العراق: أزمة النموذج الفيدرالي - يحيى الكبيسي

المتواجدون الأن

166 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

العراق: أزمة النموذج الفيدرالي - يحيى الكبيسي

 

بدأت الدعوة الكردية الى النموذج الفيدرالي عام 1992، وكانت هذه الدعوة نتاجا مباشرا لإدارة الحكم الذاتي الذي نشأ في إقليم كردستان في العراق بعد انسحاب الجيش العراقي من الإقليم في العام نفسه. وقد اعلنت هذه الدعوة لأول مرة بشكل رسمي في مؤتمر صلاح الدين للمعارضة العراقية الذي عقد في أكتوبر/ تشرين الاول 1992. ثم تكرس مطلب النموذج الفيدرالي بشكل نهائي مع تشريع برلمان كردستان في العام 2002 قانون فيدرالية «الإقليم الكردي»، ثم مع إقرار مؤتمر لندن للمعارضة العراقية في نهاية العام نفسه أن النظام الفيدرالي يمثل صيغة مناسبة لحكم العراق ينبغي الاستناد اليه لحل المشكلة الكردية.
وبعد احتلال العراق، أقر قانون إدارة الدولة الصادر عام 2004 النظام الفيدرالي رسميا (المادة 4)، بل أنه اعترف بحكومة إقليم كردستان القائمة بسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، كما وضع حدودا للإقليم نفسه (المدة 53/ أ)! ثم جاء الدستور العراقي ليقرر ان العراق دولة فيدرالية (المادة 1)، وإقليم كردستان وسلطاته القائمة إقليما اتحاديا» (المادة 117/ اولا)، وأكد حدوده القائمة تبعا للخط الاخضر الذي كان قائما في آذار/ مارس 2003. 
ولكن، وعلى الرغم من هذا الإقرار، ظل الإطار الدستوري للنموذج الفيدرالي الذي قرره الدستور العراقي نموذجا فريدا لا يشبه أية تجربة فيدرالية في العالم أجمع، وهي تتجاوز الفيدرالية الى حدود الكونفدرالية. 
ولكن السؤال الاهم الذي لم يتم طرحه مطلقا هو: هل يمكن الحديث فعلا عن إمكانية تحقيق نموذج فيدرالي ناجح في دولة ريعية؟ وهل يمكن فعلا الحديث عن إمكانية إضعاف المركز في ظل هكذا دولة؟ إذ ثمة تعارض مفاهيمي بين فكرة الفيدرالية التي تقوم على إضعاف المركز مقابل اعطاء صلاحياته للأقاليم من جهة، وبين واقع الدولة الريعية التي تجعل الحكومة المركزية دائما في مركز القوة بسبب سيطرتها على الريع، وعلى توزيعه من جهة ثانية. ولا نجد في الدول الخمس والعشرين التي تعتمد النظام الفيدرالي دولة ريعية قد يحتذي بها العراق! وفرادة نموذج إقليم كردستان العراق في هذا السياق لم تعفه من الخضوع الكامل للمركز من خلال هيمنة الأخير على الإيرادات الريعية. ويؤكد هذه الحقيقة ما لجأت اليه الحكومة الاتحادية من قطع الميزانية عن الإقليم عامي 2013 ـ 2014.
ولم تكن صيغة «فيدرالية الامر الواقع» المعتمدة في الإقليم، تحديدا فيما يتعلق بالخلافات الجوهرية المركز والإقليم حول مسائل النفط، والمناطق المتنازع عليها، والبيشمركة، تعتمد على النصوص الدستورية او القانونية، او قوة الإقليم الذاتية، بل ظلت تعتمد على حد كبير على طبيعة الصراع الحاد على السلطة في بغداد بين الفاعلين السياسيين الشيعي والسني، وحاجة الطرف الأول إلى الدعم الكردي، ومناورات الأخير واعتماده الابتزاز الصريح في مقابل هذا الدعم لترجيح كفة الفاعل السياسي الشيعي.
يمكن الإشارة باختصار، هنا، إلى المسألة المتعلقة بالصلاحيات في النموذج الفيدرالي العراقي الفريد هذا. لقد قررت المادة 110 من الدستور العراقي الصلاحيات الحصرية للسلطات الاتحادية، وهي صلاحيات محدودة إلى حد بعيد! فضلا عن أنها جاءت بلغة عائمة قابلة للتأويل تبعا لعلاقات القوة وليس اعتمادا على النص نفسه! 
ونصت المادة 114 عن الصلاحيات المشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم، ولكن المادة 115 من الدستور نفسه جاءت لتنقض فكرة الصلاحيات المشتركة بالكامل عندما تحدثت عن «أولوية» قوانين الأقاليم والمحافظات، غير المنتظمة في إقليم، على القوانين الاتحادية في حال الخلاف بينهما! أي أن «الاختصاصات المشتركة» هي في حقيقتها صلاحيات تقررها سلطات الأقاليم وسلطات المحافظات المنتظمة في إقليم، ولا دور للسلطات الاتحادية فيها، فهي عمليا «شراكة من طرف واحد»، ذلك أن سلطات الأقاليم هي التي تحدد « قبول» الشراكة من «عدمها». وهذه السلطات كما تحددها المادة (114) هي: إدارة الجمارك، وتنظيم مصادر الطاقة الكهربائية الرئيسية وتوزيعها، ورسم السياسة البيئية لضمان حماية البيئة من التلوث، ورسم سياسات التنمية والتخطيط العام، ورسم السياسة الصحية العامة، ورسم السياسة التعليمية والتربوية العامة، ورسم سياسة الموارد المائية الداخلية وتنظيمها. فهذه الصلاحيات في النهاية ستكون من نصيب سلطات الأقاليم «عمليا»، أما ما تشير اليه المادة حول «التعاون» و»التشاور» و»التنظيم المشترك» فلا أساس قانوني له في النهاية، بل إن الحديث عن إقرار سلطة المركز قوانين خاصة بإدارة الكمارك، ورسم سياسة الموارد المائية الداخلية يبدو لا معنى له، ما دام ليس لهذه القوانين الاتحادية أية «علوية» على قوانين الأقاليم الخاصة بهذه المجالات! ولا تنتهي الفرادة عن هذا الحد، فقد قررت المادة نفسها أن «كل ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، يكون من صلاحية الأقاليم»! 
وتأتي غرابة النموذج الفيدرالي في العراق ايضا من وجود المادة (126/رابعا) التي تقرر أنه: «لا يجوز إجراء أي تعديل على مواد الدستور، من شانه أن ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني، وموافقة أغلبية سكانه باستفتاء عام». بمعنى آخر لا يجوز أن تنتقص من سلطات الأقاليم، وتحت أي ظرف، إلا بموافقة السلطة التشريعية للإقليم أولا، وبموافقة أغلبية السكان هذه المرة، وليس أغلبية المصوتين!
قلنا في مقال سابق ان أن الحديث عن الدستور كمرجعية لحل الأزمات في العراق، ليس سوى مناورة من جانب بغداد، أو بالأصح الفاعل السياسي الشيعي، لأنه يعلم تماما ان الدستور عاجز عن أيجاد حل يقبل به الجميع. وإن الأخير يعول على علاقات القوة، المختلة لصالحه، لفرض تأويله الخاص على النص الدستوري مهما بدا هذا التأويل مفرطا وبعيدا عن النص! وهذا ما وصلنا اليه بعد أزمة الاستفتاء، ذلك ان الفاعل السياسي الشيعي تواطأ طوال السنوات الماضية مع فكرة وجود نوع من فيدرالية الأمر الواقع في إقليم كردستان، وذلك في سياق محاولته تحييد الفاعل السياسي الكردي في سياق صراعه الحاد مع الفاعل السياسي السني، واليوم يبدو ان الطرف الشيعي يتنصل من هذه الصفقة ويرفض استمرار النموذج الفيدرالي الفريد الذي انتجته لحظة كتابة الدستور، وهو الآن بصدد العمل على إعادة صياغة العلاقة بين السلطة الاتحادية واقليم كردستان إلى ما دون الفيدرالية المقررة في النص الدستوري نفسه! أي ان المشكلة الحقيقية اليوم لم تعد في إقليم كردستان الذي بدا، بعد زلزال كركوك، قابلا بفكرة الفيدرالية تبعا للنص الدستوري، أي ما يعطيه سلطة كاملة على مناطقه المحددة دستوريا، بل في بغداد حيث يرفض الفاعل السياسي الشيعي، كما يبدو، القبول بهذه الصيغة! ومن الواضح ان الولايات المتحدة، وحدها دون غيرها، من يستطيع التوصل إلى صيغة وسط بين الطرفين، وثمة مؤشرات على أن هذه الوساطة الامريكية، التي تأخرت طويلا، قد بدأت تعمل على الأرض من خلال محاولة ايجاد هذه الصيغة، خصوصا فيما تعلق بإدارة المعابر الحدودية بمشاركة امريكية كخطوة أولى باتجاه ايجاد حلول للمسائل العالقة الأخرى، ولكنها في جميع الأحوال ستكون اتفاقات مؤقتة تستند الى علاقات القوة القائمة في هذه اللحظة وستنتهي بتغيرها.

Comments are now closed for this entry