إدوارد سعيد: تأثيرات مبكرة - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

296 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

إدوارد سعيد: تأثيرات مبكرة - صبحي حديدي


كتاب فرد بوشيه «إدوارد سعيد ـ الأنسني الراديكالي ــ في مصادر الفكر ما بعد الاستعماري»، الذي صدر مؤخراً بالفرنسية، يعيدني إلى عقد ابتدائي حاسم في حياة إدوارد وديع سعيد (1935 ــ 2003)، الناقد، ثمّ المنظّر، الأدبي الرفيع، رغم أنّ بوشيه يحصر كتابه في المسائل التي بات من المعتاد أن تكتنف مناقشة سعيد: الهوية، الاستشراق، فلسطين، الإمبريالية، ما بعد الاستعمار… ذلك لأنّ سعيد كان، بين 1965 و1975، قد انخرط في نشاط نقدي وأكاديمي حافل، قاده إلى مناخات سجالية مع أعمال فرانك كيرمود، ر. ب. بلاكمور، كلود ليفي ــ ستروس، جيامباتيستا فيكو، إميل سيوران، إريك أورباخ، إيهاب حسن، رولان بارت، مكسيم رودنسون، وآخرين.
ثمة، في قلب عقد التأسيس هذا، سلسلة تأثيرات أدبية (رواية جوزيف كونراد، بصفة خاصة)، وأخرى فلسفية وفكرية ونقدية، لعلّ الأبرز في مصادرها كان فيكو، الفيلسوف السياسي والبلاغي والمؤرخ الإيطالي (1668 ــ 1744)، الذي سوف يكون له تأثير بالغ، ومبكر تماماً، على تفكير سعيد. وذلك سوف يتبدى في كتابات كثيرة، خاصة في كتاب «النزعة الأنسنية والنقد الديمقراطي»، الذي سوف يصدر سنة 2004، بعد رحيله. (واشتقاق «الأنسنية» مستعار من فواز طرابلسي، الذي نقل هذا العمل إلى العربية، وصدر في بيروت عن دار الآداب، 2005). المقالة الأولى، بصدد فيكو، نُشرت صيف 1967، تحت عنوان «فيكو: عصاميّ التعليم والأنسني»، وابتدأها سعيد بامتداح فيكو في وجه فلاسفة وفقهاء لغة ومؤرخين، تشاجروا حول عمله، آخذين منه ما بدا أنه يلائم اهتماماتهم في حينه، بينما كانت الدروس الكبرى لعمله قد تعرضت للإهمال المجحف.
ولسوف تتضح مستويات أخرى من تأثر سعيد بفكر فيكو، لاحقاً، وبجلاء أكثر، في «بدايات: القصد والمنهج»، ولكن تجب الإشارة إلى مقالة أخرى نشرها سعيد سنة 1976، بعنوان «فيكو ومنظومة الأجساد والنصوص». وفي حوار مع بيل أشكروفت، يعود إلى سنة 1959، سُئل سعيد إنْ كان في مساره الدراسي قد تتلمذ على أساتذة كبار، فأجاب بأنه صادف أساتذة جيدين، ولكنه لم يحظ بأساتذة كبار، وكانت حاله في هذا أشبه بحال فيكو من حيث عصامية التعليم. كذلك أضاف أنّ تفكيره حول مفهوم النقد العلماني يدين، في بعضه، للتمييز الذي أقامه فيكو بين العلماني والمقدّس، الأمر الذي قاد سعيد إلى أورباخ (وهو مترجم فيكو إلى الألمانية)، وغرامشي، ثمّ الناقد الإنكليزي رايموند وليامز، وآخرين.
وحول التأثيرات الفرنسية، يُشار أوّلاً إلى مقالة بعنوان «متاهة التجسيدات: مقالات موريس ميرلو ــ بونتي» ، التي نُشرت مطلع 1967، وكانت مناسبة لتصفية المزيد من الحسابات النقدية مع جان ـ بول سارتر، و»فلسفة الهواة الأنسنية» في فرنسا ما بعد 1940، وابتذال هوسرل، وأحادية هربرت ماركوز، و»الصناعة التي أسمها البنيوية»، وليدة ذلك «المزيج المُتَخيّل» من ألسنية فرديناند دوسوسور وفلسفة هسرل اللاحقة، ثمّ بارت وليفي ـ ستروس وغومبريش… كلّ ذلك في غمرة امتداح أعمال ميرلو ــ بونتي (وفي عدادها: «بنية السلوك وفينومينولوجيا الإدراك»، «المعنى واللامعنى»، «مغامرات الديالكتيك»، و»المرئي وغير المرئي»…)، التي تردّ الاعتبار إلى المعنى، والإدراك، و»النظام الإنساني»، و«المنطق الداخلي للتاريخ».
مقالة أخرى، بعنوان «ملاحظات حول تشخيص نصّ أدبي»، نُشرت في أواخر العام 1970، سوف تقتبس ميرلو ــ بونتي في الاستهلال، وستتناول شبكة معقدة من المفاهيم الإشكالية (المؤلف، علاقات النصّ، إيديولوجيات النقد، النصّ والناقد، التفكيك، البنية، الزمن التجريبي والزمن الفنّي…)، ضمن روحية السجال مع البنيوية الفرنسية، جان بياجيه ورولان بارت خصوصاً، ثمّ تفكيكية جاك دريدا. هنا، في هذه المقالة، تُتاح للقارئ واحدة من الفُرَص النادرة للوقوف على بعض آراء سعيد في الشعر (من خلال قصائد جيرالد مانلي هوبكنز، وسونيتات راينر ماريا ريلكه).
وفي خريف 1966 نشر سعيد مراجعة للترجمة الإنكليزية لكتاب لوسيان غولدمان «الإله الخفي»، الذي يقترح منظومة تحليلية لتلمّس حسّ التراجيديا لدى الفيلسوف باسكال والمسرحي راسين، وبدا أنّ أحد أبرز الأغراض غير المباشرة وراء هذه المراجعة كان تبيان تأثير المفكر والناقد المجري الماركسي جورج لوكاش في عقلية لوسيان بصفة خاصة، ثمّ في المشهد الفكري والفلسفي والنقدي الفرنسي بصفة أعمّ. والديالكتيك، في شروحاته عند كارل ماركس وفردريك إنغلز ولوكاش وغولدمان نفسه، يشدّ سعيد منذ السطور الأولى في المراجعة، إذْ يشير إلى، ثمّ يستفيض في تفصيل، نظرية متماسكة حول التراجيديا و»كيفية اعتبار الأجزاء الفردية مكمّلة لكلٍّ هو أكبر من مجموع الأجزاء».
لافت، في المقابل، أنّ نزوع سعيد إلى التعريف بالفكر النقدي الفرنسي، على اختلاف تياراته الماركسية والبنيوية والتفكيكية، والحرص على تقديمه في الدوريات النقدية والمؤسسات الأكاديمية ضمن صيغة ترحيبية، كان شديد الاقتران بصرامة نقدية، وتمحيص دقيق، خاصة حين يتصل الأمر بأمثال لوكاش، ثمّ أنتونيو غرامشي وتيودور أدورنو لاحقاً.
وخلال هذا العقد، وعلى امتداد العقود اللاحقة، ظلّ سعيد نموذجاً لامعاً للمثقف الذي يعيش عصره على نحو جدلي، ويُدرج إشكالية الظواهر كبند محوري على جدول أعمال العقل، ويُخضع مَلَكة التفكير لناظم معرفي ومنهجي مركزي هو النقد.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث