي نير حسون إنّ هذا الوضع، الذي يعيشه الفلسطيني المقدسي، لا نظير له في أيّ مكان على امتداد العالم؛ متناسياً أنّ هذا الاحتلال الإسرائيلي، بدوره، لا نظير له على امتداد التاريخ البشري! وإذْ يقرّ بأنّ السلطة الفعلية في مجمّع الأقصى ليست إسرائيل، الجيش والشرطة والمستوطنين؛ وليست الأردن، بموجب الاتفاقيات الراهنة؛ ولا الوقف ذاته (الذي يدير الأقصى منذ 500 سنة، للتذكير المفيد)؛ بل هي سلطة الفلسطينيّ المقدسي، أوّلاً. هنا، كذلك، يتناسى حسون أنّ ذلك «الفلسطيني المقدسي» يحدث أنه مسيحي أيضاً، وليس مسلماً فقط؛ وأنه يمثّل كلّ فلسطينيي فلسطين التاريخية، بدليل التضامن الشامل الذي شهدته مناطق 1948 والضفة الغربية والقطاع، سواء بسواء.
وفي نيسان (أبريل) الماضي، أقرّت حكومة بنيامين نتنياهو بناء 15 ألف وحدة سكنية في القدس المحتلة، أي على أرض يقرّ القانون الدولي أنها محتلة، ولم يتجاسر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه (أو ليس بعد، في الأقل!)، على اعتبارها إسرائيلية، رغم وعوده الانتخابية حول نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. قبل ذلك، سعت الحكومة الإسرائيلية إلى إصدار تشريع يسمح لليهود بالدخول إلى باحة الأقصى، وممارسة مختلف الشعائر الدينية هناك؛ الأمر الذي استوجب إضافة إجراء عسكري وأمني يكمل ذلك التشريع، أي تكليف جيش الاحتلال بحماية المصلّين اليهود، حتى إذا اقتضى الأمر إخلاء الباحة من الفلسطينيين، وسائر زوّار المكان أيضاً. وقبل هذه وتلك، كان الكنيست قد ناقش تشريع وقف الأذان في القدس، لأسباب «صحية» تخصّ «الضجيج» الذي يلوّث البيئة؛ متجاهلاً نفير السبوت اليهودية، إذْ لعلّ مشرّع الكنيست صنفها في باب الكونشرتو!
لا تنفصل عن تغذية هذه الحال الانفجارية، خاصة لجهة غطرسة نتنياهو وذهابه أبعد في الانتهاك والتصعيد، حقيقة أنّ العالم لا يتفرج على إسرائيل مكتوف الأيدي، فحسب؛ بل يمدّ يد العون إلى سياساتها هذه، إما عن طريق التواطؤ المباشر، أو التشجيع بطرق شتى (والرئيس الأمريكي ليس أكثر حمية من الرئيس الفرنسي، الذي استضاف نتنياهو مؤخراً في مناسبة تخصّ يهود فرنسا)، أو التزام الصمت. وفي داخل هذا العالم، يمكن احتساب السلطة الفلسطينية، والأنظمة العربية، وتسعة أعشار المتباكين على الأقصى وقبة الصخرة.
وهذه، في أوّل المطاف ونهايته، ليست حال جديدة على فلسطين والفلسطيني؛ فقد توجّب أن يحاصر حصاره مراراً، لا مفرّ، كما ذكّره محمود درويش!

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث