عن خرافة الاستقلالية ثانية! - يحيى الكبيسي

المتواجدون الأن

71 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

عن خرافة الاستقلالية ثانية! - يحيى الكبيسي

 

أشرنا في مقال سابق إلى ان فكرة الهيئات المستقلة كانت واحدة من أبرز ملامح مرحلة ما بعد نيسان/ابريل 2003، حيث حاولت سلطة الائتلاف المؤقتة بإدارة بول بريمر، ليس اعتماد مبدأ الفصل بين السلطات وحسب، وإنما استنساخ بعض صيغ العلاقات غير التقليدية بين مؤسسات الدولة، وتحديدا العلاقة بين ما أطلق عليها «الهيئات المستقلة» والسلطتين التشريعية والتنفيذية. وقد أفرد الدستور العراقـي لاحقا لهذه الهيئات المستقلة مكانة خاصة، عندما عدها واحدة من السلطات الاتحادية بعيدا عن السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. إلا أن هذه الاستقلالية تم إنكارها مبكرا، ولم تستطع البنى الذهنية للنخب السياسية العراقية أن تتسق مع هذه الفكرة؛ ففكرة السلطة في ذهن هذه النخب تشتمل ضمنا فكرة الهيمنة، هكذا انتهينا إلى محاولات انكار استقلالية هذه الهيئات عمليا. ثم حدث تطور من نوع آخر حين انتهت محاولات الهيمنة إلى وأد استقلالية هذه الهيئات مع قرار المحكمة الاتحادية رقم 88 لسنة 2011، الذي جرد هذه الهيئات المستقلة من صفة الاستقلالية وجعلها تابعة للسلطة التنفيذية! مع الابقاء على صفة المستقلة!
اليوم تتقدم المحكمة الاتحادية العليا بخطوة إضافية ليس باتجاه إنكار «استقلالية» هذه الهيئات المستقلة التي قررها الدستور العراقي كما فعلت في قرارها السابق، بل باتجاه التدليس الصريح على فكرة «الاستقلالية» التي وردت في القوانين المنظمة لعمل هذه الهيئات! فقد أصدرت المحكمة الاتحادية العليا يوم أمس قرارا برد الطعن الذي قدمته بعض منظمات المجتمع المدني ضد التشكيلة الحزبية للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات التي اختارها مجلس النواب العراقي الشهر الماضي، عندما قررت أن مفهوم الاستقلالية «لا يعني عدم الانتماء للأحزاب، إنما المقصود هنا الاداء المستقل داخل المؤسسات»! على الرغم من ان القانون تحدث صراحة أن من شروط المرشح لمجلس المفوضين «ان يكون مستقلا من الناحية السياسية» (المادة 3/ 6 من قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات رقم 11 لسنة 2007).
بالعودة إلى القوانين المنظمة لعمل الهيئات المستقلة في العراق، سنجد انها جميعا تحدثت بشكل واضح عن شرط «الاستقلالية» ولكن هذه الاستقلالية تم تأويلها «سياسيا» بالطريقة نفسها التي جاءت في تأويل المحكمة الاتحادية العليا! 
فالامر رقم 18 المعنون «تدابير لضمان استقلال البنك المركزي العراقي»، والذي الحق بالامر رقم 56 الخاص بقانون البنك المركزي العراقي، والذي تحدث صراحة عن بنك يتمتع بالاستقلال «ولا يتلقى أية تعليمات من أي شخص أو جهة بما فيها الجهات الحكومية». وقد كانت هذه المادة سببا جوهريا في الصراع الذي خاضه البنك المركزي العراقي مع السلطة التنفيدية بداية من العام 2008 بسبب عجز الموازنة حينها، خاصة فيما يتعلق بانفاذ المادة 26/ 1 من هذا القانون والتي قررت «حظر إقراض الحكومة» وعدم منح البنك المركزي «أية اعتمادات مباشرة أو غير مباشرة للحكومة او لأية هيئة عامة أو جهة مملوكة للدولة». وقد انتهى هذا الصراع إلى سيطرة السلطة التنفيذية على البنك المركزي العراقي بشكل كامل وإزاحة محافظ البنك المركزي السابق بطريقة غير قانونية عام 2012 بسبب التزامه بالقانون، ثم تعيين محافظ بالوكالة اولا، واخيرا قام رئيس مجلس الوزراء السابق نوري المالكي في أيامه الاخيرة في منصبه، محافظا للبنك المركزي بالوكالة ينتمي إلى حزب الدعوة الذي ينتمي اليه المالكي نفسه! وبقي الأمر على حاله بعد تولي السيد حيدر العبادي، المنتمي لحزب الدعوة أيضا، منصب رئيس مجلس الوزراء! وكانت النتيجة المباشرة لهذا النقض الصريح لفكرة الاستقلالية، الالتفاف على قانون البنك المركزي فيما يتعلق بحظر اقراض الحكومة مما تسبب بانخفاض الاحتياطي النقدي للبنك المركزي من 84 مليار دولار في العام 2013 إلى ما دون 35 مليار دولار في احسن التقديرات! 
اما هيئة النزاهة، فقانونها رقم 30 لسنة 2011 يتحدث صراحة عن «هيئة مستقلة»، يشترط فيمن يرشح لرئاستها «أن يكون مستقلا لا ينتمي لأية جهة سياسية» (المادة 5/ سادسا)! ولكن الجميع يعلم ان هذه الهيئة فقدت استقلاليتها مبكرا، وأصبحت اداة سياسية بيد الفاعل السياسي المهيمن على السلطة التنفيذية، هكذا تم إزاحة رئيسها «المستقل» في العام 2011، ليصل الأمر إلى تعيين رئيس مجلس الوزراء العبادي نفسه، هذه المرة، لشخصية سياسية، سبق له ان كان نائبا في البرلمان عن دولة القانون، التي ينتمي اليها العبادي نفسه بين عامي 2010 و 2014، حيث رأس هذه الهيئة في العام 2015 بعد فشله في الوصول إلى مجلس النواب!
ولن يختلف الامر كثيرا مع الهيئات المستقلة المفترضة الاخرى؛ فهيئة الاتصالات والاعلام التي ما زال قانونها رقم 65 لسنة 2004 يتحدث عن الاستقلال بوصفه «مفتاح تحقيق الفعالية في تنظيم وتعزيز الأسواق التنافسية»، وان هذا الاستقلال يعني ضرورة عدم تعرضها «للتدخل أو الضغط السياسي غير الملائم من أي حزب سياسي»! تحولت في الواقع، إلى هيئة حزبية بتواطؤ جماعي، وينطبق الأمر نفسه على شبكة الإعلام العراقي الذي يكشف قانونها تحولا صريحا في ذهنية المشرع العراقي هذه المرة! فقانون الشبكة رقم 26 لسنة 2015 الذي تحدث عن شبكة «تعمل طبقا لمبادئ الاستقلالية»، أطاح هو نفسه بهذا المبدأ عندما اشترط في أعضاء مجلس الامناء ورئيسها أن لا يمارس أي منهم «أي نشاط حزبي أثناء عمله»، أي أن شرط الاستقلالية لم يعد شرطا مسبقا للترشيح بل شرطا لاحقا به! هكذا تحولت الشبكة هي الاخرى إلى هيئة حزبية!
في سياق مسرحية «الاستقلالية» التراجيكوميدية هذه، كان ثمة لحظة لا يمكن نسيانها! وهي لحظة ترشيح رئيس مجلس الوزراء السابق في العام 2009 السيد وليد الحلي، عضو المكتب السياسي في حزب الدعوة الاسلامية، وعضو مجلس النواب العراقي عن حزب الدعوة، رئيسا للهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة. ولكن هذا الترشيح لم يمر في مجلس النواب حينها. وتم لاحقا تعيين السيد فلاح شنشل، القيادي في التيار الصدري، وعضو مجلس النواب عن هذا التيار بين عامي 2005 و 2010 رئيسا لهذه الهيئة! على الرغم أن المادة 2/أولا من قانون الهيئة رقم 10 لسنة 2008 نصت على أنها «هيئة مستقلة ماليا وإداريا»، وأنها ستحل محل «الهيئة الوطنية لاجتثاث البعث» التي نص الدستور في المادة 135/أولا على أنها «هيئة مستقلة». وكان المرشح الأول هو نفسه من قدم في 28/12/2008، ممثلا لحزب الدعوة، مذكرة شكوى إلى محكمة الجنايات العليا ضد «أعضاء مجلس قيادة الثورة ووزراء الداخلية والدفاع والقيادات العسكرية والأمنية وقيادات حزب البعث» التي حكمت العراق خلال 35 عاما! إن مجرد ترشيح قيادي في أحد الأحزاب ذات الخصومة التاريخية الطويلة مع حزب البعث، و الممثل لذلك الحزب في قضية ما زالت مطروحة أمام القضاء حينها، لهذا المنصب، إنما يكرس حقيقة واحدة، ألا وهي أن فكرة السلطة في ذهن النخب الحاكمة لا تعني شيئا سوى مزيد من السيطرة على الدولة ومؤسساتها بالكامل، ومن ثم فإن فكرة «الاستقلالية» ليست سوى خرافة اخرى في العراق الحديث قبل نيسان/ابريل 2003 وبعده.

Comments are now closed for this entry