سياسات إخلاء الوطن من الشعب - أزراج عمر

المتواجدون الأن

77 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

سياسات إخلاء الوطن من الشعب - أزراج عمر

 

 

كيف نفهم الأسباب الحقيقية التي أفرزت، في الأيام القليلة الماضية، ظاهرة حشود الطلاب والطالبات الجزائريين والجزائريات الذين اصطفوا في طوابير بالآلاف أمام المركز الثقافي الفرنسي والقنصلية الفرنسية بالجزائر العاصمة. وهل يمكن أن يقنع المرء الرأي العام الوطني بأن السبب الجوهري لحدوث مثل هذه الظاهرة هو طلب العلم والمعرفة في الديار الفرنسية أم الأمر أبعد وأعقد من ذلك بكثير؟

الإعلام الجزائري الناطق بلسان النظام الحاكم يريد إقناع الرأي العام الوطني بأن المسألة تتعلق بعنصرين اثنين؛ أولهما يتمثل في سوء التنظيم لدى السلك الدبلوماسي الفرنسي الذي لم ينظم جيدا عملية تسجيل هؤلاء الطلاب بطرق سلسة لأداء امتحان مستوى اللغة الفرنسية المؤهل للدراسة الأكاديمية في الجامعات الفرنسية، أما العنصر الثاني فقد أرجعه إلى الحماس العاطفي لشريحة بسيطة من الشباب الجزائري الذي تستهويه الدراسة في الخارج.

هنا، يمكن لنا فتح المناقشة حول ظاهرة هذه الطوابير الملفتة للنظر فعلا. فالقضية التي دفعت بهؤلاء الطلاب والطالبات إلى الاصطفاف بأعداد غفيرة لا ينبغي أن تختزل في مجرد أداء امتحان “المستوى ب 2” في اللغة الفرنسية الذي بموجب اجتياز عقبته توافق الجامعات الفرنسية على استقبال الناجحين فيه لمواصلة الدراسة العليا فيها.

السبب الحقيقي الذي خلق ظاهرة هذه الطوابير شيء آخر يتصل اتصالا وثيقا بفقدان هؤلاء الطلاب لأي أمل في بلدهم، وجراء ذلك أصبحوا يلجأون إلى حيلة مواصلة الدراسات العليا في الجامعات الفرنسية كقناع لإخفاء الهدف الأساسي ألا وهو مغادرة الجزائر طلبا للإقامة النهائية على الأراضي الفرنسية، لضمان المستقبل المادي والمعنوي لأنفسهم ولعائلاتهم.

لا شك أن عدم قراءة هذه القضية بواسطة هذا المنظور وبشكل واقعي هو أمر سيدخلنا في التفسير الخاطئ للواقع الجزائري بشكل عام ولواقع الطلاب الجزائريين بشكل خاص.

أكدت جميع التقارير والتحقيقات الميدانية الموضوعية، ولا تزال تؤكد، بوضوح تام أن الشبان الجزائريين الذين يشكل تعدادهم 70 بالمئة من سكان الجزائر كانوا ولا يزالون يبحثون بمختلف السبل عن الهروب من جحيم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأكاديمية المتدهورة التي تنخر حياتهم اليومية في بلدهم.

في هذا السياق يتساءل المرء: أليس بإمكان الدولة الفرنسية ومعها دول الاتحاد الأوروبي أن تنجز عملية تفريغ الجزائر وإخلائها من مواطنيها كلهم في ظرف لا يتجاوز الأسبوع الواحد لو قامت برفع حاجز شرط التأشيرة على الجزائريين والجزائريات؟

وفي الحقيقة فإن هذا أمر حقيقي يتجاوز دائرة الاحتمال والتخمين والظن، والسبب في ذلك هو النظام الجزائري الذي قد لعب ولا يزال يلعب دورا محوريا في خلق كل الشروط السلبية التي كرست ولا تزال تكرس ظاهرة الهجرة المادية وحتى الهجرة المتخيلة التي تدمر وتغرب نفسيات أجيال الشباب الجزائري.

إن ظاهرة استخدام مبرر الدراسة في الخارج كقناع لترك الوطن تمثل بعدا ثقافيا جديدا أصبح سلوكا يمارس بطرق مقنعة يضاف إلى أبعاد أخرى مخلة بالوازع الوطني الجزائري الذي كان في الماضي البعيد مقوما من مقومات الهوية الوطنية.

في هذا السياق لاحظ ولا يزال يلاحظ عدد كبير من المهتمين بدراسة التغيرات الجذرية التي لحقت بالشعب الجزائري منذ الاستقلال إلى اليوم أن وازع الوطنية قد بدأ يتلاشى حتى في الأرياف التي كانت في حقبة التحرر الوطني تشكل الحصن الحصين للهوية الجمعية الجزائرية.

جراء هذا التغير السلبي لم يعد الوطن في نظر نسبة كبرى من الجزائريين يساوي سوى ما ينتفعون به، الأمر الذي دفع بكاتب جزائري مخضرم عاش في فترتي الثورة التحريرية والاستقلال معا، وهو الروائي الراحل الطاهر وطار، إلى تسجيل ملاحظة ذكية أكد من خلالها أن النسيج الاجتماعي الجزائري القديم قد حول، بفعل الخيبات المتكررة لمرحلة الاستقلال وبسبب سقوط حلم بناء الدولة الوطنية الديمقراطية العادلة، إلى مجرد تجمعات سكانية لا يربطها شعور جمعي موحد أو قضية وطنية مشتركة.

ونظرا لهذا التحول الخطير فقد أصبح سهلا جدا الكشف عن تفكك منطق الهويات الجماعية المتماسكة في المجتمع الجزائري وحل محله منطق الثقافة المتشظية والعازلة المكرسة في صورة الحكم الفردي الذي يستمد أسباب وجوده من النزعات الشللية والمصلحة الشخصية التي يعلو صوتها على الجميع

Comments are now closed for this entry