أليست هناك أميركا أخرى؟ - فاروق يوسف

المتواجدون الأن

104 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

أليست هناك أميركا أخرى؟ - فاروق يوسف

 

 

كرهنا أميركا منذ الصغر. كان عارها في فيتنام قد جعلنا نصدق كل ما قاله الشيوعيون ومن بعدهم البعثيون ومن قبلهم الناصريون عن أميركا التي هي عدوة الشعوب.

لقد أقيمت خرافة الدولة القومية في العالم العربي على قاعدة العداء لأميركاوكانت العلاقة الجيدة بأميركا برهانا على رجعية بعض الأنظمة التي حالفها الحظ في أن تنظر بطريقة سليمة وسوية إلى المستقبل.

من سوء الحظ أن التقدميين العرب كانوا أكثر رجعية من الرجعيين العرب. وهو ما بينته النتائج بعد سنوات. فالبلدان التي قادها أولئك التقدميون وهم أعداء أميركا صارت بعد أكثر من خمسين سنة من الحكم التقدمي مجرد ركام من الأوهام المهترأة اما البلدان التي قادها الرجعيون من أصدقاء أميركا فإنها اليوم تحتل مكانا محترما ومرموقا في المشهد العالمي.

أحدث ذلك الاختلاف بالصدفة ولأسباب قدرية أم هو انعكاس لتقديرات سياسية تفوق من خلالها السلوك العملي القائم على التجربة الواقعية على التصور النظري الذي كان مجرد فرض عقائدي؟

أميركا التي كرهناها لم تكن بريئة مما حصل لبعض الدول العربية من كوارث غير أن الجزء الأكبر من تلك الكوارث كان صناعة محلية وهي في الوقت نفسه لم تكن راعية للإزدهار التي تمتعت به دول عربية أخرى بالرغم من أنها استفادت من ذلك الازدهار.

"لقد كرهنا أميركا لأنها تكرهنا وتحب إسرائيل" يقول دعاة القضية.

أما الرأسمالية المتوحشة فإنها لا تستحق سوى البغض" يقول الشيوعيون.

ولم يكن مفاجئا أن يختم الخميني وهو صناعة عقائدية عمياء مستوردة من الماضي البعيد الحفلة بشعار "الموت لأميركا" الذي صار عرب موغلون في رجعيتهم وآخرون مفعمون بتقدميتهم يرددونه.

صار متفقا عليه أن تكون كراهية أميركا هي القاعدة أما حب أميركا فهو الاستثناء. لذلك فمن الصعب أن يصرح العربي بحبه لأميركا. وهنا ينبغي أن نضع بين قوسين الحزبيين الذين وظفتهم سلطة الاحتلال الأميركي في خدمة مشروعها في العراق.فهم لا يحبون أميركا من أجل بناء بلدانهم بل من أجل نهب تلك البلدان وتدمير سبل العيش فيها.

لقد سمح الصراع المرير الذي خاضته الأنظمة العربية، بعضها ضد البعض الآخر عبر أكثر من نصف قرن من الزمن بوقوع الكثير من الاختزال في توصيف أميركا بطريقة لا تمت إلى الحقيقة بصلةفكانت هناك أميركا الشريرة مقابل أميركا الطيبة. تعبيران نظريان استعملا بمجانية من أجل تمرير وجهات نظر سياسية ساذجة.

من وجهة نظر البعض أن ضرر أميركا كان هو الغالب في حين دلت تجربة البعض الآخر على أن أميركا النافعة يمكن الاهتداء إليها بيسر.

في ظل تلك المفاهيم العائمة والعمومية ضاعت حقيقة البلد الأكثر تناقضا وتنوعا وتعددا في العالم. كان النظر إلى أميركا يتم من خلال عين واحدة وهو ما يعني أن كثيرا من الحقائق ظلت مقيمة في ظلام العين المغمضة.

أميركا الأخرى كانت دائما قارة غير مكتشفة بالنسبة لأعدائها من العرب كما بالنسبة لأصدقائها.

ليس من العسير على أي أحد كائنا من كان أن يكتشف أن أميركا ليست بلدا عاديا لكي يتم اختزاله في صفة واحدة من صفاته. أميركا هي قارة تقيم في تنوع مشارب ومذاهب ورؤى وأحلام وأفكار القادمين إليها من كل جهات الأرض بحثا عن حياة جديدة.

وليس من العسير أيضا اكتشاف أن معنى الحياة الجديدة يجد تجسيده الفعلي في أميركا، البلد الذي لا يمكن مقارنته بأي بلد آخر في العالم. فهو لا يشبه إلا نفسه. تلك صفته التي صنعت معجزته بجانبيها الإيجابي والسلبي.

أميركا التي أحببناها مثلها مثل أميركا التي كرهناها صورتان تخفيان حقيقة أميركا الأخرى التي لم نسمح لأنفسنا بمعرفتها.

Comments are now closed for this entry