في الحنين إلى شارع الرشيد - علي جعفر العلاق

المتواجدون الأن

85 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

في الحنين إلى شارع الرشيد - علي جعفر العلاق

 

 

كم يوجعني اليوم حنيني إلى شارع الرشيد، هذا الشارع الذي كان معبأ بإقبال العراقيين على الحياة، ومزاجهم الفوّار، القابل للاشتعال في أية لحظة. إلى نكهته البغداية الخاصة، إلى تلك النكهة العراقية التي تتفصد من أعمدته وواجهات المحلات فيه، كانت أقدامنا ترتجل ذكرياتها دون أن تدريوكان ثمة خليط عجيب من التوتر والبساطة والاكتظاظ الحيّ، يمتدّ بين باب المعظّم والباب الشرقي، ويمنح تلك البقعة مسحة من الشجن المشوب بالفرح والترقب الحذر.

كان ثمة مقاهٍ أدبية لعبت دورا كبيرا في احتضان تلك الأجواء وتنميتها في خمسينات القرن الماضي بشكل خاص. شهدت حركات للتجديد، وغذّت مناخات للجدل الثقافي، وأنعشت تقاليد راقية، مقهى البرازيلية، مقهى البرلمان، مقهى حسن عجمي، مقهى الزهاوي، مقهى عارف.

كانت هذه المقاهي كلها تنتشر على طول شارع الرشيد، ذلك الشارع البغدادي المعتّق. وفي الستينات تدفقت إليها أسماء جديدة من الشعراء والكتاب الشبابوكان هناك مقهى المعقّدين في الباب الشرقي، ومقهى ياسين في شارع أبي نواس، وهما مقهيان ستينيان بامتياز.

وربما كانت أكثر مقاطع هذا الشارع خصباً وحيويّة تلك المنطقة التي تصل بين ساحة الميدان وساحة الوثبة. هناك محلة جديد حسن باشا، إدارات الصحف اليومية، شارع المتنبي، سوق السراي، المقاهي الأدبية، ساعة القشلة.

في هذه المنطقة، وبين شارع الرشيد ونهر دجلة، يعبق المكان برائحة الورق والحبر والأصماغ حيث تنتشر المطابع، والمكتبات الأهليّة، وباعة الكتب المعروضة على الأرصفة، ومحلات التجليد والخط، والغرف الرخيصة المحشوّة بالطلبة القادمين من المحافظات البعيدة، والأدباء الشباب الذين يعملون غالباً في الصحافة أو الإذاعة والتلفزيون.

ولم تكن المكتبات، في شارع المتنبي، مجرد محلات لبيع الكتب فقط، بل كان الكثير منها منتديات يلتقي فيها الأدباء والكتّاب: فضاءات مترعة بالمعرفة والحوارات، والفضول الجميل، حيث تتولّد الأفكار والمشاريع، وتتشكّل أجنّة الكتب والبدايات البهيجة للقصائد والمقالات والتأمل والمشاكسات والصعلكة.

وحين ينتهي شارع المتنبي، ذلك الشارع القصير مثل قصيدة شديدة الايجاز، يبدأ سوق السراي المكتظ بباعة الكتب القديمة ومحلات تصليح الأقلام، وتجليد الكتب، وبيع المعدّات المكتبية. شارع يسلمنا إلى شارع آخر. ومكتبة تسلمنا إلى أخرى. كنا نترك التعب بعيداً عنا، ينتظرنا في شارع فرغنا من التجوال فيه، أو نتركه في مقهى تناولنا فيه قدح الشاي الذي لا تزال رائحته عالقة بأصابعنا.

شيء ما، مترعٌ بالفرح أو التأمّل أو الضياع كان ينبثق من هذا الشارع. ينضح من خلال رائحة الكتب المجروحة وهي في طور التجليد، والورق المطحون تحت مكائن القصّ الثقيلة، وأدوات الخطّ، والمحابر، والأصماغ والجلود الطريّة، والتعب الذي يتصاعد من حبرها الدافئ القديم.

والأجمل من ذلك كله أن شارع الرشيد ليس له من مكان ثابت على الأرض. إنه هنا، أعني هناك. في كل واحد منا كسرة منه، تدخله الشمس أو تخرج منه وهي ليست هي تماماً، بعد أن أخذت منه بعضاً من روائح، وشيئاً من بهجة كلام الناس ومرحهم الحي الذي لم نعد نشهد شيئاً منه إلاّ نادراً.

أين أنت الآن، في هذه اللحظة تحديداً؟ أبدو وكأنني لا أناديك أنت. لا أخاطب ما بقي منك أيها الشارع المثقل بالحنين والمطر المؤجل. بل أخاطب، أو كأنني أخاطب ما مضى، من كل شيء جميل وجدير بالأسى والملذات. كنت مشدوداً إلى قلوبنا وهي تدشن أول علاقتها بالوعود والسهر والكلام. أما اليوم فلست أكثر من جرح أمعنت في تعذيبه سكاكين القتلة، حتى حولته إلى فضاء للموت، والصدف العمياء، والكلام الذي يفقد قدرته على التأثير قبل انطلاقه من شفتين تقصدان دائماً خلاف ما تقولان

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث