هكذا قالت ليً قارئة الفأل - هادي حسن عليوي

المتواجدون الأن

75 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

هكذا قالت ليً قارئة الفأل - هادي حسن عليوي

 

في أحد أيام صيف العام 1980 كنتُ أسير على شاطئ أوستيا الجميل في وسط روما.. حيث كان الجو حاراً.. وقد امتلأ الشاطئ بعشرات الحسناوات.. وهنً بالبكيني.. بعضهنً يزاولنً لعبة الورق (القمار).. وأخريات يسبحنً.. أو يلعبن كرة داخل النهر.. والبعض الآخر مستلقيات على ظهورهن على رمال الشاطئ.. وفي خضم استمتاعي بهذا الجو الرومانسي.. وإذا بأحدٍ يصطدم بيً برفق.. نظرتُ إليه فإذا هي عجوزٌ.. وعلى الفور سحبتْ يدي ونظرتْ في كفي وكأنها تقرأ فيه.. ثم حدقتْ بوجهي ملياً.. وقالتْ: سترشح إلى وظيفةٍ رفيعةٍ.. وأمامكً طريقان.. الأول على يمينكً.. لونه أحمر.. والثاني على يساركً.. لونه اخضر.. فإن وافقت ستعدم.. وان رفضتً المنصب تصل إلى الكيلو 86 .. (أي سيصل عمري الى 86 سنة) كما قالتنظرتُ إليها وقلتٌ مع نفسي: إنها دجالة.. وهؤلاء هم فتاحو الفال وقراء الكف يفتشون عمن يعتقدونً من هيأته وملابسه انه غنيُ ليوقعونه بحبالهم.. مع ذلك سألتها: متى يتم ذلك ؟.. أعادت النظر بوجهي وقالت: بعد ستة أيام أو ستة أشهر.. وسحبت من حقيبتها كارتها ودسته في يدي.. وقالت قد تحتاجه.. وتركتني.. من جانبي نسيتُ الموضوع تماماً.. لأنني لا أؤمن بهذه الخزعبلات.. وأعتبرها جزءً من التخلف الذي يعيشه البعض 
المهم في مساء اليوم الرابع بعد هذه الحادثة اتصلً بيً هاتفياً صلاح البزاز.. الموظف في السفارة العراقية في روما.. وأبلغني نصاً: (يريدوكً في بغداد لأمرٍ هام).. ومنذ صعودي الطائرة حتى وصولي بغداد كنتُ أفكر في أقوال هذه الدجالة.. وهل جاءت صدفة أم إنها حقيقة؟.. وهل فعلاً إنني مرشح لمنصب رفيع؟.. أخذتُ الأمر بجد.. وفكرتُ ملياً.. وحددتُ موقفي النهائي بأن أعتذر عن قبول أي منصب يعرض عليً.. وبصيغة تجعل الدولة هي ترفض ترشيحي.. فالرفض من قبلي قد يفسر بشكل يجعلني أقضي بقية عمري في أبو زعبل..
المهم: في صباح اليوم التالي كنتُ في الوزارة.. وقابلتُ الوزير الذي قال ليًيريدونكً في رئاسة الجمهورية.. وابلغً سكرتيره الذي اتصل هاتفياً.. ثم ابلغني: موعدكً غداً التاسعة صباحاً..
وفي الموعد المحدد صباح اليوم التالي (أي اليوم السادس.. كما قالت قارئة الفال) كنتُ في القصر الجمهوري.. وخلال المقابلة: بينتُ إنني لا أصلح ولن أنجح سوى في مسؤولية الحقل الإعلامي أو وزارة الخارجية.. وهذين الحقلين هما اختصاصي وخبرتي التي نجحتُ بهما.. ومن الطبيعي لا يمكن أن أكون في أي من هذين المنصبين.. فهما للقيادات الحزبية.. وليس لموظف تكنوقراط مثلي أبداً.. وانتهى الأمر..
بعد أسبوع عدتُ إلى روما.. والتقيتُ قارئة الفال (كاميرا) في مكتبها.. فوجئتُ بصور كبيرة معلقة على جدران مكتبها لرؤساء الدول وهي مع كل واحد منهم.. فتبين إنها عالمة فلك معروفة.. والتقت هؤلاء الرؤساء والملوك لقراءة مستقبلهم.. ولها علاقات متينة مع غالبيتهم..
المهم: قالت ليً كاميراعندما كنتً أمامي في منطقة أوستيا شعرتُ بانجذاب نحوكً.. وعندما نظرتُ إليكً عرفتُ انك ستعدم.. لهذا قمتُ بما أملاه عليً ضميري.. ضحكنا.. وسحبت يدي أيضاً.. ونظرت بوجهي.. وقالت بعد مدة سيعاقبونكً وينقلونكً إلى بغداد.. فاحذر أن تقبل منصباً هناك..
وهذا ما حدثً.. فقد عوقبتُ من دون سبب.. ونقلتُ إلى بغداد.. وباشرتُ عملي في دائرة الإعلام الخارجي بوزارة الإعلام.. وبعد مدة قصيرة صدر أمر وزاري بتعيني مديراً عاماً للدار الوطنية للتوزيع والإعلان في وزارة الإعلام.. لكنني اعتذرتُ.. ولم أباشرُ العمل في هذه الدار.. ولم يتم إلغاء أمر تعيني هذا إلا بعد مدة.. وبقيتُ في دائرة الإعلام الخارجي بلا عمل (مجمداً تماماً)..
بعد مدة أحلتُ على التقاعد.. وأنا في عنفوان نضجي الفكري والصحي والجسماني.. وفي الأربعينيات من عمري.. وكنت وقتها أحمل شهادة الماجستير في العلوم السياسية بامتياز.. ولم يكن لي خدمة سوى 17سنة.. فكان راتبي التقاعدي أقل راتب.. وما زال حتى الآن أقل راتب تقاعدي.. فلم يعاد تعيني لا في العهد السابق.. ولا في العهد الجديد..
في حزيران العام 1984عينتُ مديراً للبحوث والتدريب في مركز التوثيق الإعلامي لدول الخليج العربي (وهذا المركز هو منظمة إقليمية تابعة لجامعة الدول العربية) مقرها في بغداد.. وفي 25 تشرين الأول من نفس العام أوفدني هذا المركز لأمثله في مؤتمر الشبكة العربية للاتصالات الذي تعقده جامعة الدول العربية في تونس.. ومن هناك اتصلتُ هاتفياً بكاميرا لأتأكد من وجودها حتى ألتقيها في روما بعد انتهاء المؤتمر.. ضحكت وقالت: أنا سأكون في تونس بعد يومين في فندق (انترنشنال أفريكا).. الذي كنتُ أنا أقيمُ فيه.. وتبينً إنها كانت تنزل به كلما ذهبت الى تونس..
وفعلاً حضرت الى الفندق والتقينا: نظرت كاميرا في كفي.. وحدقت ملياً بوجهي.. وقالت: لا تخف أبداً لن تعدم ولن تسجن بعد.. وأضافت قائلة: خرجتً مَن فم الأسد.. وسيدخل (صاحبكً) فم الأسد ولن يخرج منه أبدا.. لكن ستمر في ظروف صعبة وتعيش في قلق شديد..
ثم حدقت في وجهي ملياً.. وقالت بهدوء وملامح الدهشة ظاهرة على وجهها: (ستكون عائلتكً الكبيرة على كف عفريت.. وبلدكم في خطر.. وتلتف حوله الأفاعي من كل مكان.. وبحار من الدماء ستغمر بلدكم).. قلتُ لها: (نحن الآن في حرب مع إيران.. وبلدنا غارق في بحر من الدماء).. قالت أبداً: (أنا انظر الى المستقبل.. وليس ما يجري الآن).. وأضافت: (ستمر بلدكم في سنين عجاف وحروب مدمرة.. ويستمر بحر الدم في بلدكم.. ولن يتوقف إلا بقتل العفريت الذي دخل بلدكم)..
ومرت السنين.. وتوقفت الحرب مع إيران.. ثم دخلنا الكويت.. وطردنا بعد تدمير جيشنا.. لتندلع انتفاضة آذار 1991 في وسط وجنوب العراق.. ثم الانتفاضة الكردية في كردستان.. ونزيف الدم مستمرأ بلا توقف..
ومرً بلدنا في سنين عجاف (حصار اقتصادي منذ أوائل 1991 الى نيسان 2003).. ونزيف الدم لم يتوقف فالطائرات الأمريكية تقصف بغداد ومدن العراق بين آونة وأخرى..
وقامت الحرب من جديد في آذار 2003 واحتل العراق.. ثم دخل صدام السجن..ولم يخرج منه أبدا.. إلا الى القبر.. كما قالت كاميرا.. واستمر نزيف الدم دون توقف.. ودخل الإرهاب بلدنا.. ثم اندلعت الحرب الطائفية.. وعمت التفجيرات كل مدن العراق وحتى في صحرائه.. وفي العام 2007 اتصلتُ هاتفياً بكاميرا عدة مرات دون رد.. أخيراً تذكرت صديقي هادي القدسي هناك.. لكنه أبلغني إن كاميرا مات قبل سنة 
  واستمر بحر الدم يجري في العراق بغزارة من دون توقف.. فتحققت نبوءة كاميرا كاملةً..

فالعائلة الكبيرة (شعب العراق) على كفِ عفريت.. الذي جاءنا من خارج البلاد.. كما قالت كاميرا.. فيما سياسيونا الكبار استمروا يناقشون الأزمات السياسية.. ولم يحلوها بل زادوها تعقيداً.. وهاجس كاميرا يقلقني باستمرار فهل سيكون العام 2018 عام القضاء على العفريت؟.. وتتوقف فيه بحار الدماء.. ونرفع راية السلام في بلدنا ؟.. أم ماذا؟ هل حقاً يتوقف بحر الدماء؟ أم قبل أن نستكمل قتل العفريت.. تبدأ صفحات جديدة من طواغيت  السياسة.. ويعود العفريت أو عفريتٌ آخر يبدأ في قتلنا من جديد.. ونزيف دماء شعبنا تستمر؟ أسئلة تراودني بلا إجابات مؤكدة..

أين أنتِ يا كاميرا؟.. لماذا متِ؟ أنا قلقٌ.. لماذا لم تنتظرينا؟ لتشاهدي ماذا عمل العفريت بنا؟ وماذا عمل حكامنا الجهلة بنا؟ حكامٌ لا يستحون.. ما زالوا يتباهون.. وهم الذين سلموا مدننا الى العفريت بلا قتال..

أين أنتِ يا كاميرا؟ ما العمل؟.. بالتأكيد سنقتل العفريت الذي جاءنا من الخارج؟.. لكن كيف نقتل العفاريت التي جاءت مع الدبابة الأمريكية؟.. أم التي ظهرت علينا من الداخل في ظل العملية السياسية الفاسدة؟..

ماتت كاميرا !! أين نجد كاميرا أخرى؟.. قارئة فال أخرى؟ كي تنبؤنا بمن يوقف نزيف الدم.. وأردد مع نفسي: من يخلصنا من العفريت؟  

Comments are now closed for this entry